الأكوان المتعددة

أمام إشكال المعايرة الدقيقة للكون fine-tuning of universe ، أو الشروط الأولية التي ترافقت مع ظهور الكون، افترض الملاحدة وجود أكوان متعددة لا نهاية لها ظهر كوننا من بينها بقانون الإحتمالات وهذه مغالطة تحتوي على عشرات الأخطاء العلمية والمعرفية والعقلية والمنطقية، لكنها الحل الوحيد المتاح!

يعترف ريتشارد داوكنز في حواره مع ستيفن واينبرج على موقعه الرسمي، فيقول ” إذا اكتشفت هذا الكون المدهش المعد فعليًا بعناية .. أعتقد ليس أمامك إلا تفسيرين إثنين .. إما خالق عظيم أو أكوان متعددة .”
If you discovered a really impressive fine-tuning … I think you’d really be left with only two explanations: a benevolent designer or a multiverse.

VOICES OF SCIENCE…Richard-Dawkins-Steven-Weinberg-Lawrence-Krauss-PZ-Myers-David-Buss

وردًا على خرافة الأكوان المتعددة نقول:
أولاً: افتراض وجود أكوان متعددة هو فرض ميتافيزيقي لا يدعمه دليل إمبريقي أو تجريبي أو ميثودلوجي واحد!
وكون عقل الملحد يدعم هذا القول بل ويقوم باستخدامه؛ فهذا معناه أن العقل يدعم الفرض الميتافيزيقي ولا يستبعده من الحساب العقلي، إذن عقولنا مُهيأة لاستيعاب الماورائيات، إذن لا مانع من قبول فكرة الميتافيزيقيا عموماً، وإنما يعترض الملحد على نسبتها إلى الخالق تحديداً !!!
فمشكلة الملحد مع الخالق تحديدًا وليست مع المعطيات أو مع تركيبة عقله!!

ثانياً: يستحيل إمبريقيًا –تجريبيًا- إثبات أكوان قبل كوننا، أو أكوان مع كوننا، لأن هذا الأمر رصديًا يكسر حاجز أُفق الجسيم particle horizon وهذا أمر ممنوع فيزيائياً.

ثالثًا: الرياضيات التجريدية لا تسمح بوجود كون آخر مع كوننا أو كون آخر قبل كوننا، لأن وجود أكثر من كون سيتبع نفس main Hamiltonian وهذا ممنوع رياضياً طبقاً لل orthagonality theorm.

رابعًا: وجود أو عدم وجود أكوان أُخرى لا يجيب عن السؤال، ولا يُفسر المعايرة الدقيقة لكوننا، المشكلة أن الملحد في رده هذا يتصور أن كوننا هذا مثل النرد – الزهر- الذي رُمي بلايين المرات- ولا ندري مَن الذي يرمي النرد في كل مرة-، المهم أنهم يتصورون أنه من البساطة بمكان أن يأتي كون واحد من بعد بلايين الرميات العشوائية بشكل منظم وبتوليف دقيق كامل لثوابته الفيزيائية، والخطأ هنا أنهم يتصورون أن ذلك التوليف الدقيق المدهش هو مثل أن يأتي رمي ألف زهر متتابع ويأتون جميعهم بالرقم 6 مثلاُ، المهم أن بلايين الرميات تأتي كل مرة بتوليفة دقيقة تسمح بوجود ثوابت كونية مدهشة، والمشكلة الأُخرى ثبات هذه التوليفات والحفاظ على باقي التوليفات الصحيحة، فكل ثابت من الثوابت الكونية هو توليفة دقيقة من بلايين الرميات، وليست القضية في التوليفات فحسب بل بقاء هذه التوليفات، ودقة هذه التوليفات.

وفكرة الأكوان المتعددة هي فكرة نتجت لحل معضلة الإعداد المسبق لكوننا بعناية fine tuning of the universe فهي كحل تفترض أن هناك تريليونات تريليونات تريليونات الأكوان الأخرى 10 أس500 كون طبقا لستيفن هاوكنج في كتابه الأخير – التصميم العظيم – لكن في الواقع نحن لم نشهد أي كون آخر غير كوننا فضلا عن تريليونات تريليونات تريليونات الأكوان الأخرى .
ثم إن هذا لا يحل مشكلة التصميم المسبق بعناية لكوننا بل ربما مع الوقت يطرح تساؤلات فلسفية أعمق مع تقدم علوم الفيزياء .

وللمرء أن يتسائل: لماذا الإقدام على فرضية غاية في الغرابة والدهشة والبعد عن التجريب والإختبار واليأس التام في الرصد كتلك الفرضية، فقط لمجرد الهروب من معطيات كوننا التي تطرح تساؤلات فلسفية عميقة؟

يرى علماء الكونيات الداعمين لتلك الفكرة من أمثال ليونارد سوسكايند أن رصد كون آخر هو مستحيل علميًا ومنطقيًا، والسبب في ذلك يرجع كما قلنا لما يُعرف بأُفق الجسيم the particle horizon وهو أقصى مسافة من تلك الجسيمات التي تحمل المعلومات والتي ما أن تصل للراصد يكون عمر الكون قد انتهى منذ مليارات السنوات الضوئية، وأي كون آخر حتمًا هو خارج أُفق الجسيم the particle horizon .

وبما أن فرضية الأكوان المتعددة طبقا لأفق الجسيم يستحيل رصدها أو حتى إختبار وجودها فإنها تخرج خارج دائرة العلم المادي النظري – لأن حجر الزاوية في العلم هو الرصد والإختبار والتجربة – وتتحول إلى فرضية فلسفية لا تخرج خارج هذا الإطار .

ولذا يقول عالم الكونيات جورج إليس cosmologist George Ellis أن فرضية الأكوان المتعددة ليست من العلوم، ولا توجد داخل دائرة العلم وإنما في إطار الفلسفة .
ويبدو أنه كما قال أرسطو قديمًا أن: الذي ينكر الميتافيزيقيا هو أيضًا يتفلسف ميتافيزيقيًا .

ثم إننا بحاجة إلى رصد كون يختلف عنّا في قوانين فيزيائه وقاصر في معطياته، حتى نفخر بكوننا وأنه الكون المميز وهذا يطرح إشكالات أعمق بكثير إذ لابد من التصميم الدقيق لكل كون قبل خروج هذه الأكوان بكل هذه المعطيات ففي كتابه التصميم العظيم يقرر ستيفن هاوكنج أن فكرة الأكوان المتعددة هي فكرة مزعجة للغاية .
فعملية إبداع أكوان متعددة عملية مدهشة للغاية وتحتاج إلى قوانينها الخاصة هي الأخرى، وثوابتها الفيزيائية الخاصة التي ربما تفوق في دهشتها وعظمتها ثوابتنا تريليونات تريليونات تريليونات المرات، وهل لهذه الأكوان المتعددة كون ” أُم” ، ثم مِن أين أتى هذا الكون الأُم؟ وبالتالي ربما نكتشف أن الذين افترضوا أكوان متعددة سيجابَهون يومًا ما بإلزامات ماورائية أعظم بكثير مما لو كانوا تخلوا عن تلك الفكرة … إننا ننتقل خطوة ما ورائية أعلى بالقول بأكوان متعددة .

إذن الأكوان المتعددة لم تحل مشكلة الإعداد بعناية بل طرحت مشكلة الإعداد بعناية لكن على أبعاد أخرى ربما لا يجرؤ العقل البشري على استيعابها في الأمد المنظور .

ثم إن معادلات النظرية M والتي اعتمدها ستيفن هاوكنج في كتابه الأخير تفترض خمس نهايات –معادلات- مختلفة تمامًا، والخمس معادلات بنفس الدرجة من القوة وكل معادلة تنتهي بملايين الطرق المختلفة.

يقول ستيفن هاوكنج في كتابه الأخير -التصميم العظيم ص174- ما يلي:
In addition to the question of dimensions, string theory suffered from another awkward issue: There appeared to be at least five different theories and millions of ways the extra dimensions could be curled up
String theorists are now convinced that the five different string theories and supergravity are just different approximations to a more fundamental theory, each valid in different situations.That more fundamental theory is called M-theory p.174

ولذا يعترف هاوكنج أننا حتى الآن نحاول أن نفك ألغاز النظرية إم ولكن يبدو أن هذا مستحيل:
People are still trying to decipher the nature of M-theory, but that may not be possible.p.175

أيضًا هذه الطريقة الفلسفية – الأكوان المتعددة- للهروب من مُشكلة المعايرة الدقيقة للكون تناقض شفرة أوكام Occam’s razor ، فطبقا لشفرة أوكام فإن أبسط التحليلات لمشكلة معقدة هي الصحيحة، وينبغي اختيار أبسط نظرية تناسب حقائق المعضلة، لكن هؤلاء الفيزيائيون يختارون أعقد نظرية إنهم يختارون 10 أس500 كون وخمس معادلات صحيحة وملايين الطرق لكل معادلة، كل هذا حتى يتسنى لهم أمام هذه التريليونات تريليونات تريليونات الأكوان أن يفترضوا صدفوية نشأة كون مميز للغاية ككوننا .

الخلاصة:
لقد سقطت المقولات الإلحادية القديمة التي كانت تقول أن الكون كاف نفسه بنفسه، واحتاج الملاحدة أنفسهم للخروج خارج الكون للبحث عن أكوان متعددة، للخروج من مأزق الثوابت الكونية التي هم أنفسهم أطلقوا عليها الثوابت المُعدة بعناية fine-tuning .

والآن: وبعد أن تبين أنه لا يوجد حل عملي أو فيزيائي مقنع للثوابت الكونية التي نحيا في ظلالها وعلى روافدها، لم يعد أمام هؤلاء مناص مادي أو فيزيائي أو عقلي من التسليم بالخالق العظيم الذي أتقن كل شيء، وجاء به على أروع صورة تدهش كل عالم فيزيائي يبحث في الكون ويُسلم بعظمة الخلق وروعة الإبداع وذهول الثوابت الفيزيائية .. {صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون} ﴿٨٨﴾ سورة النمل، فسبحانه {ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} ﴿٥٠﴾ سورة طه، سبحانه الذي أحسن كل شيء خلقه وجاء به على أروع صورة {الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين} ﴿٧﴾ سورة السجدة.

وهو سبحانه الذي أمرنا أمرًا مباشرًا أن نتفكر في آلائه وعظمة خلقه وكيف بدأ الخلق {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير} ﴿٢٠﴾ سورة العنكبوت
لقد سرنا ونظرنا كيف بدأ الخلق، ونشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فهو الذي علمنّا كيف نشكر الله، فالحمد لله رب العالمين.

 

0 0 votes
Article Rating