للعاقلات فقط، 100 وقفة تربوية للمرأة مع رسول الله (7)

فضيلة الشيخ جمال عبدالرحمن

56- العاقلة والطب النبوي قبل الطب البشري

كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إذا أتى مريضاً أو أتي به إليه قال:”أذهب البأس رب الناس، اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً”[1].

 

وهذه ميمونة بنت أبي عسيب مولاة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تحدث أن امرأة مريضة أتت النبي – صلى الله عليه وسلم – فقالت: يا عائشة أغيثيني بدعوة من رسول الله تطمئنني، فقال – صلى الله عليه وسلم -:”ضعي يدك اليمنى على فؤادك فامسحيه وقولي: بسم الله اللهم داوني بدوائك واشفني بشفائك واغنني بفضلك عمن سواك”[2].

 

وجدير بكل مسلم ومسلمة إذا أصاب أحدهم شيء أن يفزع إلى الخالق قبل أن يفزع إلى المخلوق فلا شك أن هذا زيادة في التوكل ورسوخ في التوحيد.

 

57- العاقلة عروساً في ساحة القتال

أم حكيم بنت الحارث بن هشام المخزومية زوجة عكرمة بن أبي جهل، قتل عنها عكرمة بموقعة أجنادين، وبعد عدتها خطبها خالد بن سعيد فتزوجها على أربعمائة دينار، فلما نـزل المسلمون “مرج الصفر” أراد خالد أن يعرس بأم حكيم – أي يدخل بها – فجعلت تقول: لو أخرت الدخول حتى يهزم الله هذه الجموع، فقال خالد: نفسي تحدثني أني أقتل في جموعهم، قالت: فدونك “هيا”، فأعرس بها عند القنطرة التي بالصفر “اسم مكان” وبها سميت قنطرة أم حكيم، وأَوْلَم عليها، فدعا أصحابه على طعام فلما فرغوا من الطعام، صفت الروم صفوفها، صفوفاً خلف صفوف… وبرز خالد بن سعيد فقاتل فقتل، وشدت أم حكيم عليها ثيابها وتبدَّت وإن عليها أثر الخَلوق فاقتتل المسلمون والروم أشد القتال على النهر، وصبر الفريقان جميعاً، وأخذت السيوف بعضها بعضاً، وقتلت أم حكيم يومئذ سبعة بعمود الفسطاط “الخيمة” الذي بات فيه خالد معرساً بها [3].

 

سبحان الله! ما هذا الثبات؟! لا يؤخرهم زواج عن قتال، ولا قتال عن زواج، صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

 

تنبيه هام

يستدل بعض المسلمين بخروج المرأة للجهاد أيام النبي – صلى الله عليه وسلم – وبعده بجواز خروج المرأة مطلقاً لكل الأعمال ولو أدى ذلك إلى الإختلاط وغيره، وجعلوا بهذا الدليل خروجها أصلاً، في حين أن خروجها كان استثناء وليس أصلاً، ولن أطيل في تفسير هذه الجزئية لقلة بضاعتي، لكني سأترك السهم لراميه والقوس لباريه، وأستمع مع إخواني لسيد البشر – صلى الله عليه وسلم – ليفسر هو بنفسه خروج المرأة للجهاد وغيره، فماذا قال – صلى الله عليه وسلم -؟

 

عن سعيد بن عمرو القرشي أن أم كبشة “امرأة من قضاعة” قالت: يا رسول الله، ائذن لي أن أخرج في جيش كذا وكذا، قال:”لا”، قالت: يا رسول الله: إني لست أريد أن أقاتل، وإنما أريد أن أداوي الجرحى والمرضى وأسقي الماء، قال – صلى الله عليه وسلم -:”لولا تكون سنة ويقال: فلانة خرجت لأذنت لك، ولكن اجلسي، لا يتحدث الناس أن محمداً يغزو بامرأة”[4].

 

والحديث واضح ومفهوم، فإن قال قائل: فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – قد أذن للنساء في أحد وكن يقاتلن معه كأم عمارة، وفي خيبر كأم سنان الأسلمية التي استأذنت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في الخروج معه إلى خيبر لتخرز السقاة وتداوي الجرحى، فقال لها – صلى الله عليه وسلم -:”إن لك صواحب قد أذنت لهن من قومك ومن غيرهم”.

 

فإن قيل ذلك فأترك المجال ليرد عليه الإمام الحافظ ابن حجر رحمه الله، قال[5]:”يمكن الجمع بين هذا وبين ما تقدم – أي بين إذنه – صلى الله عليه وسلم – ثم عدم إذنه – أن هذا ناسخ لذاك، يعني قصة أم كبشة ناسخة لذلك كله، لأن قصة أم كبشة كانت عام الفتح سنة ثمانية من الهجرة، وغيرها كان في أحد وخبير سنة ثلاث وسبع من الهجرة – على الترتيب” اهـ.

 

ولننظر إلى قول أسماء بنت يزيد كما سبق بالفقرة [4] وهي تقول لرسول الله – صلى الله عليه وسلم -:”ونحن معشر النساء مقصورات مخدرات “مستترات” قواعد بيوت، وإن الرجال فضلوا بالجمعات وشهود الجنائز والجهاد، وإذا خرجوا للجهاد حفظنا لهم أموالهم وربينا لهم أولادهم” حتى أعجب النبي – صلى الله عليه وسلم – بفقهها والتفت إلى أصحابه وقال:”هل سمعتم مقالة امرأة أحسن سؤالاً عن دينها من هذه؟”.

 

إن خروج المرأة له ضوابط منها عدم الاختلاط فإذا وجد الإختلاط فبيتها أولى بها. فأين الإستدلال على خروج النساء إلى كل مكان على الإطلاق؟ أيها الأحباب لا يجوز بحال أن نجعل الإستثناء أصلاً نسير عليه.

 

58- العاقلة داعية إلى الإسلام

عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال:”… ووقع في قلب أم شريك الإسلام وهي بمكة وهي إحدى نساء قريش فأسلمت، ثم جعلت تدخل على النساء من قريش سراً فتدعوهن وترغبهن في الإسلام حتى ظهر أمرها لأهل مكة. فأخذوها وقالوا لها: لولا قومك لفعلنا بك وفعلنا، ولكنا سنردك إليهم، قالت: فحملوني على بعير، ليس تحتي شيء موطأ ولا غيره، ثم تركوني ثلاثاً لا يطعمونني ولا يسقونني، قالت: فما أتت علي ثلاث حتى ما في الأرض شيء أسمعه، فنـزلوا منـزلاً، وكانوا إذا نـزلوا “استراحوا” أوثقوني في الشمس واستظلوا، وحبسوا عني الطعام والشراب حتى يرتحلوا، فبينما أنا كذلك إذا أنا بأثر شيء برد علي منه، ثم رفع ثم عاد فتناولته، فإذا هو دلو ماء فشربت منه قليلاً ثم نـزع مني، ثم عاد فتناولته فشربت منه قليلاً… قالت: فصنع ذلك مراراً حتى رويت، ثم أفضت سائره على جسدي وثيابي، فلما استيقظوا إذا هم بأثر الماء ورأوني حسنة الهيئة، فقالوا لي: انحللت فأخذت سقاءنا فشربت منه؟ فقلت: لا والله ما فعلت، كان من الأمر كذا وكذا، فقالوا: لئن كنت صادقة فدينك خير من ديننا، فنظروا إلى الأسقية فوجدوها كما تركوها وأسلموا بعد ذلك”[6].

 

أرأيت يا أختاه كيف يحفظ الله تعالى الداعية إذا صبر وأخلص بل ويجري الكرامات على يديه؟ وما أشبه دلو أم شريك بقطف العنب في يد خبيب في سجنه وليس بمكة كلها يومئذ حبة عنب.

 

59- العاقلة وبيان حدود الرجال والنساء في النكاح

عن عبدالرحمن بن يزيد ومجمع بن يزيد الأنصاريين – رضي الله عنهما –  أن رجلاً منهم يدعى خداماً؛ أنكح ابنة له فكرهت نكاح أبيها، فأتت رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فذكرت له، فرد عليها نكاح أبيها، فنكحت أبا لبابة بن عبدالمنذر، وذكر يحيى أنها كانت ثيباً[7].

 

وعن نافع بن جبير قال: تأيمت خنساء بنت خدام “أي صارت بلا زوج، والأيم في الأصل التي لا زوج لها بكراً كانت أو ثيباً، مطلقة كانت أو متوفى عنها” فالخنساء تأيمت من زوجها، فزوجها أبوها بغير علمها فأتت النبي – صلى الله عليه وسلم – فقالت: يا رسول الله: إن أبي تغوَّث عليَّ “أغاث بي غيري” فزوجني ولم يشعرني فقال – صلى الله عليه وسلم -:”لا نكاح له، انكحي من شئت” فنكحت أبا لبابة [8].

 

وفي قصة أخرى لرجل أراد أن يزوج ابنة أخيه على رغبته دون رغبتها هي وأمها، فقالت أمها: والله لا يكون هذا حتى يقضي به علينا رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، أتحبس أيم بني عدي على ابن أخيك، سفيه أو ضعيف؟ ثم خرجت حتى أتت النبي – صلى الله عليه وسلم – فأخبرته الخبر فدعاه فقال له:”صل رحمك، وأرضِ أيمك وأمها فإن لهما من أمرهما نصيباً”[9].

 

وقد فهمت النساء هذه المسألة، حتى إن أم القاسم بنت ذي الجناحين جعفر لما تأيمت، دعت رجلين من المهاجرين ورجلين من الأنصار، فقالت لهم: إني قد تأيمت كما ترون، وإني مشفقة “خائفة” من الأولياء “أولياء أمرها” أن ينكحوني من لا أريد نكاحه، إني أشهدكم أني من أنكحت من الناس بغير إذني فإني عليه حرام ولست بامرأة “بزوجة”، فشهدوا لها جميعاً وأقروها وقالوا: لو فعلوا ذلك لم يجر عليك[10]. واستدلوا بقصة الخنساء المتقدمة.

 

60- العاقلة وطلاء الأظفار

قالت أم سنان الأسلمية: أتيت إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فبايعته على الإسلام، فنظر إلى يدي فقال:”ما على إحداكن أن تغير أظفارها”[11].

 

فهذه امرأة لم تكن مسلمة جاءت إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فأسلمت فرأى النبي يدها مكشوفة وهي مغيرة أظفارها إما بطلاء، أو غيرت طريقة تقليم الأظفار فبدلاً من تقليمها تماماً جعلتها مدببة كالحربة أو غير ذلك، فلما رأى النبي – صلى الله عليه وسلم – ذلك منها استنكره، وبين لها أن المرأة لم يطلب منها شرعاً أن تفعل في نفسها مثل ذلك. وللعلم فإن طلاء الأظفار الذي يكون بمثابة قشرة على الأظفار لا يصلح الوضوء معه، وبالتالي تبطل الصلاة به إن حصل الوضوء في وجوده، فمن شروط الوضوء إزالة ما يمنع وصول الماء إلى البشرة[12]، والحناء لا تدخل في هذا بلا شك.

 


[1] (صحيح)، حديث رقم (4639) بصحيح الجامع عن عائشة.

[2] أخرجه الطبراني عن ميمونة بنت أبي عسيب، وانظر ضعيف الجامع (ح 3591).

[3] (الاستيعاب) لابن عبد البر، و(الإصابة) (4/243).

[4] الإصابة (8/283)، وطبقات ابن سعد (8/308).

[5] (الإصابة) لابن حجر (4/487)، والجمل الإعتراضية من أسلوب المؤلف.

[6] (الإصابة) لابن حجر (8/238).

[7] قال الألباني: صحيح، (صحيح ابن ماجه) (1/1541)، وأخرجه البخاري.

[8] أخرجه ابن مندة وابن سعد، وانظر (الإصابة) (4/287).

[9] ابن مندة، وانظر الإصابة (4/473).

[10] الإصابة (8/253).

[11] (الاستيعاب) لابن عبد البر، و(الإصابة) لابن حجر (4/462).

[12] (الدروس المهمة) لابن باز.

رابط الموضوع: https://www.alukah.net/social/0/44973/#ixzz63si27Wdb

0 0 votes
Article Rating