الشيخ د. إبراهيم بن محمد الحقيل
كليم الله موسى عليه السلام (1)
النشأة والنبوة والهجرة

الحمد لله رب العالمين؛ يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور، نحمده كما ينبغي له أن يحمد، ونشكره فقد تأذن بالزيادة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ عظيم في ذاته وصفاته، حكيم في أفعاله وقضائه، عدل في أحكامه وعقوباته، رحيم بعباده، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ اصطفاه الله تعالى من بين البشر، وجعله إمام الرسل، وصرف الله تعالى عنه شتم قريش وأذاهم، قال عليه الصلاة والسلام: (ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذمما ويلعنون مذمما وأنا محمد) صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واعلموا أن كل عام يمضي إنما يمضي من أعماركم، وأن كل عام يأتي إنما يقربكم من قبوركم، فاعملوا في دنياكم لآخرتكم، وفي حياتكم لموتكم ﴿ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197].

أيها الناس: يتفاضل البشر بعضهم على بعض بقدر صلاح قلوبهم، وزكاء أعمالهم، وقربهم من ربهم تبارك وتعالى، وإخلاص الدين له وحده عز وجل، وكل ما فيهم من الخير والهدى، والصلاح والتقى إنما هو محض فضل الله تعالى عليهم، فهو الذي هداهم واجتباهم.

وقد اختص سبحانه بعض البشر بمنازل ومقامات لا تكتسب، إن هي إلا محض اصطفاء منه سبحانه؛ كما اختص الأنبياء بالنبوة، والرسل بالرسالة، وفضل بعضهم على بعض، فأولو العزم من الرسل عليهم السلام أفضل من غيرهم، ومحمد عليه الصلاة والسلام أفضل أولي العزم.

والرسل عليهم السلام هم قدوة البشر، وهم هداية الخلق، وهم الواسطة إلى الله تعالى، ينزل عليهم كتبه، ويشرع لهم شرائعه، ويهديهم إلى صراطه المستقيم، والرسل عليهم السلام يبلغون عن الله تعالى رسالاته، ويهدون الناس لشريعته، فوجب على البشر تصديقهم والإيمان بهم، واتباعهم وطاعتهم، ومحبتهم في الله تعالى.

وما من رسول إلا أوذي في الله تعالى، وناله من عظيم الابتلاء ما ناله، وابتلي به قومه، فمنهم من آمن به، ومنهم من كفر، والمؤمن له إيمانه، والكافر عليه كفره.

ومن أشهر الرسل ذكرا، ومن أكثرهم ابتلاء: كليم الله تعالى موسى بن عمران عليه السلام؛ فقد ابتلي بأشهر طاغية عبَّدَ الناس لنفسه من دون الله تعالى، وكان ابتلاء قوم موسى بهذا الطاغوت قبل ولادة موسى عليه السلام؛ إذ كان يقتل أبناءهم، ويستبقي نساءهم، بسبب ما علمه من أن زوال ملك الفراعنة سيكون على يد واحد ممن يستضعفهم من بني إسرائيل، فأمعن في قتل أبنائهم حتى كان جنده يحصون الحوامل من بني إسرائيل لقتل من يولد من الأبناء، واستبقاء من يولد من البنات، وعظم بذلك كرب بني إسرائيل، واشتدت محنتهم، وكم من أبوين بكيا ابنا أو أبناء لهما، لا لشيء إلا احتياطا لملك فرعون وجنده ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص: 4] وقد وصف الله تعالى ما حاق ببني إسرائيل على يد فرعون بالبلاء العظيم، وجعل سبحانه وتعالى من منته عليهم أن نجاهم من ذلك ببعثة موسى عليه السلام ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ [البقرة: 49].

وكادت بنو إسرائيل أن تفنى وهم المسخرون في خدمة فرعون وجنده، فأمر فرعون بإبقاء أبناء بني إسرائيل سنة، وقتلهم سنة أخرى، وهذا يدل على طغيانه وعتوه، وإلا فهو يعلم أن الغلام الذي يهدد ملكه قد يولد في عام الاستبقاء، ويقدر الله عز وجل أن يولد هارون عليه السلام في سنة الاستبقاء، وحملت أمه بموسى عليه السلام في سنة القتل، فعظم به كربها، وازداد همها، وعزمت على إخفاء حملها، فاحتاطت حتى آن وضعه، فوضعته على غير علم من عيون فرعون وجنده، فألقى الله تعالى في روعها أن تخفيه في تابوت وتضعه في النيل، وكانت دارها على ساحله، فكانت ترضعه فإذا خافت أحدا وضعته في تابوته وأرسلته في الماء وحبل التابوت عندها تسحبه إذا أمنت، وترسله إذا خافت، فلما أراد الله تعالى أن يمضي قضاؤه، وأن ينفذ أمره، وأن يتربى موسى في بيت عدوه؛ نسيت أم موسى أن تربط طرف الحبل عندها، فمضى التابوت في الماء إلى حيث يريد الله تعالى ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [القصص: 7] فكان هذا الحفظ والرعاية من الله تعالى لموسى عليه السلام من أعظم الآيات والمعجزات، وأكبر البشارات لأمه عليها السلام، ولا بشارة أكبر من ذلك إلا حين بشرت بأن ابنها سيكون من المرسلين.

وقد امتن الله تعالى على موسى عليه السلام بهذا الحفظ والرعاية لما خاطبه بالرسالة ﴿ وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى * إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ ﴾ [طه: 37، 39].

ومن عجيب تدبير الله تعالى أن رعايته سبحانه وحفظه وعنايته قد أحاطت بموسى عليه السلام من كل جانب؛ فأمه عليها السلام لما ألقته في النيل وفقدته اشتد خوفها عليه، وحزنت حزنا شديدا، وكادت أن تكشف سرها، وتظهر لعدوها أمر طفلها، ولكن الله تعالى ثبتها، وربط على قلبها، وهذا من عظيم رعاية الله تعالى لها ولولدها عليهما السلام ﴿ وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [القصص: 10].

ثم إن من لطف الله تعالى وعظيم تدبيره في ذلك: أن ألقى المحبة على موسى عليه السلام وهو في المهد، فما يراه أحد إلا أحبه رغما عنه؛ ليقع مراد الله تعالى من حفظه ورعايته في بيت عدوه؛ ولذلك قال سبحانه لموسى عليه السلام في معرض منته عليه ﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾ [طه: 39].

وكان من قدر الله تعالى: أن يظفر بطفل النيل أفراد من بيت فرعون فيأتون به إلى زوجه وكانت لا تنجب وهذا أيضا من تهيئة مكان لموسى في بيت فرعون، وفي قلب زوجته؛ ولربما لو كان لها ولد ما تعلقت به هذا التعلق. إنها رأته فأحبته فشفعت فيه لدى فرعون وخاطبته قائلة ﴿ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ﴾ [القصص: 9] إنها تجادل عنه، وتشفع فيه، وتحاور فرعون لأجله، وهي وفرعون لا يعلمان إرادة الله تعالى في هذا الغلام، وأن هلاك فرعون سيكون على يديه، وأن ملك الفراعنة سيؤول إلى بني إسرائيل بسببه؛ ولذلك عقب الله تعالى على هذه المحاورة بقوله سبحانه ﴿ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [الأعراف: 95] أي لا يعلمون ما خبئ لهم في هذا الغلام الذي يتحاوران فيه.

وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن امرأة فرعون لما قالت له: قرة عين لي ولك، قال فرعون: يكون لك، فأما لي فلا حاجة لي فيه، ولو أقرَّ فرعون أن يكون قرة عين له كما أقرت امرأته لهداه الله تعالى كما هداها ولكن حرمه)وقد انتفعت امرأة فرعون بمقولتها ﴿ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا ﴾ [يوسف: 21] إذ نفعها الله تعالى به، وهداها من الكفر إلى الإيمان على يديه، وضرب سبحانه المثل بإيمانها في القرآن ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [التحريم: 11].

وعلى هذا المعنى العظيم يعلق ابن كثير رحمه الله تعالى: بأن البلاء موكل بالمنطق، فينبغي للعبد أن لا ينطق إلا بخير، وما ضرَّ فرعون لو سكت ولم ينطق بالسوء، ولكنْ من كتب عليه الشقاء أصابته سهامه، ونالته أسبابه. وكم من أب يقال له: هذا ولدك ينفعك غدا في كبرك، فيقول: لا، أو لا أحتاج إلى نفعهم، فيجري الله تعالى حكمه فيهم على ما قال أبوهم.

وصدق الله تعالى وعده، ومكن لعبده، وأوفى لأم موسى ما وعدها من ردِّ وليدها عليها بعد أن ألقته في اليم، فجاع الرضيع ولم يلتقم ثديا، ولم يقبل طعاما، ولا وجدوا حيلة لإرضاعه، وإسكان جوعه، وإسكات صياحه، وكان من قلق أمه عليه أن أرسلت أخته تلتمس خبره، فرأته يدار به على النساء لعله يقبل إحداهن فيرضع منها، فأشارت عليهم ببيتها وأمها، فعاد الرضيع إلى حضن أمه، والتقم ثديها، وشبع من لبنها، ﴿ وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [القصص: 11 – 13] وقد امتن الله تعالى على موسى عليه السلام بهذه النعمة العظيمة لما كلمه سبحانه فقال له: ﴿ ذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ﴾ [طه: 40].

عاش موسى عليه السلام في قصور فرعون يأكل أطيب الطعام، ويلبس أحسن اللباس، ويركب أفضل المراكب، ويتمتع بما يتمتع به أبناء الملوك، محفوظا بحفظ الله تعالى وعنايته ورعايته، وصدق سبحانه إذ خاطبه بقوله عز وجل: ﴿ وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾ [طه: 39].

حتى إذا بلغ الفتى مبلغ الرجال، واستحكم خلْقُه وخُلُقَه، وكمل أربعين سنة بعثه الله تعالى رسولا يوحى إليه من أنوار العلم والمعرفة والنبوة ما لا يعلمه إلا الله تعالى ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ [القصص: 14] وبذلك تمت موعدة الله تعالى لأم موسى عليهما السلام حين قال لها: ﴿ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [القصص: 7].

ثم هيأ الله تعالى لموسى عليه السلام أسباب الهجرة من مصر إلى مدين بسبب قتله للقبطي الذي اعتدى على الإسرائيلي، وصار بسببه مطلوبا لدى فرعون وجنده ﴿ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ * فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ * فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ﴾ [القصص: 15 – 19].

ولا يزال الله تعالى يحوطه برعايته وعنايته، ويحفظه من مكر عدوه وبطشه؛ إذ سخر له من يخبره بما عزم عليه قوم فرعون من قتله، فكان ذلك سبب هجرته ﴿ وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ [القصص: 20، 21].

هاجر موسى عليه السلام خوفا من فرعون وبطشه، وليس معه طعام ولا متاع، وهكذا الرسل عليهم السلام تبتلى بالجوع والشدة، والفراق والهجرة، كما تبتلى بظلم الظالمين، وأذى المشركين، قال بن عباس رضي الله عنهما: (سار موسى عليه السلام من مصر إلى مدين ليس له طعام إلا البقل وورق الشجر وكان حافيا، فما وصل إلى مدين حتى سقطت نعل قدميه، وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه، وإن بطنه للاصق بظهره من الجوع، وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه، وإنه لمحتاج إلى شق تمرة).

ولكنه عليه السلام كان قوي الإيمان، متوجها بقلبه إلى الله تعالى، متوكلا عليه، واثقا به، لا يتعلق بغيره، ولا يسأل سواه، فهيأ الله تعالى له أسباب الرعاية والكفاية في البلد التي قدم عليها، وسخر له عباده الصالحين، في قصة الفتاتين اللتين تسقيان ذودهما فأعانهما، فكان ذلك سبب عمله عند ذلك الرجل الصالح، وزواجه من ابنته، وهكذا الرسل عليهم السلام يكدون ويكدحون، ويغتربون ويستأجرون؛ لسد حاجاتهم الضرورية، وما من نبي إلا رعى الغنم؛ كما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟فقال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة) رواه البخاري.

فبَذْلُ الأسباب، وكسب العيش، والتعفف عما في أيدي الناس من شيم الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، وكليم الله موسى عليه السلام أجَّر نفسه لخدمة الرجل الصالح، ورعي غنمه عقدا كاملا من عمره؛ ليتزوج الصالحة ابنة الصالح فيعف نفسه ويحصن فرجه، وكان ما وقع له من التيسير في ذلك ببركة دعائه الصالح، وتوجه قلبه إلى الله تعالى لما خرج مهاجرا من بطش فرعون وجنده ﴿ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ﴾ [القصص: 22 – 28].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم…..

الخطبة الثانية

الحمد لله؛ نحمده حمدا يليق بجلاله وعظيم سلطانه، ونشكره شكرا مزيدا على ألآئه وإحسانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ [النور: 52].

أيها الناس: لما أكمل موسى عليه السلام أجله، وأدى الخدمة لوالد زوجه، فارقهم عائدا إلى مصر، وكلمه الله تعالى في الوادي المقدس طوى، وكلفه سبحانه بتبليغ فرعون وقومه رسالاته، ودعوتهم إلى عبادته وحده لا شريك له، فجرى لموسى عليه السلام مع فرعون ما جرى من التكذيب والأذى، والمخاصمة والمناظرة؛ مما بسط خبره في سور الأعراف ويونس وطه والشعراء والقصص، فلما خصمهم موسى عليه السلام بالحجة والبيان، وأثبت صدقه بالمعجزة والبرهان، ما كانت حيلة العاجزين عن إثبات كفرهم وعلوهم إلا بالبطش والظلم والقوة، وسعوا جادين في قتل موسى والمؤمنين؛ ليستمروا في تعبيد الناس لهم من دون الله تعالى؛ ولكن الله تعالى غالب على أمره، ونافذ في الخلق حكمه، فأنجى سبحانه وتعالى موسى ومن معه، وأغرق فرعون وجنده، وجعل ذلك آية لخلقه، وعبرة في مصير الظالمين، يتذكرها البشر عبر الأجيال، وينتفع بها قراء القرآن كلما رتلوا وقائع هذه القصة العظيمة، ووقع أمر الله تعالى الذي أخبر به حين قال ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ﴾ [القصص: 8] فهم التقطوه بأيديهم، وربوه في قصورهم، وكان تحت أعينهم، ولم يعلموا أنه عدوهم، وهذا أبلغ في النكاية بهم، وأشد حسرة عليهم؛ لأنهم اختاروا أخذ ما يكون هلاكهم على يديه، بخلاف ما لو كان هلاكهم على يد غيره، فسبحان اللطيف الخبير، العليم الحكيم، الذي أتى فرعون وجنده من حيث لم يحتسبوا، وبأيدهم هم، لا بغيرهم ﴿ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾ [القصص: 6].

وهذه السنة الربانية العظيمة التي وقعت لموسى مع فرعون تتكرر في البشر؛ فكم من سلطان خسر سلطانه على يد ألصق الناس به، وأشدهم إحسانا إليه، فكان هلاكه وزوال ملكه على أيديهم سواء كان ذلك بحق أم بباطل، ولكن تدبير الله تعالى في ذلك لطيف عجيب؛ إذ يؤتى الحذر من مأمنه، ولا ينفع الاحتياط والتوقي لرد أمر الله تعالى وقدره، وهذا يوجب علينا أن لا نفر من الله تعالى إلا إليه، ولا نحذر منه إلا به، ولا نتقي قدره إلا بطاعته ودعائه؛ فإن الدعاء يرد القدر، وينفع فيما نزل وما لم ينزل، فعلقوا بالله تعالى قلوبكم، وفروا منه إليه. ولو كان الحذر رادَّا للقدر، ونافعا لأحد؛ لنفع فرعون الذي قتل ولدان بني إسرائيل حذرا من هلاكه وزوال مملكته، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

أيها الإخوة: ولعظيم ما بين الأنبياء والرسل عليهم السلام من الأخوة والمحبة في الله تعالى: شرع نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم صيام اليوم الذي نُجِّي فيه موسى والمؤمنين معه، وأُهلك فرعون وجنده؛ شكرا لله تعالى على ذلك، وفرحا بنجاة المؤمنين، وهلاك المكذبين، روى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: (قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال عليه الصلاة والسلام: فأنا أحق بموسى منكم فصامه وأمر بصيامه) متفق عليه. وفي حديث أبي قتادة رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: (صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله) رواه مسلم.

ولما أكمل الله تعالى دينه، واستقرت شريعة الإسلام قصد النبي صلى الله عليه وسلم مخالفة أهل الكتاب، وقد كان قبل ذلك يحب موافقتهم لما معهم من الكتاب، فأمر عليه الصلاة والسلام بمخالفتهم في صوم يوم عاشوراء، وذلك بصيام يوم قبله أو بعده، ولما قال له أصحابه رضي الله عنهم عن يوم عاشوراء: (إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، قال صلى الله عليه وسلم: فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع، قال ابن عباس رضي الله عنهما: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم) رواه مسلم.

ألا فاتقوا الله ربكم – أيها المسلمون – واحرصوا على صيام هذا اليوم العظيم، وخالفوا أهل الكتاب فيه بصيام يوم قبله أو بعده، وقد كان الزهري رحمه الله تعالى يصوم يوم عاشوراء في السفر، وكان يأمر بفطر رمضان في السفر، فقيل له في ذلك، فقال: (رمضان له عدة من أيام أخر وعاشوراء يفوت).

وصلوا وسلموا على نبيكم….

رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/332/#ixzz629HlnShE

0 0 votes
Article Rating