أسامة بن زيد – رضي الله عنه –
“حِب رسول الله”

أسامة – رضي الله عنه -:

أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي، أبو محمد، وأبو زيد، الأمير، حِبُّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وابن حِبِّه، وابن حاضنته أم أيمن.

له مائة وثمانية وعشرون حديثًا، اتَّفق البخاري ومسلم منها على خمسةَ عشرَ، وانفرد كل منهما بحديثين، وروى عنه: ابن عباس، وإبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، وعروة، وأبو وائل، وكثيرون.

أمَّره النبي – صلى الله عليه وسلم – على جيشٍ فيهم أبو بكر وعمر، وشهِد مؤتة.

توفّي بوادي القرى، وقيل بالمدينة سنة أربع وخمسين عن خمس وسبعين سنة[1].

أمَّر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أسامة على قومٍ فطعنوا في إمارته، فقال: ((إن تطعنوا في إمارته فقد طعنتم في إمارة أبيه من قبلِه، وايمُ الله لقد كان خليقًا للإمارة، وإن كان من أحبِّ الناس إليَّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليَّ بعده))[2].

مواقف من حياته – رضي الله عنه -:

• عن أسامة بن زيد – رضي الله عنهما – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه كان يأخذه والحسن ويقول: ((اللهم إني أحبُّهما فأحبَّهما))[3].

• عن محمد بن أسامة بن زيد، عن أبيه، قال: لما ثقل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – هبطت وهبط الناس المدينة، فدخلت على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وقد أصمتَ فلم يتكلَّم، فجعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يضع يديه عليَّ ويرفعهما فأعرف أنه يدعو لي[4].

• عن عائشة – رضي الله عنها – أن قريشًا أهمَّهم شأن المخزومية، فقالوا: مَن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حِب رسول الله – صلى الله عليه وسلم[5].

• عن أسامة بن زيد – رضي الله عنه -: كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يأخذني فيقعدني على فخذه، ويقعد الحسن على فخذه الأخرى، ثم يضمهما، ثم يقول: ((اللهم ارحَمْهما فإني أرحَمُهما))[6].

• عن عائشة قالت: أراد رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – أن يمسح مخاط أسامة بن زيد، فقالت عائشة: دعني حتى أكون أنا الذي أفعله، قال: ((يا عائشةُ، أحبِّيه فإني أحبُّه))[7].

غزوة أسامة بن زيد إلى مؤتة:

قال الواقدي: “قالوا: لم يزل رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – يذكر مقتل زيد بن حارثة وجعفر وأصحابه، ووجد عليهم وجدًا شديدًا، فلما كان يوم الاثنين لأربع ليالٍ بقين من صفر سنة إحدى عشرة، أمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الناس بالتهيؤ لغزو الروم، وأمرهم بالانكماش في غزوهم، فتفرَّق المسلمون من عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وهم مجدُّون في الجهاد، فلما أصبح رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من الغد، يوم الثلاثاء لثلاث بقين من صفر، دعا أسامة بن زيد، فقال: ((يا أسامة، سِرْ على اسم الله وبركته حتى تنتهي إلى مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل، فقد وليَّتُك على هذا الجيش، فأغِرْ صباحًا على أهل (أبنى)، وحرِّق عليهم، وأسرع السير تسبق الخبر، فإن أظفرك الله فأقلِل اللبث فيهم، وخذ معك الأدلاء، وقدِّم العيون أمامك والطلائع))، فلما كان يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر، بُدي برسول الله – صلى الله عليه وسلم – فصدع وحُمَّ، فلما أصبح يوم الخميس لليلة بقيت من صفر عقد له رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بيده لواءً، ثم قال: ((يا أسامة، اغزُ بسم الله في سبيل الله، فقاتلوا مَن كفر بالله، اغزوا ولا تغدِروا، ولا تقتلوا وليدًا ولا امرأة، ولا تمنَّوا لقاءَ العدو، فإنكم لا تدرون لعلكم تُبتَلَون بهم، ولكن قولوا: اللهم، اكفِناهم، واكفف بأسَهم عنا، فإن لقوكم قد أجلبوا وصيحوا، فعليكم بالسكينة والصمت، ولا تنازعوا ولا تفشلوا فتذهب ريحكم، وقولوا: اللهم، نحن عبادك وهم عبادك، نواصينا ونواصيهم بيدِك، وإنما تغلبهم أنت، واعلموا أن الجنة تحت البارقة)).

فخرج بلوائه معقودًا فدفعه إلى بُريدة بن الحصيب الأسلمي، فخرج به إلى بيت أسامة، وأمر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أسامة فعسكر بالجرف، وضرب عسكره في سقاية سليمان اليوم، وجعل الناس يجدُّون بالخروج إلى العسكر، فيخرج مَن فرغ من حاجته إلى معسكره، ومَن لم يقضِ حاجته فهو على فراغٍ، ولم يبقَ أحد من المهاجرين الأولين إلا انتدب في تلك الغزوة: عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وأبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، في رجال من المهاجرين والأنصار عدة: قتادة بن النعمان، وسلمة بن أسلم بن حريش، فقال رجال من المهاجرين – وكان أشدهم في ذلك قولاً عيَّاش بن أبي ربيعة -: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأوَّلين، فكثرت القالة في ذلك، فسمع عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – بعض ذلك القول، فردَّه على مَن تكلم به، وجاء إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأخبره بقول مَن قال، فغضب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – غضبًا شديدًا، فخرج وقد عصب على رأسه عصابة وعليه قطيفة، ثم صعِد المنبر فحمِد الله وأثنى عليه، ثم قال: ((أما بعد، يا أيها الناس، فما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة بن زيد؟ والله، لئن طعنتم في إمارتي أسامةَ لقد طعنتم في إمارتي أي تأميري أباه من قبله، وايم الله، إن كان للإمارة لخليقًا، وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة، وإن كان لمن أحب الناس إليَّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليَّ، وإنهما لمخيلان لكل خيرٍ، فاستوصوا به خيرًا، فإنه من خياركم))، ثم نزل – صلى الله عليه وسلم – فدخل بيته، وذلك يوم السبت لعشر ليال خلون من ربيع الأول، وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودِّعون رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فيهم عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: ((أنفِذوا بعث أسامة))، ودخلت أم أيمن، فقالت: أي رسول الله، لو تركت أسامة يقيم في معسكره حتى تتماثل، فإن أسامة إن خرج على حالته هذه لم ينتفع بنفسه، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((أنفِذوا بعث أسامة))، فمضى الناس إلى المعسكر فباتوا ليلة الأحد، ونزل أسامة يوم الأحد ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – ثقيل مغمور، وهو اليوم الذي لدُّوه فيه، فدخل على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وعيناه تهملان، وعنده العباس والنساء حوله، فطأطأ عليه أسامة فقبَّله، ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – لا يتكلَّم، فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يصبها على أسامة، قال: فأعرف أنه كان يدعو لي، قال أسامة: فرجعت إلى معسكري، فلما أصبح يوم الاثنين غدا من معسكره وأصبح رسول الله – صلى الله عليه وسلم مفيقًا – فجاءه أسامة فقال: ((اغدُ على بركة الله)).

فودَّعه أسامة، ورسول الله – صلى الله عليه وسلم – مُفيقٌ مريح، وجعل نساؤه يتماشَطن سرورًا براحته، فدخل أبو بكر – رضي الله عنه – فقال: يا رسول الله، أصبحتَ مُفيقًا بحمد الله، واليوم يوم ابنة خارجة فائذنْ لي، فأذِن له فذهب إلى السنح، وركِب أسامة إلى معسكره، وصاح في الناس أصحابه باللحوق بالعسكر، فانتهى إلى معسكره ونزل، وأمر الناس بالرحيل وقد متع النهار، فبينا أسامة يريد أن يركب من الجرف أتاه رسول أم أيمن – وهي أمه – تخبره أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يموت، فأقبل أسامة إلى المدينة معه عمر وأبو عبيدة بن الجراح، فانتهوا إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يموت، فتوفِّي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حين زاغت الشمس يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول.

ودخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف المدينة، ودخل بريدة بن الحصيب بلواء أسامة معقودًا حتى أتى به باب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فغرَزه عنده، فلما بويع لأبي بكر – رضي الله عنه – أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى بيت أسامة، فلما بلغ العرب وفاة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وارتدَّ مَن ارتدَّ عن الإسلام، قال أبو بكر – رضي الله عنه – لأسامة – رحمة الله عليه -: انفُذْ في وجهِك الذي وجَّهك فيه رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم[8].

واعتزل أسامة – رضي الله عنه – الفتنة التي حدثت في عهد علي – رضي الله عنه – ومعاوية -رضي الله عنه- هذا هو الصحابي الذي جاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.

——————————————————————————–

[1] سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (6 / 144).

[2] صحيح البخاري (5 / 141).

[3] صحيح البخاري (5 / 26).

[4] رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب (5 / 677).

[5] صحيح البخاري (5 / 23).

[6] صحيح البخاري (8 / 8).

[7] أخرجه ابن حبان (15 / 534) والترمذي (3818) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

[8] مغازي الواقدي (3 / 1121).