أولًا: الرسول صلى الله عليه وسلم مثالٌ للكمال البشري:
إن الدَّارس لسيرة الرسول الكريم محمدٍ صلى الله عليه وسلم خاتمِ الأنبياء والمرسَلين، الذي اختاره الله عز وجل من بين البشر، وفضَّله على جميع الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام – يُدرك بجلاء أنه مِثالٌ للكمال الإنسانيِّ؛ حيث جمع عليه الصلاة والسلام أصولَ الكمال البشريِّ، وحاز أعلى مراتب الدِّين والخُلُق، فهو صلى الله عليه وسلم:
1- أوَّلُ المسلمين: قال عز وجل: ﴿ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الزمر: 12]، وهذا الإعلان من النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مأمورٌ أن يعبدَ الله وحدَه، ويُخلِص له الدِّين وحدَه، وأن يكون بهذا أوَّلَ المسلمين، وأنه يخاف عذابَ يومٍ عظيمٍ – هذا الإعلان ذو قيمةٍ كُبرى في تجريد عقيدة التوحيد كما جاء بها الإسلام، فالنبيُّ صلى الله عليه وسلم في هذا المقام هو عبد الله[1].

2- أخشى الناسِ لله تعالى: إنَّ أخْشى الناس لربِّهم وأتقاهم له سبحانه وتعالى هو نبيُّنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ﴾ [الزخرف: 81]؛ أي: أول المنقادين والخاضعين والمتذلِّلين لربِّهم سبحانه وتعالى، وقيل في معنى ذلك: إن كان للرحمن ولدٌ في قولكم وعلى زعمكم، فأنا أولُ من عَبَده بأنه واحدٌ لا شريكَ له ولا ولد[2].

3- أحْسَنُ الناسِ خُلُقًا: إن نبيَّنا محمدًا صلى الله عليه وسلم هو المتمِّمُ لمكارم الأخلاق، والمعلِّمُ لمحاسِنِها، وهو صلى الله عليه وسلم مَجْمَعُ الخِصال الحسنة، ومَنْبَعُ الآداب السامية، لقد اكتمل به صلى الله عليه وسلم الدِّينُ، فهو بمثابة لَبِنة اكتمل بها صرْحُ البناء واستوى على سُوقِه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنَّ مَثَلي ومَثَلَ الأنبياء من قَبْلي كَمَثَلِ رجُلٍ بنى بيتًا فأحْسَنَه وأجْملَه، إلَّا موضِعَ لَبِنةٍ من زاويةٍ، فَجَعَل الناسُ يطُوفُون به ويَعْجَبُون له، ويقولون: هلَّا وُضِعَتْ هذه اللَّبِنة! قال: فأنا اللَّبِنة، وأنا خاتَمُ الأنبياءِ))[3].

لقد كان رسولنا الكريم على منزلة عظيمة من الخُلُق، بيَّنها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]، فكان خُلُقه سببًا في إسلام كثيرٍ من الناس؛ حيث أُعجب بأخلاقه الصغيرُ والكبيرُ، والرجلُ والمرأةُ، والحرُّ والعبد؛ لأنه كان يُعامل الناس برفقٍ ولينٍ، ويتحمَّل ويصبر، ويعفو ويصفح؛ فمَلَكَ قلوب الناس وعقولَهم، وهذه نماذجُ من أخلاقه:
1- صبره: إن صور صَبْره كثيرةٌ ومتنوِّعةٌ بتنوُّع المواقف والأحداث، فقد صبر على الاضطهاد والتعذيب، كما صبر على الإيذاء والتجويع، وصبر على السُّخرية والاستهزاء الذي لحقه من قومه، ولم يكن هذا الصبرُ خلال ساعاتٍ أو لحظاتٍ، بل امتدَّ طيلة الثلاثة عشر عامًا التي قضاها في مكة.

2- رحمته: عُرف رسولُ الله بخُلُق الرحمة في جميع أعماله، ومع جميع الناس، حتى الأعداء عامَلَهم الرسول بخُلُق الرحمة، بل رحمتُه شملتْ حتى الحيوان والنبات، قال تعالى:﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾ [آل عمران: 159]، وقد يفقد الرُّحماء رحمتَهم في مواقفَ وأحداث تقتضي القسوة والانتقام، لكن رسول الله يتعرَّض لأصناف من الأذى والقسوة، فيُقابل ذلك بالعفوِ والصفْح رحمةً بقومه ورجاءً في إسلامهم، فقد آذاه أهلُ الطائف وضربوه، فصبر وتحمَّل شتَّى أصناف الأذية والسُّخرية، ولم تقتصر رحمتُه على الإنسان بل شملتْ الحيوان أيضًا، فكان أرحمَ الخَلْقِ به، يَنهى عن تعذيب الحيوان واتخاذه للهو والعبث، ويأمر من يُريد الذبح أن يُحْسِنَ الذبح رحمةً بالحيوان.

3- حلمه: كان رسول الله أحْلمَ الناس؛ يعفو عن الجاهل، ويصفح عن قومه لما آذوه، ولا ينتقم لنفسه؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: “ما ضرب رسولُ الله بيده خادمًا له قطُّ، ولا امرأةً ولا ضرب بيده شيئًا إلَّا أن يُجاهد في سبيل الله، ولا خُيِّر بين شيئين قطُّ إلَّا كان أحبَّهما إليه أيسرُهما حتى يكون إثمًا، فإذا كان إثمًا كان أبعدَ الناس من الإثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه حتى تُنتهَك حُرُمات الله فيكون هو يَنتقم لله”؛ رواه أحمد.

4 – كرمه: أما كَرَمُه، فقد فَاقَ كلَّ كرمٍ، كان أجودَ بالخير من الرِّيح المرسلة، أخرج الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: “فلرسولُ الله أجودُ بالخيرِ من الرِّيح المرسَلة”.

5- تواضعه: من تواضُعه مساعدةُ أهله في أعمالهم، كان لا يتميَّز عن أصحابه بموضع، ولا بمكانٍ مرتفعٍ، وكان يكره الإطْراء والألقاب، وإذا تصدَّق وضع الصَّدَقة بيد المسكين، وإذا أقبَلَ جلس حيثُ ينتهي به المجلس، وكان يذهب إلى السوق، ويحمل بضاعته بنفسه.

ثانيًا: الرسول صلى الله عليه وسلم نموذجٌ للتَّأسي والاقتداء:
قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21]، لقد سبق الحديث عن بعض أخلاق الرسول الكريم؛ كالصبر والحِلم والكرم، ونحاول أن نُجلِّي هذه الأخلاق وغيرها في مجال من مجالات الحياة للاقتداء به؛ لأنه القدوة في كلِّ المجالات، والأسوة لكلِّ الأفراد والجماعات، وهو النموذج الذي ينبغي أن يُحتذى به في كلِّ الوظائف والمؤسسات من أجل تحقيق الحياة الطيبة.

1 – الاقتداء به في عبادته وزهده:
فقد كان عابدًا متقرِّبًا إلى الله بكلِّ الطاعات والقربات الشاملة لجميع مجالات الحياة؛ من تربية وتعليم، وبِرٍّ وصِلة، وصَدَقة ومواساة، وأمرٍ بالمعروف ونهي عن المنكر، ولم يكن في عبادته غلوٌّ ولا رهبةٌ، بل اتَّصف بالتوازُن والاعتدال واليُسْر ورفع الحَرَج والمشقَّة.

2 – الأب الرحيم والزوج الحكيم:
كان رسول الله أبًا رحيمًا يشفق على أبنائه وأبناء الصحابة جميعًا، يُقبِّلهم ويلعب معهم، ويحرص على تعليمهم: ((يا غلامُ، سمِّ الله…))، وكان يُعين أهله ويقضي حاجاتهم بنفسه، وكان لا يضرب خادمًا ولا يُعنِّفه، ولا يُحمِّله من الأشغال أكثرَ من طاقته.
وكان رسول الله زوجًا ودودًا حكيمًا، يعدل بين الأزواج، ويُوصي بالنساء خيرًا، ويجعل الخيرية في إكرام الأهل.

3 – المعلم والمربِّي القدوة:
لقد أسَّس النبيُّ لقواعد العلم وأساليب التربية، وأخرَجَ أُمَّةً اتَّصفت بالعلم والتربية وحُسْن الخُلُق، فمن الأساليب التربوية النبوية لتعليم الأجيال وتقديم القدوة ما يلي:
أ – التربية بالقدوة: فهو القدوة لأصحابه، يرون فيه النموذج والمثال الذي يحفزهم على العمل والاستجابة لما يطلبه منهم.

ب – الحوار والمناقشة: وهو أسلوبٌ تربويٌّ مؤثِّر ومشوق للمتعلِّم، فمرةً يسألهم عن الجار، وأخرى عن المفلِس، أو عن المسلم.

ج – الموازنة العقلية وضرب الأمثلة: وهي من الأساليب التربوية التي تُقرِّب المعلومة من المتلقي وتحلُّ إشكالاته، وتجعله يَقبَل النصيحة عن اقتناع، ومن أمثلة ذلك معالجةُ إشكالية الرجل الذي طَلَب من الرسول الإذن في الزِّنا، وكيف تدرَّج معه النبيُّ في الإقناع بترك الزنا.

ثالثًا: الاقتداء بالرسول سبيلُ الحياة الطيبة:
إن الاقتداء بالنبيِّ يُحقِّق للمسلم الحياةَ الطيبة القائمة على رضا الله تعالى وتوفيقه، ونيل الدرجات في الدنيا والآخرة، وهذه بعض الفوائد والنتائج التي يجنيها العبدُ المقتدي برسول الله:
1- نيل محبة الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [آل عمران: 31].

2- الهداية والفلاح: قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ [النور: 54].

3- الفوز بالجنة: قال النبي الكريم: ((كلُّ أمَّتي يدخلون الجنة إلَّا مَنْ أبى))، قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: ((مَنْ أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى))؛ رواه البخاري.

4- النجاة من الزيغ والضلال: قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: ((قد تركتكم على المحجَّة البيضاء ليلُها كنهارِها، لا يزيغ عنها إلا هالك))؛ رواه ابن ماجه، وصحَّحه الألباني.

5- تحصيل مكارم الأخلاق: التي تجمع معنى الصلاح والخير كله، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: ((إنما بُعثت لأتمِّمَ صالح الأخلاق))؛ أخرجه أحمد.

فما أحوجَنا إلى الاقتداء بالنبيِّ في كلِّ المجالات لتحقيق الحياة الطيبة، وإنَّ الأُمَّة اليوم في أمسِّ الحاجة إلى معرفة سيرة نبيِّنا الكريم والاقتداء به في أخلاقه: في صبره – في كرمه – في حُسْن خُلُقه؛ لنرتقي بالأفراد والجماعات والمؤسسات إلى الحياة الطيِّبة الكريمة.

[1] الظلال، ج:6، ص:228.
[2] مختصر تفسير البغوي؛ لعبدالله بن أحمد بن علي الزيد، ج7 ص:104.
[3] صحيح البخاري (3 / 1300)، صحيح مسلم (4 /1790).

0 0 votes
Article Rating