التعامل مع غير المسلمين في الإسلام

المقدمة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصَحْبه أجمعين، وبعد:

فإن الإسلام دين يدعو إلى كل خير، ويَنهى عن كلِّ شر؛ يدعو إلى الإحسان إلى الناس كافَّة، والتعامل معهم بالحسنى؛ على أساس أن الجميع عيال الله وخَلْقه تعالى، وأن أحبَّ الخَلْق إلى الله أنفعهم وأجداهم لعياله؛ لذا أمر الرب – عز وجل – عبادَه – والناسُ كلهم عباده طوعًا أوكرهًا – أن يقولوا التي هي أحسن وأطيب؛ يقول – عز وجل -: ﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ [الإسراء: 53]، يريد الربُّ – عز وجل – أن يُبيِّن للناس أن الشيطان يتربَّص بهم الدوائرَ، ويتمنَّى أن يَنزَغ بينهم، ويجعلهم عُرْضة للخِصام والجدال والسِّباب والقتال، فالقول الحسن – الذي هو أصل التعامل وأساسه – يُسبِّب الأُلفة والمحبَّة، ويُعقِب الرحمة والمودة في القلوب والصدور، ويقول – عز وجل -: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ [البقرة: 83]، فلننظر في هذه الآية الكريمة أن الله تعالى قدَّم القولَ الحَسَن للناس على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ونُدرِك أهميةَ التعامل الحَسَن مع الناس في الإسلام، وفضله على سائر الأحكام الفرائض والواجبات، وعندما ذكر الله تعالى عبادَه الصالحين وما اتَّصفوا به من صفات حسنة وأخلاق طيِّبة، ذكَر في مُقدِّمتها وطليعتها: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ [الفرقان: 63]، ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾، يقول ابن كثير – رحمه الله -: إذا سَفِه عليهم الجُهَّال بالسيئ، لم يُقابِلوهم عليه بمِثله، بل يَعفُون ويصفحون ولا يقولون إلا خيرًا، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تَزيده شدة الجهل عليه إلا حِلمًا، وكما قال – عز وجل -: ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ ﴾ [القصص: 55]، والإسلام لا يُفرِّق في التعامل الحَسَن بين المسلم وغير المسلم، سواء كان مشركًا أو يهوديًّا أو نصرانيًّا أو مجوسيًّا؛ حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَن في الأرض يرحمْكم من في السماء… )) الحديثَ[1]، وصيَّة من رحمة الله للعالمين بالغة، ودعوة منه صارمة، إلى التعامل الحَسَن مع سائر الناس على اختلاف أجناسهم وألوانهم، واختلاف مذاهبهم وأديانهم، بالرحمة والألفة، والمودة والرأفة، ويَضمَن صلى الله عليه وسلم للقائمين بهذا التعامل الحسن الرحمةَ من الله – عز وجل – في الدنيا والآخرة، وأخبر صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى يُعذِّب الذين يُعذِّبون الناسَ في الدنيا ويؤذونهم في أنفسهم وأموالهم؛ يقول صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يُعذِّب الذين يُعذِّبون الناسَ في الدنيا))[2]، ولقد أوصى النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالإحسان إلى كلِّ شيء، إنسانًا كان أوحيوانًا، قريبًا كان أو بعيدًا، مسلمًا كان أو كافرًا، فقال صلى الله عليه وسلم: ((إن الله كتَب الإحسانَ على كلِّ شيء؛ فإذا قتلتُم فأحسِنوا القِتْلة، وإذا ذبحتم فأحسِنوا الذِّبحة، وليُحِدَّ أحدكم شفرتَه، وليُرِح ذبيحته))[3]، حتى قال صلى الله عليه وسلم: ((في كل كَبِد رَطْبةٍ أجرٌ))[4]، وجعل صلى الله عليه وسلم كلَّ جُهْد وسَعْي يَبذُله الرجل المسلم فيستفيد منه إنسان أو دابة أو طائر، إلا كان له صدقة؛ يقول صلى الله عليه وسلم: ((ما مِن مسلم غرس غرسًا، فأكل منه إنسان أو دابة، إلا كان له صدقة))[5]، والإسلام لا يسمح لأتباعه بسوء التعامل مع الطير أو الحيوان، فضلاً عن الإنسان، روى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى حُمَّرَة – وهي طير صغير – تَفْرُش لما أخذ بعض الصحابة ولدَها، فقال: ((مَن فجَّع هذه بولدها؟! رُدُّوا ولدَها إليها))[6].

ولننظر فيما حكى النبي صلى الله عليه وسلم من قصة امرأة زانية تُعامِل كلبًا معاملة حسنة، فتَستحِقُّ المغفرةَ والرحمة عند الله – عز وجل -: عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((غُفِر لامرأة مومسة مرَّت بكلب على رأس رَكِيٍّ يَلهَث، قال: كاد يقتله العطشُ، فنزعت خُفَّها فأوثقته بخمارها، فنزعت له من الماء، فغُفِر لها بذلك))[7].

وأوعد النبي صلى الله عليه وسلم على سوء التعامل حتى مع الحيوان، فضلاً عن الإنسان؛ فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((عُذِّبت امرأة في هرة حبستْها حتى ماتت جوعًا، فدخلت فيها النار))، قال: فقال – والله أعلم -: ((لا أنتِ أطعمْتِها ولا سقيْتِها حين حبستيها، ولا أنت أرسلتِها فأكلتْ من خَشاش الأرض))[8]؛ لذا أوجب الإسلامُ على المسلم حقوقَ الحيوان من الإنفاق عليه والرعاية له بما يحتاج إليه.

فهل يسوغ لإنسان بعد دراسة هذه النصوص الواضحة المشرِقة أن يقول من عند نفسه ظنًّا بغير عِلْم: إن الإسلام دين يُملي على أتباعه الإرهابَ، وسَفْك الدم، وقتْل النفس؟! كلا والله، إنها فِرية افتراها المغرِضون من أعداء الإسلام وأعداء الإنسانية في مختلف العصور والدهور، لقد أقرَّ الإسلامُ لغير المسلمين حقوقًا، وألزم أتباعَه القيام بها على أتمه وأحسنه، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوةٌ حسنة بهذا الصدد؛ فهو الرحمة المهداة، والنِّعمة المسداة، لقد تعامَل صلى الله عليه وسلم مع جميع غير المسلمين من المشركين والمجوس وأهل الكتاب من النصارى واليهود المعاملةَ الحسنة، التي تَحار منها العقول؛ فقال صلى الله عليه وسلم: ((لا يَرحم اللهُ مَن لا يَرحَم الناسَ))[9]، وكلمة (الناس) لفظة عامة تشمل كل أحد، دون اعتبار لجنس أو دِين؛ قال ابن بطَّال: “فيه الحضُّ على استعمال الرحمة لجميع الخَلْق، فيدخل المؤمن والكافر والبهائمالمملوك منها وغير المملوك، ويدخل في الرحمة التعاهد بالإطعام والسقي، والتخفيف في الحمل، وتَرْك التعدي بالضرب[10].

حفظ الكرامة الإنسانية في الإسلام:

الناس في نظر الإسلام سواسية كأسنان المُشْط، وهم أبناء العائلة الإنسانية، ويُوفِّر الإسلامُ لهم جميعًا الحقَّ في العيش والكرامة دون استثناء أو تمييز؛ قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾ [الإسراء: 70]، والاختلاف الذي يوجد في أفراد العائلة الإنسانية من حيث اللون والجنس واللغة – آيةٌ من آيات الله تعالى؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ﴾ [الروم: 22]، وهذا الاختلاف ليس مَدْعاة للتنافر والتناكُر، بل هو سبب للتعارف والتعاضد والتعاون على الخير والبِرِّ والتقوى؛ كما تَحدَّث عنه القرآن الكريم: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ [الحجرات: 13].

لقد أوجب الإسلام على المسلمين أن يُراعوا الكرامةَ الإنسانيَّة التي وهبها الله تعالى للإنسان فضلاً منه ورحمة، ولم يُفرِّق فيها بين المسلم وغير المسلم، وهو يؤكِّد على أن الناس كلهم أبناء أب واحد وأم واحدة، كما نادى به الرسول صلى الله عليه وسلم في خُطْبته لحجة الوداع مُدوِّيًا ومجلجلاً: ((يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضلَ لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، أَبلَّغتُ؟))[11].

إن الإنسان في نظر الإسلام مُكرَّم، بصرف النظر عن أصله وفصْله، دينه وعقيدته، مركزه وقِيمته في الهيئة الاجتماعية، فقد خلقه الله مُكرَّمًا، ولا يَملِك أحد أن يُجرِّده من كرامته التي أودعها في جِبلَّته، وجعلها من فِطرته وطبيعته، يستوي في ذلك المسلم الذي يؤمن بالقرآن كتاب الله وبمحمد بن عبدالله رسول الله ونبيه، وغير المسلم من أهل الأديان الأخرى، أو من لا دين له، فالكرامة البشرية حقٌّ مشاع يتمتَّع به الجميع من دون استثناء، وتلك ذِروة التكريم وقمة التشريف.

لقد قامت مبادئ الإسلام وتعاليمه وقِيَمه كلها على احترام الكرامة الإنسانية وصونها وحِفْظها، وعلى تعميق الشعور الإنساني بهذه الكرامة، وما دامت الرسالة الإسلامية تتغيَّا في المقام الأول سعادةَ الإنسان وصلاحه، وتبتغي جلْب المنفعة له ودرء المفسدة عنه، فإن هذه المقاصد الشريفة هي مُنْتهى التكريم للإنسان بكل الدَّلالات الأخلاقية والمعاني القانونية للتكريم[12]، لقد أمر الإسلامُ أتباعَه بالمحافظة على كرامة غير المسلمين ومراعاة مشاعرهم، ونهى عن جَرْح عواطفهم؛ فقال الرب – عز وجل -: ﴿ وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ [العنكبوت: 46]، وقال – عز وجل -: ﴿ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأنعام: 108]، نهي صريح عن النيل من الآلهة التي يَعبُدها المشركون من الوثنيين والبوذيين، وكل هذا صونًا لكرامة الإنسان، وحِفاظًا على حريَّته، واحترامًا لمشاعره؛ يقول الإمام القرطبي عند تفسير هذه الآية الكريمة: لا يَحِل لمسلم أن يَسُب صُلبانهم، ولا دينهم، ولا كنائسهم، ولا يتعرَّض إلى ما يؤدِّي إلى ذلك؛ لأنه بمنزلة البعث على المعصية[13]، وحِفْظ الكرامة الإنسانية يتجلَّى لنا في التعامل النبوي مع غير المسلمين حتى مع الأموات منهم؛ فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، قال: مرَّ بنا جَنازة، فقام لها النبي صلى الله عليه وسلم وقُمْنا به، فقلنا: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي؟! قال: ((إذا رأيتم الجنازةَ، فقوموا))[14]، وفي رواية: فقال صلى الله عليه وسلم: ((أليست نفسًا؟!))[15].

 

أصناف غير المسلمين في المجتمع الإسلامي:

الكفار: إما أهل حرب، وإما أهل عهد، وأهل العَهْد ثلاثة أصناف: أهل ذمة، وأهل هدنة، وأهل أمان، وقد عقد الفقهاءُ لكل صِنف بابًا، فقالوا: باب الهدنة، باب الأمان، باب عقد الذمة، ولفظ (الذمة والعهد) يتناول هؤلاء كلهم في الأصل، وكذلك لفظ (الصلح)، فإن الذمة من جِنس لفظ العَهْد والعقد، وهكذا لفظ (الصلح) عامٌّ في كل صلح، وهو يتناول صُلْح المسلمين بعضهم مع بعض، وصُلْحهم مع الكفار، ولكن صار في اصطلاح كثير من الفقهاء (أهل الذمة): عبارة عمن يؤدِّي الجزية، وهؤلاء لهم ذمة مؤبَّدة، وهؤلاء قد عاهَدوا المسلمين على أن يجري عليهم حُكْم الله ورسوله، إذ هم مقيمون في الدار التي يجري فيها حُكْم الله ورسوله، بخلاف أهل الهدنة، فإنهم صالَحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم، سواء كان الصُّلح على مال، أو غير مال، لا تجري عليهم أحكام الإسلام كما تجري على أهل الذمة، لكن عليهم الكفُّ عن محاربة المسلمين، وهؤلاء يُسمَّون أهل العهد، وأهل الصلح، وأهل الهدنة.

وأما المستأمَن، فهو الذي يَقدَم بلاد المسلمين من غير استيطانها، وهؤلاء أربعة أقسام: رسل، وتجار، ومستجيرون حتى يُعرَض عليهم الإسلام والقرآن، فإن شاؤوا دخلوا فيه، وإن شاؤوا رجعوا إلى بلادهم، وطالبو حاجة من زيارة، أو غيرها، وحُكْم هؤلاء ألا يُهاجِروا، ولا يُقتَلوا، ولا تؤخذ منهم الجزية، وأن يُعرَض على المستجير منهم الإسلامُ والقرآن، فإن دخل فيه فذاك، وإن أَحَب اللَّحاق بمأمنه أُلحِق به، ولم يُعرَض له قبل وصوله إليه، فإذا وصل مأمنه، عاد حربيًّا كما كان[16].

فغير المسلمين يَنقسِمون إلى أربعة أقسام:

1 – أهل الحرب: هو الكافر الذي بين المسلمين وبين دولته حالة حرب، ولا ذمة له ولا عهد، قال الشوكاني: “الحربي: الذي لا ذمة له ولا عهد”[17].

2 – أهل الذمة: الكفار المقيمون تحت ذمة المسلمين بدفع الجزية؛ قال ابن القيم: “أجمع الفقهاء على أن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب ومن المجوس”[18]، وحُكْم أهل الذمة المعاهَدين الذين يُساكِنون المسلمين في ديارهم، ويدفعون الجزيةَ – أنهم يخضعون للأحكام الإسلاميَّة في غير ما أُقِرُّوا عليه من أحكام العقائد والعبادات، والزواج والطلاق، والمطعومات والملبوسات، ولهم على المسلمين الكفُّ عنهم وحمايتهم، قال ابن الأثير: “وسُمِّي أهل الذمة؛ لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم”[19].

3 – المعاهَد: هو الكافر الذي بينه وبين المسلمين عهد مهادنة، قال ابن بطال: “والمعاهد: الذي بينه وبين الإمام عهد وهدنة”[20]، وإذا دخل ديارَ المسلمين سمِّي مُستأمَنًا.

4 – أهل الأمان: المستأمَن: هو الحربي المقيم إقامة مؤقَّتة في ديار المسلمين، قال الشيخ محمد بن عثيمين عندما سئل: البعضُ يتأوَّل في مسألة أهل الذمة بدعوى عدم وجود ولي الأمر العام أو الخلافة، أو لعدم وجود أهل الذمة أصلاً بدعاوى عديدة؛ ولذلك لا يَجِدون غضاضةً في دعوة الناس للاعتداء على غير المسلمين من المعاهَدين؟ فأجاب بقوله: أنا أُوافِق على أنه ليس عندنا أهل ذمة؛ لأن أهل الذمة هم الذين يخضعون لأحكام الإسلام، ويؤدُّون الجِزيةَ، وهذا مفقود منذ زمن طويل، لكن لدينا معاهَدون ومستأمَنون، ومعاهدون معاهدة عامة، ومعاهدة خاصة، فمن قَدِم إلى بلادنا من الكفار لعمل أو تِجارة، وسُمِح له بذلك، فهو: إما معاهَد أو مُستأمَن، فلا يجوز الاعتداء عليه؛ وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((مَن قتل معاهَدًا، لم يَرَح رائحة الجنة))، فنحن مسلمون مستسلمون لأمر الله – عز وجل – مُحترِمون لما اقتضى الإسلام احترامه من أهل العهد والأمان، فمَن أخلَّ بذلك فقد أساء للإسلام، وأظهره للناس بمظهر الإرهاب والغدر والخيانة، ومَن التزم أحكام الإسلام واحترم العهود والمواثيق، فهذا هو الذي يُرجى خيره وفلاحه”[21].

 

حق الحرية في الاعتقاد والعبادة لغير المسلمين:

من الحريات التي كفلها الإسلامُ في حقِّ غير المسلمين: حرية الاعتقاد والعبادة، لم يُجبِر الإسلامُ الناسَ ولم يُكرِههم على الدخول فيه، بل ترك الحبلَ على غاربهم، ووكَل الأمر إلى أنفسهم؛ فقال الرب – عز وجل -: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ [البقرة: 256]، وامتثالاً لهذه الآية الكريمة دأب المسلمون على دعوة الناس إلى الإسلام وعَرْضه عليهم من دون إكراه وإجبار، فهذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يَمُر بعجوز نصرانيَّة، ويَعرِض عليها الإسلامَ ويدعوها إليه قائلاً: أَسلِمي أيتها العجوز تسلمي، إن الله بعث محمدًا بالحق، قالت: أنا عجوز كبيرة والموت إليَّ قريب، فقال عمر رضي الله عنه: اللهم اشهد، وتلا قوله تعالى: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ [البقرة: 256]، يتحدَّث الأستاذ أحمد الحوفي في كتابه “سماحة الإسلام” عن هذه الحرية في الاعتقاد والعبادة التي أتاحها الإسلامُ لغير المسلمين في المجتمع المسلم، فيقول: “أما الحرية الدينية، فقد كفَلها الإسلامُ لأهل الكتاب، فهم أحرار في عقيدتهم وعبادتهم وإقامة شعائرهم في كنائسهم”[22].

وفي هذا المبدأ يتجلَّى تكريمُ الله للإنسان، واحترام إرادته وفِكْره ومشاعره، وترك أمره لنفسه فيما يَختصُّ بالهدى والضلال في الاعتقاد، وتحميله تَبَعة عمله وحساب نفسه، وهذه هي أخصُّ خصائص التحرُّر الإنساني، التحرر الذي تُنكِره على الإنسان في القرن العشرين مذاهبُ مُعتَسِفة، ونُظُم مُذِلَّة، لا تسمح لهذا الكائن الذي كرَّمه الله – باختياره لعقيدته – أن ينطوي ضميره على تَصوُّر للحياة ونُظُمها، غير ما تُمليه عليه الدولة بشتى أجهزتها التوجيهية، وما تُمليه عليه بعد ذلك بقوانينها وأوضاعها، فإما أن يَعتنِق مذهب الدولة هذا، وهو يحرمه من الإيمان بإله للكون يُصرِّف هذا الكونَ، وإما أن يتعرَّض للموت بشتى الوسائل والأسباب! إن حرية الاعتقاد هي أول حقوق الإنسان التي يَثْبت له بها وصف إنسان، فالذي يَسلُب إنسانًا حرية الاعتقاد، إنما يَسلُبه إنسانيَّته ابتداء، ومع حرية الاعتقاد حرية الدعوة للعقيدة، والأمن من الأذى والفتنة، وإلا فهي حرية بالاسم لا مدلول لها في واقع الحياة.

والإسلام – وهو أرقى تصوُّر للوجود وللحياة، وأقوم منهج للمجتمع الإنساني بلا مِراء – هو الذي ينادي بأن لا إكراه في الدين، وهو الذي يُبيِّن لأصحابه قبل سواهم أنهم ممنوعون من إكراه الناس على هذا الدين[23]، وتاريخ الإسلام الطويل شاهد على أن الشريعة وأهلها قد كفَلوا لأتباع الأديان الذين يعيشون في ظلِّ الإسلام البقاءَ على عقائدهم ودياناتهم، ولم يُرغَم أحد على اعتناق الإسلام، ومعلوم لدى القاصي والداني أن هذا لم يكن موقف ضَعْف من دولة الإسلام، بل كان هذا هو مبدأها، حتى حين كانت في أَوْج قوتها أُمَّة فتيَّة قادرة، ولو أرادت أن تَفرِض على الأفراد عقيدتَها بالقوة القاهرة، لكان ذلك في مقدورها، لكنها لم تفعل[24]، وهناك شهادات من العلماء غير المسلمين ممن يُوثَق بهم أن الإسلام ترك لغير المسلمين حريَّة المعتقد، تقول المستشرقة الإيطالية لورا فيشيا فاغليري في كتابها “دفاع عن الإسلام”: “كان المسلمون لا يكادون يَعقِدون الاتفاقات مع الشعوب حتى يتركوا لها حريَّة المعتقد، وحتى يُحجِموا عن إكراه أحد من أبنائها على الدخول في الدين الجديد، والجيوش الإسلامية ما كانت تُتْبع بحشد من المبشرين اللحاحين غير المرغوب فيهم، وما كانت تضع المبشرين في مراكز محاطة بضروب الامتياز لكي ينشروا عقيدتهم، أو يدافعوا عنها، ليس هذا فحسب، بل لقد فرض المسلمون في فترة من الفترات على كل راغب في الدخول في الإسلام أن يَسلُك مسلكًا لا يساعد من غير ريب على تيسير انتشار الإسلام؛ ذلك أنهم طلبوا إلى الراغبين في اعتناق الدين الجديد أن يَمثُلوا أمام القاضي، ويُعلِنوا أن إسلامهم لم يكن نتيجة لأي ضغط، وأنهم لا يهدفون من وراء ذلك إلى كَسْب دنيوي”[25]، لقد كفَل الإسلامُ لغير المسلمين في المجتمع الإسلامي حرية المعتقد وحرية العبادة، وحماية معابدهم وصوامعهم وبِيَعهم، وجعل هذا من أسباب الإذن للمسلمين في القتال: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾ [الحج: 39، 40].

وإن الإسلام لم يَقُم على اضطهاد مُخالفيه، أو مصادرة حقوقهم، أو تحويلهم بالكُرْه عن عقائدهم، أو المساس الجائر لأموالهم وأعراضهم ودمائهم، وتاريخ الإسلام في هذا المجال أنصع تاريخ على وجه الأرض[26].

ومن المقرَّر عند الفقهاء أنه لو أُكرِه أحد على الإسلام، فإنه لا يَصِح إسلامه، قال في المغني: “وإذا أُكرِه على الإسلام من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن، فأسلم، لم يَثبُت له حُكْم الإسلام، حتى يوجد منه ما يدل على إسلامه طوعًا”[27]، يترك الإسلام لغير المسلم حرية ممارسة العبادات التي تتَّفِق مع عقيدته، ثم يأمر بالمحافظة على بيوت العبادة التي يُمارس فيها شعائره، ويحرم على المسلمين الاعتداء على بيوت العبادة أو هدْمها أو تخريبها، أو الاعتداء على القائمين فيها، سواء في حالتَي السِّلم والحرب، والوثائق التاريخية كثيرة في وصية الخلفاء لقادة الجيوش، وفي المعاهدات التي أُبرِمت في التاريخ الإسلامي، وعند الفتوحات، ومنها الوثيقة العمرية مع أهل بيت المقدس، والدليل المادي الملموس شاهد على ذلك ببقاء أماكن العبادة التاريخية القديمة لليهود والنصارى وغيرهم في معظم ديار الإسلام والمسلمين[28].

إن الفتح الإسلامي اعترف أيضًا بالآخر ولم يُرغِم أي واحد على الدخول في الإسلام، في حين عندما انتصر ملوك شبه الجزيرة النصارى أطبقوا على إبادة المسلمين وإحراق كتبهم وتُراثهم، وتحويل مساجدهم إلى كنائس، إذ لم يبقَ في إسبانيا ولو كتاب واحد من ملايين الكتب التي ألَّفها واقتناها ونسَخها علماء الأندلس وورَّاقوها ونسَّاخوها، أما الكتب التي هي بمكتبة الإسكوريال، فهي مغربية الأصل قرصنها قرصان فرنسي وتَسلَّط عليه الإسبان، فجعلوها في دير الإسكوريال، وقد أُتلِف جُلُّها بالحَرْق وغيره[29].

ومن شواهد التاريخ في هذا أنه لما توسَّعت رُقعة الدولة الإسلامية زمن النبي صلى الله عليه وسلم، كان هناك مجموعة كبيرة من القبائل المسيحية العربية، وبخاصة في نجران، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن أقام معهم المعاهدات التي تتَّسِم باللين والرِّفق والتسامح حيث تؤمِّن لهم حرية المُعتقَد، وممارسة الشعائر، وصون أماكن العبادة، إضافة إلى ضمان حرية الفِكْر والتعلم[30]، فهذا ما ورد في معاهدة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل نجران: “ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أنفسهم ومِلَّتهم وأرضهم وأموالهم، وغائبهم وشاهدهم، وعشيرتهم وبِيَعهم وصلواتهم، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، وألا يغيروا مما كانوا عليه بغير حق من حقوقهم ولا مِلَّتهم، ولا يُغيَّر أسقف عن أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته، وليس عليهم دنية ولا دم جاهلية، ولا يحشرون ولا يعشرون ولا يطأ أرضهم جيش، ومن سأل منهم حقًّا، فبينهم النصف، غير ظالمين ولا مظلومين، على ألا يأكلوا الربا، فمَن أكل الرِّبا من ذي قبل، فذمَّتي منه بريئة، ولا يؤخذ رجل منهم بظلم آخر، وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمة النبي محمد رسول الله أبدًا حتى يأتي الله بأمره، ما نصحوا وأصلحوا ما عليهم غير مثقلين بظلم”[31].

فإن عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نصارى نجران قد بلغ الذِّروة فى تَعامُل الدولة الإسلامية مع دور العبادة هذه، إلى الحد الذي نَصَّ فيه على أن مساعدة الدولة الإسلامية لغير المسلمين فى ترميم دور عباداتهم هي جزء من واجبات هذه الدولة؛ ولأن غير المسلمين هم جزء أصيل في الأمة الواحدة، والرعية المتَّحِدة لهذه الدولة، فجاء في هذا الميثاق مع نصارى نجران: ولهم إن احتاجوا فى مَرمَّة بِيَعهم وصوامعهم أو شيء من مصالح أمور دينهم إلى رفد ومساعدة من المسلمين، وتقوية لهم على مرمَّتها – أن يرفدوا على ذلك ويُعاوَنوا، ولا يكون ذلك دَينًا عليهم، بل تقوية لهم على مصلحة دينهم، ووفاء بعهد رسول الله، وموهبة لهم، ومِنَّة لله ورسوله عليهم.

يقول ول ديورانت: “لقد كان أهل الذمة (المسيحيون والزردشتيون واليهود والصابئون) يتمتَّعون في عهد الخلافة الأموية بدرجة من التسامح لا نجد نظيرًا لها في البلاد المسيحية في هذه الأيام، فلقد كانوا أحرارًا في ممارسة شعائر دينهم، واحتفظوا بكنائسهم ومعابدهم، وكانوا يتمتَّعون بحُكْم ذاتي يخضعون فيه لعلمائهم وقضاتهم وقوانينهم”[32]، وهذا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر رضي الله عنه يُوصِي أسامةَ بن زيد وجيشه: “يا أيها الناس، قفوا؛ أُوصِكم بعشرٍ، فاحفظوها عني: لا تخونوا ولا تَغُلُّوا، ولا تَغدِروا ولا تُمَثِّلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا، ولا امرأة، ولا تَعقِروا نخلاً ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مُثمِرة، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرَّغوا أنفسَهم في الصوامع، فدَعُوهم وما فرَّغوا أنفسهم له”[33].

وهذا عمر بن الخطاب يكتب لأهل إيلياء عهدًا، وهو يُصالِحهم بالجابية، عن خالد وعبادة رضي الله عنهما، قالا: “صالَح عمر أهل إيلياء بالجابية، وكتب لهم فيها الصُّلحَ لكل كورة كتابًا واحدًا، ما خلا أهل إيلياء، بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى عبدالله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أمانًا لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصُلبانهم، وسقيمها وبريئها وسائر مِلَّتها، أنه لا تُسكَن كنائسهم ولا تُهدَم، ولا يُنتَقص منها ولا من حيِّزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يُكرَهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم، ولا يَسكُن بإيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يُعطوا الجزيةَ كما يُعطي أهل المدائن، وعليهم أن يُخرِجوا منها الرومَ واللصوت، فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومَن أقام منهم فهو آمن، وعليه مِثْل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومَن أحبَّ من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم، ويُخلي بِيَعهم وصُلُبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وصلبهم حتى يبلغوا مأمنهم، ومن كان بها من أهل الأرض قبل مقتل فلان، فمَن شاء منهم قعد وعليه مِثْل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن شاء رجع إلى أهله؛ فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم، وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية”[34].

يتحدَّث الدكتور يوسف عن هذه الحرية التي أعطاها الإسلام لغير المسلمين، وهم يعيشون في المجتمع الإسلامي، فيقول: ومنذ عهد الخلفاء الراشدين واليهودُ والنصارى يؤدُّون عباداتهم، ويقيمون شعائرَهم في حرية وأمان، كما هو منصوص عليه في العهود التي كُتِبت في عهد أبي بكر وعمر رضي الله عنهما؛ مثل عهد الصُّلح بين الفاروق وأهل إيلياء – القدس[35]، فغير المسلمين تمتَّعوا بهذه الحرية في الاعتقاد والعبادة على أحسنها وأتمها، فلم يَمْسسهم سوء في معابدهم وكنائسهم على أيد المسلمين؛ يقول توماس أرنولد في كتابه الشهير “الدعوة إلى الإسلام”: “وقد حافَظ المسلمون على كنائس النصارى، ولم يَمسُّوها بسوء، يقول البطريق النسطوري ياف الثالث في رسالة بعث بها إلى سمعان مطران ريفاردشير ورئيس أساقفة فارس: وإن العرب الذين منَحهم الله سلطان الدنيا يشاهدون ما أنتم عليه، وهم بينكم كما تعلمون ذلك حق العلم، ومع ذلك فهم لا يُحارِبون العقيدة المسيحية، بل على العكس يَعطِفون على ديننا، ويُكرِمون قُسسَنا وقديسي الرب، ويجودون بالفضل على الكنائس والأديار”[36]، طبَّقتِ الخلافة الراشدة هذه السُّنة النبوية، وساد هذا التطبيقُ على امتداد تاريخ الإسلام فى بلاد الديانات الوضعيَّة من فارس إلى الهند إلى الصين؛ حتى لقد تَمتَّع أهل هذه الديانات لا بحرية الاعتقاد فقط، وإنما أيضًا بحرية مناظرة علماء الإسلام في مجالس الخلفاء إبان مجد وقوة وعظمة الخلافة الإسلامية، ولقد أورد (السير توماس أرنولد) – بإعجاب – كيف أن زعيم المانوية المجوس – في فارس – (يزدانبخت) قد أتى بغداد، وناظَر المتكلمين المسلمين، في حضرة الخليفة المأمون، فلما أفحمه علماء الإسلام، تاق المأمون إلى أن يُسلِم (يزدانبخت)، ففاتحه في ذلك، لكنه رفض في أدب، وقال للخليفة: نصيحتك يا أمير المؤمنين مسموعة، وقولك مقبول، ولكنك ممن لا يُجبِر الناسَ على ترْك مذهبهم، فتركه المأمون وشأنه، بل وطلب حمايته من العامة حتى يَبلُغ مأمنه بين أتباعه وأنصار مذهبه من المجوس، وهكذا بلغ الإسلام القمة[37]، يقول المفكر المصري المسيحي الدكتور نبيل لوقا بباوي: التسامح الديني الذي حقَّقته الدولة الإسلاميَّة في مصر، وحرية العقيدة الدينية التي أقرَّها الإسلام لغير المسلمين، وتركهم أحرارًا في ممارسة شعائرهم الدينية داخل كنائسهم، وتطبيق شرائع مِلَّتهم في الأحوال الشخصية؛ مصداقًا لقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾ [البقرة: 256]، وتحقيق العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات بين المسلمين وغير المسلمين في الدولة الإسلامية؛ إعمالاً للقاعدة الإسلامية: (لهم ما لنا، وعليهم ما علينا)، وهذا يُثبِت أن الإسلام لم يَنتشِر بالسيف والقوة؛ لأنه تَمَّ تخيير غير المسلمين بين قَبُول الإسلام أو البقاء على دينهم مع دفع الجزية (ضريبة الدفاع عنهم وحمايتهم وتمتُّعهم بالخِدْمات)، فمن اختار البقاءَ على دينه فهو حُرٌّ، وقد كان في قدرة الدولة الإسلامية أن تُجبِر المسيحيين على الدخول في الإسلام بقوتها، أو أن تقضي عليهم بالقتل إذا لم يدخلوا قهرًا، ولكن الدولة الإسلامية لم تفعل ذلك؛ تنفيذًا لتعاليم الإسلام ومبادئه، فأين دعوى انتشار الإسلام بالسيف؟”[38].

وتقول المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه: “العرب لم يَفرِضوا على الشعوب المغلوبة الدخولَ في الإسلام؛ فالمسيحيون والزرادشتية واليهود الذين لاقوا قَبْل الإسلام أبشعَ أمثلة للتعصب الديني وأفظعها، سُمِح لهم جميعًا دون أي عائق يَمنعهم بممارسة شعائر دينهم، وترَك المسلمون لهم بيوت عبادتهم وأديرتهم وكهنتهم وأحبارهم دون أن يَمسُّوهم بأدنى أذى، أوَليس هذا منتهى التسامح؟ أين روى التاريخ مِثل تلك الأعمال ومتى؟ ومَن ذا الذي لم يتنفَّس الصُّعداء بعد الاضطهاد البيزنطي الصارخ، وبعد فظائع الإسبان واضطهاد اليهود؟ إن السادة والحكام المسلمين الجُدد لم يزجوا أنفسهم في شؤون تلك الشعوب الداخلية، فبطريرك بيت المقدس يكتب في القرن التاسع لأخيه بطريرك القسطنطينية عن العرب: إنهم يمتازون بالعدل ولا يَظلِموننا ألبتَّة، وهم لا يستخدمون معنا أي عنفٍ”[39].

حق العدل والمساواة والبر والإحسان:

أقام الإسلام المجتمعَ على دعائم قوية ثابتة، ومنها: العدل بين الناس على اختلاف أجناسهم وطبقاتهم، والعدل صفة خُلُقيَّة كريمة، تعني التزام الحق والإنصاف في كل أمر من أمور الحياة، والبُعْد عن الظلم والبغي والعدوان، والعدلُ في الإسلام هو مما يُكمِّل أخلاق المسلم لما فيه من اعتدال واستقامة وحب للحق، وهو كذلك صفة خُلُقيَّة محمودة تَدُل على شهامةِ ومروءة مَن يتحلَّى بها، وعلى كرامته واستقامته، ورحمته وصفاء قلبه؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾ [النحل: 90]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾ [النساء: 58]، يقول ابن القيم: “فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل”[40]، وقد ورد في الحديث الشريف قوله صلى الله عليه وسلم: ((تَعدِل بين اثنين صدقة))، والإسلام يربأ بالمسلم عن الوقوع في أي لون من ألوان الظلم، فالظالم مطرود من رحمة الله، ولقد أوعد الله – سبحانه وتعالى – الظالمين بأشد العقوبات؛ قال تعالى: ﴿ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ [هود: 18]، وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾ [إبراهيم: 42]، كما تَضمَّنت السُّنة النبوية الشريفة مجموعة من الأحاديث التي تُقِرُّ العدل وتُحرِّم الظلمَ، منها: قوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه رِضوان الله عليهم: ((اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة))، ويقول الرب – عز وجل -: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [الممتحنة: 8]، هذه آية من كتاب الله العزيز تأمر بالتعامل بالحسنى والمعروف والعدالة والإنصاف مع كل شخص لم يُعادِ المسلمين، أيًّا ما كانت عقيدته، ومن هذه الآية وجبت حقوق كثيرة لغير المسلمين على المسلمين[41]، والعدل اسم من أسماء الله الحسنى، وكما يقولون: “العدل أساس الملك”، فالعدل والإنصاف حقٌّ أوجبه الإسلام على أتباعه تُجاه الآخرين من غير المسلمين أيًّا ما كانت عقيدتهم، وأيًّا ما كان سلوكهم وتَعامُلهم معهم، يقول الرب تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [المائدة: 8]، يقول الأستاذ رشيد رضا في تفسيره “تفسير المنار”: أي ولا يكسبنكم ويحملنكم بُغْض قوم وعداوتهم لكم، أو بُغْضكم وعداوتكم لهم، على عدم العدل في أمرهم بالشهادة لهم بحقهم إذا كانوا أصحاب الحق، ومثلها هنا الحكم لهم به، فلا عُذْر لمؤمن في تَرْك العدل وعدم إيثاره على الجور والمحاباة، بل عليه جعله فوق الأهواء وحظوظ النَّفْس، وفوق المحبة والعداوة مهما كان سببهما، فلا يَتوهَّمنَّ مُتوهم أنه يجوز تَرْك العدل في الشهادة للكافر، أو الحكم له بحقه على المؤمن.

ولم يَكتفِ بالتحذير من عدم العدل مهما كان سببه والنية فيه، بل أكَّد أمره بقوله: ﴿ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾ [المائدة: 8]؛ أي: قد فَرضتُ عليكم العدل فرضًا لا هوادة فيه، ﴿ اعْدِلُوا هُوَ ﴾ أي: العدل المفهوم من “اعدلوا”، أقرب لتقوى الله; أي لاتقاء عقابه وسخطه باتقاء معصيته، وهي الجور الذي هو من أكبر المعاصي؛ لما يتولَّد منه من المفاسد[42].

وقال البيضاوي: “لا يَحمِلنَّكم شدة بغضكم للمشركين على ترْك العدل فيهم، فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يَحِل، كقَذْف وقَتْل نساء وصبية، ونقْض عهد؛ تشفِّيًا مما في قلوبكم، ﴿ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾؛ أي: العدل أقرب للتقوى، صرَّح لهم بالأمر بالعدل، وبين أنه بمكان من التقوى بعدما نهاهم عن الجور، وبيَّن أنه مقتضى الهوى، وإذا كان هذا العدل مع الكفار، فما ظنُّك بالعدل مع المؤمنين؟”[43].

وقال ابن كثير: “ومن هذا قول عبدالله بن رواحة رضي الله عنه لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم يَخْرُص على أهل خيبر ثمارَهم وزرعهم، فأرادوا أن يَرْشُوه ليَرفُق بهم، فقال: والله لقد جئتكم من عند أحب الخَلْق إليَّ، ولأنتم أبغض إليَّ من أعدادكم من القردة والخنازير، وما يحملني حبي إياه وبغضي لكم على ألا أعدل فيكم، فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض”[44].

والإسلام دين العدل والتسامح والتعايش بين بني البشر، والتعاون على البِرِّ والتقوى، ولا يَنهى عن الإحسان إلى الناس مهما اختلفت أديانهم وألوانهم وأوطانهم، ويَصون كرامة الإنسان وحريته في الاعتقاد، والعيش الحر الكريم، فهذا رسول الله في جماعة من أصحابه وأنصاره، وهم مائة وثلاثون رجلاً، يُصيبهم الجوع، وقد مسَّت الحاجة إلى الطعام، يَمُر بهم رجل مُشرِك، فيتعامل النبي صلى الله عليه وسلم معه معاملة حسنة، ويشتري منه شاةً بثمنها، ولا يُكْره الرجل على أن يتنازل عن الثمن أو يُخفِّف منه، والقوة كانت متوافرة لدى النبي صلى الله عليه وسلم، والحاجة كانت شديدة، والرجل كان كافرًا، ولكن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان مطبوعًا على العدل، ومجبولاً عليه، ومأمورًا به ﴿ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ [الشورى: 15]، وبالمقابل منه نرى الجيوش الاستعمارية المحتلَّة بلاد الإسلام والمسلمين في هذه الأيام قد حوَّلت البِقاعَ الآمنة إلى أتون الحرب والشر؛ فلا يُراعون حُرمةً، ولا يحفظون حقًّا، بل يَعيثون في الأرض فسادًا.

هذا عمر بن عبدالعزيز – رحمه الله – يأمر مناديَه أن يُنادي: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها، قام إليه رجل ذمي من أهل حمص فقال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله، قال: وما ذاك؟ قال: العباس بن الوليد بن عبدالملك اغتصبني أرضي، والعباس جالس، فقال له عمر: يا عباس، ما تقول؟ قال: نعم، أقطعنيها أمير المؤمنين الوليد وكتب لي بها سجلاً، فقال عمر: ما تقول يا ذمي؟ قال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله تعالى، فقال عمر: نعم، كتاب الله أحق أن يُتَّبع من كتاب الوليد، قم فاردُد عليه ضيْعتَه فردَّها عليه[45].

هذا هو العدل والإنصاف الذي حبَّب الإسلام والمسلمين إلى غير المسلمين، ومكَّنه من قلوبهم، وجعل حُكمَهم أحبَّ إليهم من غيرهم، كما كتب النصارى في الشام سنة 13هـ إلى أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه يقولون: “يا معشر المسلمين، أنتم أحب إلينا من الروم وإن كانوا على ديننا؛ أنتم أوفى لنا، وأرأف بنا، وأكف عن ظُلْمنا، وأحسن ولاية علينا”[46].

اشتكى يهودي عليًّا إلى عمر رضي الله عنهما، وكان جالسًا بجانبه، فقال له عمر: “قم يا أبا الحسن، قف بجانب اليهودي موقف القضاء”، وبعد تبرئة علي باعتراف اليهودي، لاحظ عمر على وجه عليٍّ تَغيُّرًا، فقال له: “أوَقد ساءك أني أوقفتك بجانب اليهودي موقف القضاء”، فقال علي: “لا، وإنما خشيت ظنَّ اليهودي مُحاباتي عليه؛ لما ناديته باسمه، وناديتني بيا أبا الحسن”، وهذا عمر رضي الله عنه أيضًا يقول في رسالته إلى أبي موسى الأشعري يوصيه: “ساوِ بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك؛ حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييئس ضعيف من عدلك”.

في ضوء هذه النماذج الخالدة للتعامل الحَسَن مع غير المسلمين، القائم على البِرِّ والقِسْط والإحسان، نستطيع أن نُدرِك ما شرع الإسلام من حقوق وواجبات، ألزم المسلمين القيام بها نحو إخوانهم المواطنين غير المسلمين، لقد سوَّى الإسلامُ بين المسلمين وغيرهم، فأعطى للذميين في المجتمع الإسلامي نَفْس الحقوقَ التي للمسلمين، وحُقَّ لهم أن يعيشوا آمنين على أنفسهم وعلى أموالهم وعلى أعراضهم، بل ويتمتَّعون بالبرِّ والإحسان، وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لهم ما لنا، وعليهم ما علينا))، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((مَن قذف ذميًّا، حُدَّ له يوم القيامة بسياط من نار))، ((مَن آذى ذميًّا، فإني خَصْمه، ومن كنتُ خصمَه خصمتُه يوم القيامة))، يقول عبدالله بن عبدالمحسن التركي: تُعَد المساواة بين الناس على اختلاف الأجناس والألوان واللغات مبدأ أصيلاً في الشرع الإسلامي، ولم يكن هذا المبدأ على أهميَّته وظهوره، قائمًا في الحضارات القديمة، كالحضارة المصرية أو الفارسية أو الرومانية، إذ كان سائدًا تقسيم الناس إلى طبقات اجتماعية، لكل منها ميزاتها وأفضليتها، أو على العكس من ذلك، تَبَعًا لوضعها الاجتماعي المتدني، وكانت التفرقة بين البشر في المجتمعات القديمة، تَستنِد إلى الجنس واللون، والغنى والفقر، والقوة والضعف، والحرية والعبودية، وكانت طبقة الحكام ورجال الدين من الطبقات المميزة، بل إن بعض المجتمعات، مثل المجتمع الهندي، كان يعرف طائفة المنبوذين، وكان مُحرَّمًا على أفراد الطبقة أن ينتقلوا منها إلى طبقة أعلى، حتى ولو كانت ملكاتهم تُتيح لهم ذلك[47]، وهذه المساواة بين الناس تتمثَّل في قول النبي صلى الله عليه وسلم واضحة بيِّنة: ((إن الله – عز وجل – قد أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب، ليَدعنَّ رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحمٌ من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجِعْلان التي تدفع بأنفها النَّتَن))[48]، روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه، إذ جاء رجل (قبطي) من أهل مصر، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا مقام العائذ بك، قال: وما لك؟ قال: أجرى عمرو بن العاص بمصر الخيلَ، فأقبلت فرسي، فلما رآها الناس قام محمد بن عمرو فقال: فرسي ورب الكعبة، فلما دنا مني عرَفته، فقلت: فرسي ورب الكعبة، فقام إليَّ يَضرِبني بالسوط ويقول: خذها وأنا ابن الأكرمين، وبلغ ذلك عمرًا أباه، فخشي أن آتيك، فحبسني في السجن، فانفلت منه، وهأنذا أتيتك، قال أنس رضي الله عنه: فوالله ما زاد عمر على أن قال: اجلس، وكتب إلى عمرو يقول: إذا جاءك كتابي هذا، فأقبِل وأقبل معك بابنك محمد، وقال للمصري: أَقِم حتى يأتيك مقدم عمر، فدعا عمرو ابنه، فقال: أأحدثت حدثًا؟ أجنيت جِناية؟ قال: لا، قال: فما بال عمر يكتب فيك؟ فقدما على عمر، قال أنس رضي الله عنه: فوالله إنا عند عمر، إذا نحن بعمرو، وقد أقبل في إزار ورداء، فجعل عمر يلتفت هل يرى ابنه، فإذا هو خلف أبيه، فقال عمر: أين المصري؟ قال: هأنذا، قال: دونك الدُّرَّة، فاضرب بها ابن الأكرمين، فضربه حتى أثخنه، ونحن نشتهي أن يضربه، فلم يَنزِع عنه حتى أحببنا أن ننزع من كثرة ما ضربه، وعمر يقول: اضرب ابن الأكرمين، ثم قال عمر: أَجِلها على صلعة عمرو، فوالله ما ضربك إلا بفضل سلطانه، فقال المصري: يا أمير المؤمنين، قد استوفيت واشتفيت، يا أمير المؤمنين، قد ضربت من ضربني، قال عمر رضي الله عنه: أمَا والله لو ضربتَه، ما حُلْنا بينك وبينه، حتى تكون أنت الذي تَدَعه، يا عمرو، متى استعبدتُم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟ فجعل عمرو يَعتذِر ويقول: إني لم أشعر بهذا، ولم يأتني، ثم التفت عمر إلى المصري فقال: انصرف راشدًا، فإذا رابَكَ ريبٌ، فاكتب لي[49].

وقد أمر الله تعالى عبادَه المؤمنين بالبِرِّ مع غير المسلمين والإحسان إليهم: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ﴾ [الممتحنة: 8]، وتلك القاعدة في معاملة غير المسلمين هي أعدل القواعد التي تتَّفِق مع طبيعة هذا الدين ووِجْهته ونظرته إلى الحياة الإنسانية، بل نظرته الكلية لهذا الوجود، الصادر عن إله واحد، المتَّجِه إلى إله واحد، المتعاوِن في تصميمه اللدني وتقديره الأزلي من وراء كل اختلاف وتنويع[50]، فليتحرَّ المسلمون العدلَ في معاملاتهم مع غير المسلمين، ولا يَبخسوهم من حقوقهم شيئًا، ﴿ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ﴾؛ أي تعطوهم قسطًا من أموالكم على وجه الصِّلة، وليس يريد به من العدل، فإن العدل واجب فيمن قاتل وفيمن لم يُقاتِل؛ قاله ابن العربي[51].

ولقد أوجب الإسلام على أتباعه البرَّ مع الأبوين، والإحسان إليهما، والتعاملَ معهما بالحُسنى ولو كانا مشركين، ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا ﴾ [الإسراء: 23]، وأمر الإسلام المسلمين أن يؤتوا ذوي القربى والمساكين وأبناء السبيل حقوقَهم ولو كانوا غير مسلمين: ﴿ وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ﴾ [الإسراء: 26]، هذه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، تقول: قَدِمتْ عليَّ أمي وهي مشركة، في عهد قريش إذ عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن أمي قَدِمت عليَّ وهي راغبة، أفأصِلُها؟، قال: ((نَعم، صليها))[52]، وأنزل الله تعالى فيها: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ﴾ [الممتحنة: 8].

هذا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابَه بالقبط خيرًا؛ حِفاظًا على ذمَّتهم ورحِمهم، ويقول: ((إذا فتحتم مصرَ، فاستوصوا بالقِبْط خيرًا؛ فإن لهم ذمَّة ورَحِمًا))[53]، وفي رواية لمسلم: ((ستفتحون أرضًا يذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرًا؛ فإن لهم ذمة ورحمًا))، قـال النووي: وفي رواية: ((ستفتحون مصر، وهي أرض يُسمَّى فيها القيراط))، وفيها: ((فإن لهم ذمَّة ورَحِمًا))، قال العلماء: القيراط جزء من أجزاء الدينار والدرهم وغيرهما، وكان أهل مصر يُكثِرون من استعماله والتكلم به، وأما الذمة، فهي الحُرْمة والحق، وهي هنا بمعنى الذِّمام، وأما الرَّحم؛ فلكون هاجر أم إسماعيل منهم، وأما الصِّهر؛ فلكون مارية أم إبراهيم منهم[54].

ويروي عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى حُلَّة سيراء عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريت هذه فلبستها للناس يوم الجمعة، وللوفد إذا قَدِموا عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة))، ثم جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم منها حُللٌ، فأعطى عمر منها حُلَّة، فقال عمر: يا رسول الله، كسوتنيها وقد قلتَ في حلة عطارد ما قلت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني لم أَكْسُكَهَا لتَلبِسها))، فكساها عمر أخًا له مشركًا بمكة[55]، قال النووي: وفي هذا دليل لجواز صِلة الأقارب الكفار، والإحسان إليهم، وجواز الهدية إلى الكفار، والمشركون بمكة كانوا أهل حرب[56].

أمر الإسلام أتباعه بالإحسان إلى الجار، وحرَّم إيذاءه بشيء ولو كان الجار غير مسلم، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة؛ حيث كان له صلى الله عليه وسلم جار يهودي، وكان يعوده إذا مَرِض، وحدَّد رسول الله صلى الله عله وسلم حقوقَ الجار؛ فعن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: قلت: يا رسول الله، ما حق جاري عليَّ؟ قال: ((إنْ مرض عُدته، وإن مات شيَّعته، وإن استقرضك أقرضته، وإن أُعوِز سترته، وإن أصابه خير هنَّأته، وإن أصابته مصيبة عزَّيته، ولا ترفع بناءك فوق بنائه فتَسُد عليه الريح، ولا تؤذه بريح قِدْرك إلا أن تَغرِف له منها))[57].

وذهب بعض أهل العلم إلى أن للمسلم تعزية غير المسلم إذا ما مات له قريب، ويقول في تعزيته – إن كان الميت غير مسلم – ما يجوز قوله، مِثْل: أخلف لكم الله خيرًا منه، وأحسن عزاءكم، ولا يدعو له بالأجر، ولا لميته بالرحمة؛ لأنهما ليسا من أهل الأجر والرحمة، وينبغي أن يَقصِد بذلك كله تأليف قلب غير المسلم على الإسلام، كما للمسلم أن يزور قبرَ غير المسلم للعِظة، ولا يُسلِّم عليه، ولا يدعو له، أو يستغفر؛ للحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((استأذنت ربي أن أستغفِر لأمي، فلم يُؤذَن لي، واستأذنته أن أزور قبرها، فأذِن لي))[58]، وقد علم الرسول صلى الله عليه وسلم حقَّ العيادة لغير المسلمين، وحق إطعامهم عند حاجتهم إلى الطعام، يقول صلى الله عليه وسلم: ((فُكُّوا العانيَ – يعني: الأسير – وأطعموا الجائع، وعُودوا المريض))[59]، حُكْم عام يشمل المسلمين وغير المسلمين، ويُثني الله تعالى على عباده المؤمنين الذين يُطعِمون الطعامَ على حبه المسكين واليتيم والأسير؛ قال تعالى: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴾ [الإنسان: 9]، قال قتادة: “لقد أمر الله بالأسارى أن يُحسن إليهم، وإنهم يومئذٍ لمشركون”[60]، وقال الحسن: “كان الأسارى مشركين يوم نزلت هذه الآية”[61]، وكان من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يَقري الضيف ويَكسِب المعدم من غير المسلمين، ويُعين على نوائب الحقِّ لغير المسلمين، هذه خديجة رضي الله عنها حين جاءها رسول الله صلى الله عليه وسلم أول نبوءته وهو يقول: ((زمِّلوني، زملوني))، قالت: والله لا يُخزيك الله أبدًا؛ إنك لتَصِل الرَّحِم، وتَكسِب المعدوم، وتُعين على نوائب الدهر، انظر هل كان ثَمَّ أحد من المسلمين دون رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعامل معه هذه المعاملة الحسنة؛ من صِلة الرَّحِم، وإكرام الضيف، وإكساب المعدم، وإعانة من أصابته مصيبة في ماله؟ وكان العهد أول رسالته ووحي القرآن إليه، ولم تَظْهر دعوته بعدُ، وكان صلى الله عليه وسلم يقوم بعيادة المرضى من غير المسلمين أيضًا؛ فعن أنس رضي الله عنه أن غلامًا ليهود كان يَخدُم النبي صلى الله عليه وسلم، فمَرِض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده، فقال: ((أسلِمْ)) فأسلَم[62]، وكان صلى الله عليه وسلم يُعامِل مُخالِفيه من غير المسلمين في البيع والشراء، والأخذ والعطاء؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: توفِّي النبي صلى الله عليه وسلم ودِرْعه مرهونة عند يهودي بثلاثين”؛ يعني: صاعًا من شعير[63]، وكان صلى الله عليه وسلم يَقبَل هدايا غير المسلمين؛ كما ورد أنه صلى الله عليه وسلم قَبِل هدية زينب بنت الحارث اليهودية امرأة سَلَامِ بنِ مِشْكَمٍفي خيبر؛ حيث أهدت له شاة مشوية قد وضعت فيها السمَّ[64]، وقد قرَّر الفقهاء قَبُول الهدايا من الكفار بجميع أصنافهم حتى أهل الحرب، قال في المغني: “ويجوز قَبُول هدية الكفار من أهل الحرب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قَبِل هديَّة المقوقس صاحب مصر”[65]، وحق البِرِّ مع غير المسلمين يتمثَّل في الدعاء لهم من الله بالخير والرُّشد والهدى، ودعوتهم إلى ما فيه سعادتهم وكرامتهم في الدنيا والآخرة؛ أعني الإسلام، والتألُّم لما يعيشونه من الكُفْر والجحود والإلحاد، والتحرُّق له، وقد تجلَّى هذا الخُلُق الكريم والوصف الجليل في ذات الرسول صلى الله عليه وسلم، وجاء ذِكْره في الكتاب المبين: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾ [الكهف: 6]، وكان صلى الله عليه وسلم يَمُد يده إلى الله بالدعاء لغير المسلمين بالهداية للإسلام، لقد قَدِم الطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابه فقالوا: يا رسول الله، إن دوسًا قد كفرتْ وأبَتْ، فادعُ الله عليها، فقيل: هلكت دوس؛ ظنًّا بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما رفع يديه للدعاء عليها؛ فقال صلى الله عليه وسلم: ((اللهم اهدِ دوسًا وائت بهم))[66]، وجاء الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، أخرقتنا نبالُ ثقيف؛ فادع الله عليهم، قال: ((اللهم اهدِ ثقيفًا))[67]، فعادوا فعاد فأسلَموا، فوجدوا من صالحي الناس إسلامًا، ووجد منهم أئمة وقادة، ودعا صلى الله عليه وسلم أيضًا لأم أبي هريرة قبل إسلامها؛ فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “كنتُ أدعو أمي إلى الإسلام وهي مُشرِكة، فدعوتها يومًا، فأسمعتْني في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكره، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، قلت: يا رسول الله، إني كنتُ أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى عليَّ، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم اهدِ أم أبي هريرة))، فخرجتُ مستبشرًا بدعوة نبي الله صلى الله عليه وسلم، فلما جئتُ فصرت إلى الباب، فإذا هو مُجافٌ، فسمعتْ أمي خَشْفَ قدميَّ فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعتُ خضخضة الماء، قال: فاغتسلتْ ولبست درعها، وعجلت عن خمارها، ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قال: فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته وأنا أبكي من الفرح” الحديث[68].

 

حق الحماية والأمن لغير المسلمين:

من حقوق غير المسلمين في المجتمع الإسلامي أن يتوفَّر لهم التمتُّع بحماية الدولة الإسلامية، ويكونوا في مأمن من كلِّ عدوان خارجي وظُلْم داخلي كالمسلمين الموجودين في داخل الدولة الإسلامية.

حق الحماية من الاعتداء الخارجي:

يجب على الحاكم أو ولي الأمر أن يُوفِّر لغير المسلمين في المجتمع الإسلامي هذه الحماية بما له من سلطة شرعيَّة، وما لديه من قوة عسكريَّة، جاء في “مطالب أولي النهى”: “يجب على الإمام حِفْظ أهل الذِّمة، ومنْع مَن يؤذيهم، وفك أَسْرهم، ودفع من قصدهم بأذى إن لم يكونوا بدار حرب، بل كانوا بدارنا، ولوكانوا منفردين ببلد”، وعلَّل ذلك بأنهم: “جَرتْ عليهم أحكام الإسلام، وتأبَّد عقدهم، فلَزِمه ذلك كما يَلزَمه للمسلمين”[69].

وهذا شيخ الإسلام ابن تيميَّة، حينما تغلَّب التتارُ على الشام، ذهب ليُكلِّم “قطلوشاه” في إطلاق الأسرى، فسمح القائد التتري للشيخ بإطلاق أسرى المسلمين، وأبى أن يسمح له بإطلاق أهل الذمة، فما كان من شيخ الإسلام إلا أن قال: لا نرضى إلا بافتكاك جميع الأسارى من اليهود والنصارى، فهم أهل ذمتنا، ولا نَدَع أسيرًا، لا من أهل الذمة، ولا من أهل الملة، فلما رأى إصراره وتشدُّده، أطلقهم له[70]، وذكَر الإمام القرافي في كتابه “الفروق” حقَّ الحماية لغير المسلمين نقلاً عن ابن حزم في مراتب الإجماع له: “أن من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يَقصِدونه، وجَب علينا أن نخرج لقتالهم بالكُراع والسلاح، ونموت دون ذلك؛ صونًا لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعَقْد الذمة”، وحكى في ذلك إجماع الأمة[71].

حق الحماية من الظلم الداخلي:

يقول القرافي: عَقْد الذمة يُوجِب حقوقًا علينا لهم؛ لأنهم في جوارنا، وفي خفارتنا، وذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، ودين الإسلام، فمَن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء، أو غِيبة في عِرْض أحدهم، أو نوع من أنواع الأذية، أو أعان على ذلك، فقد ضيَّع ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة دين الإسلام، وقد مضى فيما سبق ما ورد في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف من الوعيد الشديد على الظلم وعدم القيام بالعدل والقِسْط، ولا سيما إذا كان الظلم يتعرَّض له غير المسلمين من أهل الذمة والعهد والأمان، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((مَن ظلم مُعاهدًا، أو انتقصه حقًّا، أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طِيب نفس منه، فأنا حجيجه يوم القيامة))[72]، ((وإن الله – عز وجل -لم يحل لكم أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن، ولا ضرب نسائهم، ولا أكل ثمارهم، إذا أعطوكم الذي عليهم))[73]، ((مَن آذى ذميًّا، فأنا خَصْمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة، مَن آذى ذميًّا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله))؛ رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن، وكان من طبيعة النبي صلى الله عليه وسلم السماحة فى المعاملة مع أصحاب الديانات الأخرى، فكان يَحترِم شعورَهم وعباداتهم، يحفظهم ويُحافِظ عليهم، تاركًا لهم حرية العبادة، لقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم وثيقةً لرهبان دير سانت كاترين؛ ففى سنة ست للهجرة أعطى الرهبان وثيقة تنص على رعاية حقوقهم، والوفاء لهم بالعهود، وقد ألزم فيها المسلمين الدفاعَ عن النصارى، وحمايتهم من الأذى، وصيانة كنائسهم، وألا يحملوهم على الخروج إلا ما طابت له نفوسهم، وألا يُخرِجوا أسقفًا ولا راهبًا من رهبانيته، وألا يحولوا بينهم وبين هوى دينهم، وألا يَهدِموا كنائسهم أو بِيَعهم، وألا يدخلوا من مال كنائسهم فى بناء مساجدهم، وألا يحملوا على الرهبان والأساقفة ولا من يتعبَّد جزية ولا غرامة، وأن يُعاوِنوهم فى إصلاح الكنائس والأديرة، ويحفظوهم تحت جناح الرحمة، ويَكُفوا عنهم أذى المكروه حيثما كانوا وحيثما رحلوا[74].

وكان عمر رضي الله عنه يسأل الوافدين عليه من الأقاليم عن حال أهل الذمة؛ خشية أن يكون أحد من المسلمين قد أفضى إليهم بأذى، فيقولون له: “ما نعلم إلا وفاءً”[75]، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: “إنما بذلوا الجزيةَ لتكون أموالهم كأموالنا، ودماؤهم كدمائنا”[76]، وفي عهد الرشيد كانت وصية القاضي أبي يوسف له بأن يَرفُق بأهل الذمة، حيث يُخاطِبه بقوله: “ينبغي يا أمير المؤمنين – أيَّدك الله – أن تتقدَّم في الرِّفق بأهل ذمة نبيك وابن عمك محمد صلى الله عليه وسلم، والتفقُّد لهم؛ حتى لا يُظلَموا ولا يُؤذوا ولا يُكلَّفوا فوق طاقتهم، ولا يؤخذ من أموالهم إلا بحق يجب عليهم”[77].

وقد صرَّح فقهاء المسلمين من جميع المذاهب الاجتهادية بأن على المسلمين دفع الظلم عن أهل الذمة، والمحافظة عليهم؛ لأن المسلمين حين أعطوهم العهدَ قد التزموا بدفع الظلم عنهم، وهم صاروا به من أهل دار الإسلام، بل صرَّح بعضهم بأن ظلم غير المسلم أشدُّ من ظلم المسلم إثمًا؛ وقد ذكر ابن عابدين في حاشيته ما نصه: وتَحرُم غِيبته كالمسلم؛ لأنه بعقد الذمة وجب له ما لنا، فإذا حَرُمت غِيبة المسلم حرمت غيبته، بل قالوا: إن ظلم الذمي أشد[78].

 

حق غير المسلمين في عصمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم:

فحق الحماية الذي أوجبه الإسلام على أتباعه لغير المسلمين يتضمَّن حماية دمائهم وأرواحهم، وحماية أعراضهم وأموالهم أيضًا، فاتَّفق العلماء على عِصمة دمائهم وأرواحهم، كعصمة أعراضهم وأموالهم؛ لقول الله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [الأنعام: 151]، وقوله – عز وجل -: ﴿ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ [المائدة: 32]، ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((مَن قتَل مُعاهَدًا، لم يَرَح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا))[79]، والمعاهَد كما قال ابن الأثير: أكثر ما يُطلَق على أهل الذمة، وقد يُطلَق على غيرهم من الكفار إذا صولحوا على ترْك الحرب[80].

وبلغ من رعاية الإسلام لحُرْمة أموالهم وممتلكاتهم أنه يَحترِم ما يَعُدونه – حسب دينهم – مالاً، وإن لم يكن مالاً في نَظَر المسلمين، فالخمر والخنزير لا يُعَدان عند المسلمين مالاً متقومًا، ولا يجوز للمسلم أن يَمتلِك هذين الشيئين لا لنفسه ولا ليبيعهما للغير، أما الخمر والخنزير إذا ملكهما غير المسلم، فهما مالان عنده، بل من أنفس الأموال، كما قال فقهاء الحنفية، فمن أتلفهما على الذمي غَرِم قيمتهما[81].

شكا أحد رهبان النصارى في مصر إلى الوالي أحمد بن طولون أحد قواده؛ لأنه ظلمه وأخذ منه مبلغًا من المال بغير حق، فما كان من ابن طولون إلا أن أحضر هذا القائد وأنَّبَه وعزَّره وأخذ منه المالَ، وردَّه إلى النصراني، وقال له: لو ادَّعيت عليه أضعافَ هذا المبلغ لألزمته به، وفتح بابه لكل مُتظلِّم من أهل الذمة، ولو كان المشكو من كبار القواد وموظفي الدولة[82].

ويحمي الإسلام عِرْض الذمي وكرامته، كما يحمي عِرْض المسلم وكرامته، فلا يجوز لأحد أن يَسُبه أو يَتَّهِمه بالباطل، أو يُشنِّع عليه بالكَذِب، أو يغتابه، ويذكره بما يكره، في نفسه، أو نَسَبه، أو خُلُقه، أو خَلْقه، أو غير ذلك مما يتعلَّق به.

فمَن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء، أو غِيبة في عِرْض أحدهم، أو نوع من أنواع الأذية، أو أعان على ذلك، فقد ضيَّع ذمَّةَ الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة دين الإسلام[83].

 

حق غير المسلمين في العمل والتجارة:

ولقد أمر الإسلام أتباعه أن يتعاملوا مع غير المسلمين معاملة قائمة على الرِّفق والسهولة والسماحة في جميع أمور الحياة وشؤونها؛ من البيع والشراء، والأجرة والكراء؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((رحِم الله رجلاً سَمْحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى))[84]، وهذا النص يشمل التعامل مع المسلم وغير المسلم، وفيه الحضُّ على السماحة في المعاملة واستعمال معالي الأخلاق، وترْك المشاحة، والحض على تَرْك التضييق على الناس في المطالبة، وأخذ العفو منهم[85]، قال أحمد: “إذا ركب القوم في البحر، فاستقبلهم فيه تجار مشركون من أرض العدو ويريدون بلادَ الإسلام، لم يعرضوا لهم، ولم يُقاتِلوهم، وكل من دخل بلاد المسلمين من أرض الحرب بتجارة بويع، ولم يسأل عن شيء”[86]، فلغير المسلمين حرية العمل والكسب، بالتعاقد مع غيرهم، أو بالعمل لحساب أنفسهم، ومزاولة ما يختارون من المهن الحرة، ومباشرة ما يريدون من ألوان النشاط الاقتصادي، شأنهم في ذلك شأن المسلمين.

فقد قرَّر الفقهاء أن أهل الذِّمة، في البيوع والتجارات وسائر العقود والمعاملات المالية، كالمسلمين، ولم يَستثنوا من ذلك إلا عَقْد الربا؛ فإنه مُحرَّم عليهم كالمسلمين، يتَمتَّع الذميون بتمام حريَّتهم، في مباشرة التجارات والصناعات والحِرَف المختلفة، وهذا ما جرى عليه الأمر، ونطق به تاريخ المسلمين في شتى الأزمان[87].

حق التأمين لغير المسلمين عند العجز والفقر وكِبَر السن:

الإسلام ضَمِن لغير المسلمين في ظلِّ دولته، كفالة المعيشة الملائمة لهم ولمن يَعولونه؛ لأنهم رعية للدولة المسلمة، وهي مسؤولة عن كلِّ رعاياها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كلكم راعٍ ومسؤول عن رعيته؛ فالإمام راعٍ، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راعٍ، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية، وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راعٍ، وهو مسؤول عن رعيته))[88].

ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تَصدَّق بصدقة على أهل بيت من اليهود، فهي تجري عليهم، وذُكِر عن أم المؤمنين صفية رضي الله عنها أنها تَصدَّقت على ذوي قَرابة لها فهما يهوديان[89]، وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يَمُر بباب قوم وعليه سائل يسأل: شيخ كبير ضرير البصر، فضرب عضده من خَلْفه وقال: مَن أي أهل الكتاب أنت؟ قال: يهودي، قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن، قال: فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله، فرضخ له بشيء من المنزل ثم أرسل إلى خازن بيت المال، فقال: انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبتَه ثم نَخذُله عند الهرم: ﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ﴾ [التوبة: 60]، والفقراء هم المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه[90]، وفي الطريق إلى الجابية من أرض دمشق مرَّ بقوم مجذومين من النصارى، فأمر أن يُعْطوا من الصدقات، وأن يجرى عليهم القوت[91].

وجاء في عَقْد الذمة الذي كتبه خالد بن الوليد لأهل الحيرة بالعراق، وكانوا من النصارى: “وجعلت لهم أيما شيخ ضَعُف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيًّا فافتقر وصار أهل دينه يتصدَّقون عليه، طُرِحتْ جِزيته، وعِيلَ من بيت مال المسلمين هو وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام، فإن خرجوا إلى غير دار الهجرة ودار الإسلام، فليس على المسلمين النفقة على عيالهم”[92].

 

الخاتمة:

هذا هو الإسلام، الدين السماوي الخالد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليُظهِره على الدين كلِّه ولو كَرِه المشركون، وتَمكَّن هذا الدين من قلوب الناس بآدابه القيِّمة، وتعاليمه النيِّرة، وكانت تلك الأخلاق السامية التي رسَّختها المبادئ الإسلامية في التعامل مع غير المسلمين من اليهود والنصارى والمشركين والمجوس سببًا بارزًا في التعريف بالإسلام، ووسيلة مهمة في الدعوة إليه، دخل الإسلام معظم أنحاء آسيا وإفريقيا عن طريق التجار المسلمين العُزَّل من أي سلاح – سوى العقيدة الراسخة – الذين جذَبوا أنظارَ السكان الأصليين بالأمانة والصدق ومكارم الأخلاق، ونجحوا فى دعوتهم إلى الإسلام بالقدوة الحسنة[93]، والتعاملُ الحَسَن مع غير المسلمين هو الذي دفع الكثيرين منهم إلى دراسة الإسلام ومطالعة القرآن، وكان ذلك سببًا في قَبُولهم الإسلام، وانضمامهم إلى صفِّ المسلمين، يقول الأستاذ علي الطنطاوي – وهو يشرح حقيقة الجهاد في سبيل الله ومقاصده، وأن الإسلام لم ينتشر بقوة السيف، بل يرجع الفضل فيه إلى الأخلاق الفاضلة العالية التي كان المسلمون يحملونها ويتَّسِمون بها فى دعوتهم إليه -: “ضلَّ قوم زعموا أن الإسلام إنما انتشر بالسيف، لا والله، إنما انتشر بمِثْل هذه الأخلاق السماوية، إنما فتح المسلمون ثلاثة أرباع العالم المتمدن بهذا الإيمان الذي ملأ قلوبهم، وهذا النور الذي أشرق على نفوسهم، وهذه القوة التى عادت بها عليهم عقيدة التوحيد، وإن الفتح الإسلامي لهو الفتح الأعظم الذي لم يَعرِف التاريخ فتحًا مثله، وكثير هم الفاتحون الذين فتحوا بلادًا واسعة بسيوفهم، وأخضعوها بجنودهم، وحكموها بقوتهم وسطوتهم، ولكن ليس فيهم مِثْل المسلمين الذين فتحوا البلاد بإيمانهم، وفتحوا القلوب بعدلهم، وفتحوا العقول بعِلْمهم، فكانوا أصحاب السلطان، وكانوا دعاة الإيمان:

مَلْكنا فكان العدلُ منا سجيَّة
فلما ملكتُم سال بالدم أبطحُ
وحلَّلتم قتْلَ الأسارى وطالما
غدونا على الأسرى نَمُن ونَصفَحُ
فحسْبُكم هذا التفاوتُ بينَنا
فكل إناء بالذي فيه يَنضحُ”[94].

يقول غوستاف لوبون: “فالحق أن الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب، ولا دينًا سَمْحا مِثل دينهم؛ حضارة العرب، غوستاف لوبون، ص 720.

ويقول أحد الكتاب الأمريكيين المعاصرين، وهو آندرو باترسون: “إن العنف باسم الإسلام ليس من الإسلام في شيء، بل إنه نقيض لهذا الدين الذي يعني السلام لا العنف”؛ (لا سكوت بعد اليوم؛ بول فندلي، ص: 91 ).

وكانت سماحة الإسلام سببًا في إسلام الشاعر الأمريكي رونالد ركويل؛ فقال بعد أن أشهر إسلامه: “لقد راعني حقًّا تلك السماحة التي يُعامِل بها الإسلام مخالفيه؛ سماحة في السِّلم، وسماحة في الحرب، والجانب الإنساني في الإسلام واضح في كلِّ وصاياه؛ (معاملة غير المسلمين في المجتمع الإسلامي؛ إدوار غالي الدهبي، ص: 49).

فالعالم اليوم في حاجة إلى الاطلاع على الأخلاق والآداب والحقوق التي دعا إليها الإسلام أتباعَه للتمسُّك بها والحِفاظ عليها نحو إخوانهم المواطنين والمعاهَدين من غير المسلمين، وبه يتحقَّق الخير كله بإذن الله، ويكون الدين كله لله، وصلى الله تعالى على خير خلقه وعلى آله وصحبه وبارك وسلم.

المصادر والمراجع:

1 – القرآن العظيم.

2 – الكتب الستة.

3 – أحكام أهل الذمة.

4 – الأقليات الإسلامية والحل الإسلامي.

5 – إعلام الموقعين عن رب العالمين؛ ابن القيم.

6 – الإسلام والآخر، الحوار هو الحل؛ حمدي شفيق.

7 – الإسلام دين الوسطية والفضائل والقيم الخالدة؛ عبدالسلام الهراس.

8 – البداية والنهاية؛ ابن كثير.

9 – تفسير القرآن العظيم؛ ابن كثير.

10 – تفسير القرطبي.

11 – تفسير البيضاوي.

12 – تفسير المنار؛ الأستاذ رشيد رضا.

13 – تاريخ الرسل والملوك؛ الطبري.

14 – التعامل مع الآخر، شواهد تاريخية من الحضارة الإسلامية؛ إبراهيم بن محمد الحمد المزيني.

15 – تلبيس مردود في قضايا حية؛ صالح بن حميد.

16 – التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام؛ محمد الغزالي.

17 – حقوق الإنسان في الإسلام؛ عبدالله بن عبدالمحسن التركي.

18 – حقوق غير المسلمين في بلاد الإسلام؛ صالح العايد.

19 – الحوار من أجل التعايش؛ د. عبدالعزيز بن عثمان التويجري.

20 – حقوق غير المسلمين في بلاد الإسلام؛ صالح بن حسين العائد.

21 – حقوق الإنسان محور مقاصد الشريعة؛ أحمد الريسوني، محمد الزحيلي، محمد عثمان شبير.

22 – الدعوة إلى الإسلام؛ توماس أرنولد.

23 – الدر المنثور؛ السيوطي.

24 – سماحة الإسلام في معاملة غير المسلمين؛ إعداد: د. عبدالله بن إبراهيم اللحيدان.

25 – سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد.

26 – السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار؛ الشوكاني.

27 – شرح مسلم للنووي.

28 – سماحة الإسلام، أحمد الحوفي.

29 – شمس العرب تسطع على الغرب؛ زيغريد هونكه.

30 – غير المسلمين في المجتمع الإسلامي.

31 – فتح الباري؛ ابن حجر العسقلاني.

32 – فتوح البلدان؛ البلاذري.

33 – فتوح مصر والمغرب؛ لأبي القاسم المصري.

34 -الفروق؛ للقرافي.

35 – في ظلال القرآن؛ سيد قطب.

36 -كتاب الأموال؛ لأبي عبيد.

37 – مسند الإمام أحمد.

38 – مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، جمع وترتيب: فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان.

39 – معادلة السلم والحرب في الإسلام؛ د. عباس الجراري.

40 – معجم الطبراني.

41 – المغني؛ ابن قدامة، تحقيق: د. عبدالله التركي.

42 – مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى؛ مصطفى بن سعد السيوطي.

43 -النهاية في غريب الحديث؛ ابن الأثير.

44 – مجلة (الرسالة) السنة: 14، العدد: 662.

45 – منار الإسلام، العدد: 8 السنة: 21 غرة شعبان 1416.


[1] سنن الترمذي، رقم: (1924).

[2] صحيح مسلم، رقم: (2613).

[3] صحيح مسلم، رقم: (1955).

[4] صحيح البخاري، رقم: (2363)، صحيح مسلم، رقم: (2244).

[5] صحيح البخاري، رقم: (6012)، صحيح مسلم، رقم: (1552).

[6] سنن أبي داود، رقم: (2675).

[7] صحيح البخاري، رقم: (3321).

[8] صحيح البخاري، رقم: (2365).

[9] صحيح البخاري، رقم 7376).

[10] فتح الباري، ابن حجر العسقلاني (10: 440).

[11] مسند الإمام أحمد، رقم (23489).

[12] الحوار من أجل التعايش؛ د. عبدالعزيز بن عثمان التويجري (ص: 126-127).

[13] تفسير القرطبي (7: 61).

[14] صحيح البخاري (رقم 1311).

[15] صحيح البخاري (رقم 1312).

[16] أحكام أهل الذمة (2: 873).

[17] السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار؛ الشوكاني (ص: 904).

[18] أحكام أهل الذمة (1: 1).

[19] النهاية في غريب الحديث؛ ابن الأثير (2: 168).

[20] نظم المستعذب (1: 156).

[21] مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ مجمد بن صالح العثيمين، جمع وترتيب: فهد بن ناصر بن إبراهيم السليمان (25: 493).

[22] سماحة الإسلام؛ أحمد الحوفي (ص: 79).

[23] في ظلال القرآن (1: 291).

[24] تلبيس مردود في قضايا حية؛ صالح بن حميد (ص: 31-32).

[25] حقوق غير المسلمين في بلاد الإسلام؛ صالح العايد (ص: 32-33).

[26] التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام؛ محمد الغزالي، دار التوزيع، القاهرة، ط 1، 1409هـ، (ص 6).

[27] المغني؛ ابن قدامة، تحقيق: د. عبدالله التركي، د. عبدالفتاح الحلو (12: 291).

[28] حقوق الإنسان محور مقاصد الشريعة؛ أحمد الريسوني، محمد الزحيلي، محمد عثمان شبير (ص: 63).

[29] الإسلام دين الوسطية والفضائل والقيم الخالدة؛ عبد السلام الهراس (ص: 17).

[30] التعامل مع الآخر، شواهد تاريخية من الحضارة الإسلامية؛ إبراهيم بن محمد الحمد المزيني.

[31] سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (6: 420).

[32] حقوق غير المسلمين في بلاد الإسلام؛ صالح بن حسين العائد (ص: 6) نقلاً عن قصة الحضارة (13: 131).

[33] تاريخ الرسل والملوك؛ الطبري (3: 227).

[34] المصدر السابق (3: 609).

[35] الأقليات الإسلامية والحل الإسلامي (ص: 13).

[36] الدعوة إلى الإسلام؛ توماس أرنولد (ص: 102).

[37] الإسلام والآخر، الحوار هو الحل؛ حمدي شفيق (ص: 77- 78).

[38] المصدر السابق (ص: 65-66)، نقلاً عن كتاب “انتشار الإسلام بحد السيف بين الحقيقة والافتراء”؛ الدكتور نبيل لوقا بباوي.

[39] شمس العرب تَسطَع على الغرب؛ زيغريد هونكه (ص: 364).

[40] إعلام الموقعين عن رب العالمين؛ ابن القيم (3: 3).

[41] الحوار من أجل التعايش؛ د. عبدالعزيز بن عثمان التويجري (ص: 157- 158).

[42] تفسير المنار؛ الأستاذ رشيد رضا (6: 226- 227).

[43] تفسير البيضاوي (3: 222).

[44] تفسير القرآن العظيم (1: 565).

[45] البداية والنهاية؛ ابن كثير (9: 213).

[46] فتوح البلدان؛ البلاذري (ص: 139).

[47] حقوق الإنسان في الإسلام؛ عبدالله بن عبدالمحسن التركي (ص: 68- 69)، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد – المملكة العربية السعودية.

[48] سنن أبي داود، رقم: (5116).

[49] فتوح مصر والمغرب؛ لأبي القاسم المصري (ص: 195).

[50] في ظلال القرآن.

[51] تفسير القرطبي.

[52] صحيح البخاري، رقم: (5979).

[53] صحيح مسلم، رقم: 254، ومسند أحمد، رقم: (5/174).

[54] شرح مسلم؛ للنووي، (16/97).

[55] صحيح مسلم، رقم: (2068).

[56] شرح النووي على صحيح مسلم (14: 39).

[57] معجم الطبراني، رقم: (1014).

[58] صحيح مسلم، رقم: (976).

[59] صحيح البخاري، رقم: (3046).

[60] ذكره السيوطي في الدر المنثور (8: 371).

[61] المصدر السابق.

[62] صحيح البخاري، رقم: (5657).

[63] صحيح البخاري، رقم: (4467).

[64] صحيح البخاري (2617).

[65] سماحة الإسلام في معاملة غير المسلمين؛ إعداد، د. عبدالله بن إبراهيم اللحيدان، نقلاً من المغني، ابن قدامة، (13: 200).

[66] صحيح مسلم، رقم: (2524).

[67] سنن الترمذي، رقم: (3942).

[68] صحيح مسلم، رقم: (2491).

[69] مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى؛ مصطفى بن سعد السيوطي (2: 602 – 603).

[70] غير المسلمين في المجتمع الإسلامي؛ (ص: 10).

[71] الفروق؛ للقرافي (3: 14).

[72] سنن أبي داود، رقم (3052).

[73] نفس المصدر، رقم: (3050).

[74] دبلوماسية الرسول؛ إسماعيل عبدالفضيل خير الله، منار الإسلام، العدد: 8 السنة: 21 غرة شعبان 1416.

[75] تاريخ الطبري (4: 218).

[76] المغني (8: 445).

[77] الخراج؛ لأبي يوسف (ص: 125).

[78] غير المسلمين في المجتمع الإسلامي؛ (ص: 11).

[79] صحيح البخاري، رقم: (3166).

[80] فيض القدير (6: 153).

[81] التعامل مع الآخر؛ إبراهيم بن محمد الحمد المزيني (ص: 103) نقلاً عن غير المسلمين في المجتمع الإسلامي؛ (ص: 15).

[82] المصدر السابق (ص: 21- 22).

[83] الفروق؛ للقرافي (3: 14).

[84] صحيح البخاري رقم: (1320).

[85] فتح الباري (4: 307).

[86] الشرح الكبير (10: 358).

[87] التعامل مع الآخر؛ إبراهيم بن محمد الحمد المزيني (ص: 108- 109).

[88] صحيح البخاري، رقم: (2554).

[89] كتاب الأموال؛ لأبي عبيد، ص: 605.

[90] كتاب الخراج؛ لأبي يوسف، ص: 126.

[91] فتوح البلدان؛ البلاذري، ص: 135.

[92] كتاب الخراج؛ لأبي يوسف، ص: 144.

[93] الإسلام والآخر، الحوار هو الحل؛ حمدى شفيق، (ص: 58-59).

[94] علي الطنطاوي، الفتح الإسلامي، مجلة الرسالة.. السنة: 14، العدد: 662.

0 0 votes
Article Rating