معنى اسم الله الحكيم

الشيخ وحيد عبدالسلام بالي
الشيخ وحيد عبدالسلام بالي

معنى اسم الله الحكيم

واسم الله الحكم

 

الدَّلَالَاتُ اللُّغَوِيَّةُ لاِسْمَيِ (الحَكِيمُ وَالحَكَمُ)[1]:

الحَكِيمُ فِي اللُّغَةِ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ بِمَعْنَى فَاعِلٍ، فِعْلُهُ حَكَمَ يَحْكُمُ حُكْمًا وَحُكُومَةً، وَالحَكِيمُ يَأَتِي عَلَى عِدَّةِ مَعَانٍ؛ مِنْهَا الإِحَاطَةُ وَالمَنْعُ، فَحَكَمَ الشَيءَ يَعْنِي مَنَعَهُ وَسَيْطَرَ عَلَيْهِ وَأَحَاطَ بِهِ، وَمِنْهَا حَكَمَةُ اللِّجَامِ وَهِيَ الحَدِيدَةُ المَانِعَةُ لِلدَّابَّةِ عَنِ الخُرُوجِ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُ حَسَّانِ بنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه:

فَنَحْكُمُ بِالقَوَافِي مَنْ هَجَانَا ♦♦♦ وَنَضْرِبُ حِينَ تَخْتَلِطُ الدِّمَاءُ[2]

 

أَيْ نَمْنَعُ بِالقَوَافِي مَنْ هَجَانَا، وَقَوْلُ الآَخَرِ:

أَبَنِي حَنِيفَةَ حَكِّمُوا سُفَهَاءَكُمْ ♦♦♦ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُو أَنْ أَغْضَبَا[3]

 

أَيِ: امْنَعوا سُفَهَاءَكُم، وَيَأْتِي الحَكِيمُ عَلَى مَعْنَى المُدَقِّقِ فِي الأُمُورِ المُتْقِنِ لِهَا، فَالحَكِيمُ هُوَ الذِي يُحْكِمُ الأَشْيَاءَ وَيُحْسِنُ دَقَائِقَ الصِّنَاعَاتِ وَيُتْقِنُهَا، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا كَانَ حَكِيمًا قَدْ أَحْكَمَتْهُ التَّجَاربُ[4].

 

وَالحَكِيمُ أَيْضًا هُوَ الذِي يُحْكِمُ الأَمْرَ وَيَقْضِي فِيهِ وَيَفْصِلُ دَقَائِقَهُ وَيُبَيِّنُ أَسْبَابَهُ وَنَتَائِجَهُ، فَالحَكِيمُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى حَاكِمٍ مِثْلَ قَدِيرٍ بِمَعْنَى قَادِرٍ وَعَلِيمٍ بِمَعْنَى عَالِمٍ، وَاسْتَحْكَمَ الرُّجُلُ إِذَا تَنَاهَى عَمَّا يَضُرُّهُ فِي دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ[5].

 

وَالحَكِيمُ سُبْحَانَهُ هُوَ المُتَّصِفُ بِحِكْمَةٍ حَقِيقِيَّةٍ عَائِدَةٍ إِلَيْهِ وَقَائِمَةٍ بِهِ كَسَائِرِ صِفَاتِهِ وَالتِي مِنْ أَجَلِهَا خَلَقَ فَسَوَّى، وَقَدَّرَ فَهَدَى، وَأَسْعَدَ وَأَشْقَى، وَأَضَلَّ وَهَدَى، وَمَنَعَ وَأَعْطَى، فَهُوَ المُحْكِمُ لِخَلْقِ الأَشْيَاءِ عَلَى مُقْتَضَى حِكْمَتِهِ، وَهُوَ الحَكِيمُ فِي كُلِّ مَا فَعَلَهُ وَخَلَقَهُ، حِكْمَةً تَامَّةً اقْتَضَتْ صُدُورَ هَذَا الخَلْقِ، وَنَتَجَ عَنْهَا ارْتِبَاطُ المَعْلُولِ بِعِلَّتِهِ وَالسَّبَبِ بِنَتِيجَتِهِ، وَتَيْسِيرَ كُلِّ مَخْلُوقٍ لِغَايَتِهِ، وَإِذَا كَانَ اللهُ عز وجل يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ لَهُ قَضَاءٌ، مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، إِلَّا أَنَّهُ الحَكِيمُ الذِي يَضَعُ الأَشْيَاءَ فِي مَوَاضِعِهَا، وَيَعْلَمُ خَوَاصَّهَا وَمَنَافِعَهَا، وَيُرَتِّبُ أَسْبَابَهَا وَنَتَائِجَهَا[6].

 

قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: “الحَكِيمُ مِنْ أَسْمَائِهِ الحُسْنَى، وَالحِكْمَةُ مِنْ صِفَاتِهِ العُلَى، وَالشَّرِيعَةُ الصَّادِرَةُ عَنْ أَمْرِهِ مَبْنَاهَا عَلَى الحِكْمَةِ، وَالرَّسُولُ المَبْعُوثُ بِهَا مَبْعُوثٌ بِالكِتَابِ وَالحِكْمَةِ، وَالحِكْمَةُ هِيَ سُنَّةُ الرَّسُولِ وَهِيَ تَتَضَمَّنُ العِلْمَ بِالحَقِّ وَالعَمَلَ بِهِ وَالخَبَرَ عَنْهُ وَالأَمْرَ بِهِ، فَكُلُّ هَذَا يُسَمَّى حِكْمَةً، وَفِي الأَثَرِ الحِكْمَةُ ضَالَّةُ المُؤْمِنِ، وَفِى الحَدِيثِ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةٌ، فَكَمَا لَا يَخْرُجُ مَقْدُورٌ عَنْ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ فَهَكَذَا لَا يَخْرُجُ عَنْ حِكْمَتِهِ وَحَمْدِهِ، وَهُوَ مَحْمُودٌ عَلَى جَمِيعِ مَا فِي الكَوْنِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ حَمْدًا اسْتَحَقَّهُ لِذَاتِهِ وَصَدَرَ عَنْهُ خَلْقُهُ وَأَمْرُهُ، فَمَصْدَرُ ذَلِكَ كُلِّهِ عَنِ الحِكْمَةِ”[7].

 

الحَكَمُ: بِفَتْحَتَيْنِ هُوَ الحَاكِمُ، وَهُوَ الذِي يَحْكُمُ وَيَفْصِلُ فِي سَائِرِ الأُمُورِ.

 

وَالحَكَمُ سُبْحَانَهُ هُوَ الذِي يَحْكُمُ فِي خَلْقِهِ كَمَا أَرَادَ، إِمَّا إِلْزَامًا لَا يُرَدُّ وَإِمَّا تَكْلِيفًا عَلَى وَجْهِ الابْتِلاَءِ لِلعِبَادِ، فَحُكْمُهُ فِي خَلْقِهِ نَوْعَانِ:

أَوَّلًا: حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالتَّدْبِيرِ الكَوْنِيِّ وَهُوَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالمَشِيئَةِ، وَمَشِيئَةُ اللهِ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالمَعْنَى الكَوْنِيِّ، فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَمِنْ ثَمَّ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَلَا غَالِبَ لِأَمْرِهِ وَلَا رَادَّ لِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، وَمِنْ هَذَا الحُكْمِ مَا وَرَدَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [الرعد: 41]، وَكَذَلِكَ قَوْلِهِ: ﴿ قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [الأنبياء: 112]، أَيِ: افْعَلْ مَا تَنْصُرُ بِهِ عِبَادَكَ، وَتَخْذُلُ بِهِ أَعْدَاءَكَ.

 

ثَانِيًا: حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالتَّدْبِيرِ الشَّرْعِيِّ وَهُوَ حُكْمٌ تَكْلِيفِيٌّ دِينِيٌّ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ وَمَوْقِفُ المُكَلَّفِينَ يَوْمَ الحِسَابِ، وَمِثَالُهُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴾ [المائدة: 1]، وَمِثَالُ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى: 10]، وَقَوْلُهُ: ﴿ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴾ [المائدة: 43].

 

قَالَ القُرْطُبِيُّ: “فَالحَكَمُ مَنْ لَهُ الحُكْمُ وَهُوَ تَنْفِيذُ القَضَايَا، وَإِمْضَاءُ الأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَذَلِكَ بِالحَقِيقَةِ هُوَ اللهُ تَعَالَى، فَهَذَا الاسْمُ يَرْجِعُ تَارَةً إِلَى مَعْنَى الإِرَادَةِ، وَتَارَةً إِلَى مَعْنَى الكَلاَمِ، وَتَارَةً إِلَى الفِعْلِ، فَأَمَّا رُجُوعُهُ إِلَى الإِرَادَةِ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى حَكَمَ فِي الأَزَلِ بِمَا اقْتَضَتْهُ إِرَادَتُهُ، وَنَفَذَ القَضَاءُ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، يَجْرِي القَلَمُ فِيهِ عَلَى وِفَاقِ حُكْمِ اللهِ، ثُمَّ جَرتِ الأَقْدَارُ فِي الوُجُودِ بِالخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَالعُرْفِ وَالنُّكْرِ عَلَى وِفَاقِ القَضَاءِ وَالحُكْمِ، وَإِذَا كَانَ رَاجِعًا إِلَى مَعْنَى الكَلاَمِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ المُبَيِّنُ لِعِبَادِهِ فِي كِتَابِهِ مَا يُطَالِبُهُمْ بِهِ مِنْ أَحْكَامِهِ، كَمَا يُقَالُ لِمَنْ يُبَيِّنُ لِلنَّاسِ الأَحْكَامَ وَيَنْهَجُ لَهُمْ مَعَانِي الحَلَالِ وَالحَرَامِ: حَكَمٌ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَكُونُ فِي الوُجُودِ حَكَمٌ إِلَّا كِتَابُهُ، فَعِنْدَهُ يُوقَفُ إِذْ هُوَ الحَكَمُ العَدْلُ، وَإِذَا كَانَ رَاجِعًا إِلَى الفِعْلِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ الحَكَمُ الذِي يُنْفِذُ أَحْكَامَهُ فِي عِبَادِهِ بِإِشْقَائِهِ إِيَّاهُمْ وَإِسْعَادِهِ، وَتَقْرِيبِهِ إِيَّاهُمْ وَإِبْعَادِهِ، عَلَى وِفْقِ مُرَادِهِ”[8].

 

وُرُودُهُ فِي القُرآنِ الكَرِيمِ[9]:

وَرَدَ اسْمُهُ (الحَكَمُ) فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا ﴾ [الأنعام: 114].

 

وَوَرَدَ (الحَاكِمُ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ فِي خَمْسِ آيَاتٍ مِنْهَا:

قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ﴾ [الأعراف: 87].

قَوْلُهُ: ﴿ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ﴾ [هود: 45].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾ [التين: 8].

 

وَأَمَّا الاسْمُ (الحَكِيمُ) فَقَدْ وَرَدَ أَرْبَعًا وَتِسْعِينَ مَرَّةً مِنْهَا:

قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة: 228]، [البقرة: 240].

قَوْلُهُ: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [النساء: 26].

قَوْلُهُ: ﴿ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ﴾ [الأنعام: 18]، [الأنعام: 73].

 

قَوْلُهُ: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ﴾ [النور: 10].

قَوْلُهُ: ﴿ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ [الشورى: 51].

قَوْلُهُ: ﴿ وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 130].

 

المَعْنَى فِي حَقِّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى:

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا ﴾ [الأنعام: 114]: “قُلْ: فَلَيْسَ لِي أَنْ أَتَعَدَّى حُكْمَهُ وَأَتَجَاوَزَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا حَكَمَ أَعْدَلَ مِنْهُ، وَلَا قَائِلَ أَصْدَقَ مِنْهُ”[10].

قَالَ القُرْطُبِيُّ: “وَالمَعْنَى أَفَغَيْرَ اللهِ أَطْلُبُ لَكُمْ حَاكِمًا”[11].

 

وَقَالَ الخَطَّابِيُّ: “الحَكَمُ الحَاكِمُ وَمِنْهُ المَثَلُ: (فِي بَيْتِهِ يُؤْتَى الحَكَمُ)؛ وَحَقِيقَتُهُ هُوَ الذِي سَلِمَ لَهُ الحُكْمُ وَرُدَّ إِلَيْهِ فِيهِ الأَمْرُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [القصص: 88]، وَقَوْلِهِ: ﴿ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ [الزمر: 46]”[12].

 

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: “وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾ [التين: 8]؛ أَيْ: أَمَا هُوَ أَحْكَمُ الحَاكِمِينَ الذِي لَا يَجُورُ وَلَا يَظْلِمُ أَحَدًا”[13].

وَقَالَ الحُلَيمِيُّ: “مَعْنَى (الحَكَمِ): وَهُوَ الذِي إِلَيْهِ الحُكْمُ، وَأَصْلُ الحُكْمِ مَنْعُ الفَسَادِ، وَشَرَائِعُ اللهِ تَعَالَى كُلُّهَا اسْتِصْلَاحُ العِبَادِ”[14].

 

أَيُّهُمَا أَبْلَغُ (الحَكَمُ) أَمْ (الحَاكِمُ):

“قِيلَ إِنَّ الحَكَمَ أَبْلَغُ مِنَ الحَاكِمِ؛ إِذْ لَا يَسْتَحِقُّ التَّسْمِيَةَ بِحَكَمٍ إِلَّا مَنْ يَحْكُمُ بِالحَقِّ؛ لِأَنَّهَا صِفَةُ تَعْظِيمٍ فِي مَدْحٍ، وَالحَاكِمُ جَارِيَةٌ عَلَى الفِعْلِ، فَقَدْ يُسَمَّي بِهَا مَنْ يَحْكُمُ بِغَيْرِ الحَقِّ”[15] اهـ.

 

قَالَ الرَّاغِبُ الأَصْفَهَانِيُّ رحمه الله: “وَيُقَالُ حَاكِمٌ وَحُكَّامٌ لِمَنْ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ ﴾ [البقرة: 188]، وَالحَكَمُ المُتَخَصِّصُ بِذَلِكَ فَهُوَ أَبْلَغُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا ﴾ [الأنعام: 114]، وَقَالَ عز وجل: ﴿ فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ﴾ [النساء: 35]”[16] اهـ.

 

وَقَدْ وَرَدَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَا يُفِيدُ كَرَاهَةَ التَّكَنِّي بِالحَكَمِ[17].

 

وَأَمَّا عَنْ مَعْنَى (الحَكِيمِ):

فَقَدْ قَالَ الزَّجَّاجُ: “الحَكِيمُ مِنَ الرِّجَالِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعِيلًا فِي مَعْنَى فَاعِلٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى مُفْعِلٍ، وَاللهُ حَاكِمٌ وَحَكِيمٌ.

 

وَالأَشْبَهُ أَنْ تَحْمِلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَعْنًى غَيْرِ مَعْنَى الآخَرِ، لِيَكُونَ أَكْثَرَ فَائِدَةً، فَحَكِيمٌ بِمَعْنَى مُحْكِمٌ وَاللهُ تَعَالَى مُحْكِمٌ لِلْأَشْيَاءِ، مُتْقِنٌ لَهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [النمل: 88]”[18] اهـ.

 

وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: “(الحَكِيمُ) الذِي لَا يَدْخُلُ تَدْبِيرَهُ خَلَلٌ وَلَا زَلَلٌ”.

وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ: “حَكِيمٌ فِيمَا قَضَى بَيْنَ عِبَادِهِ مِنْ قَضَايَاه”[19].

قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: “الحَكِيمُ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ فَيَضَعُ الأَشْيَاءَ فِي مَحَالِّهَا بِحِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ”[20].

 

وَقَالَ الحُلَيْمِيُّ: “(الحَكِيمُ) وَمَعْنَاهُ الذِي لَا يَقُولُ وَلَا يَفْعَلُ إِلَّا الصَّوَابَ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُوصَفَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَفْعَالَهُ سَدِيدَةٌ، وَصُنْعَهُ مُتْقَنٌ وَلَا يَظْهَرُ الفِعْلُ المُتْقَنُ السَّدِيدُ إِلَّا مِنْ حَكِيمٍ، كَمَا لَا يَظْهَرُ الفِعْلُ عَلَى وَجْهِ الاخْتِيَارِ إِلَّا مِنْ حَيٍّ عَالِمٍ قَدِيرٍ”[21].

 

وَقَدْ أَطَالَ ابْنُ القَيِّمِ الكَلَامَ عَلَى اسْمِهِ (الحَكِيمِ) فِي النُّونِيَّةِ، فَقَدْ قَالَ:

وَهُوَ الحَكِيمُ وَذَاكَ مِنْ أَوْصَافِه
نَوْعَانِ أَيْضًا مَا هُمَا عَدَمَانِ
حُكْمٌ وَأَحْكَامٌ فَكُلٌّ مِنْهُمَا
نَوْعَانِ أَيْضًا ثَابِتَا البُرْهَانِ
وَالحُكْمُ شَرْعِيٌّ وَكَوْنِيٌّ وَلَا
يَتَلَازَمَانِ وَمَا هُمَا سِيَّانِ
بَلْ ذَاكَ يُوجَدُ دُونَ هَذَا مُفْرَدًا
وَالعَكُسُ أَيْضًا ثُمَّ يَجْتَمِعَانِ
لَنْ يَخْلُوَ المَرْبُوبُ مِنْ إحْدَاهِمَا
أَوْ مِنْهُمَا بَلْ لَيْسَ يَنْتَفِيَانِ
لَكِنَّمَا الشَّرْعِيُّ مَحْبُوبٌ لَهُ
أَبَدًا وَلَنْ يَخْلُو مِنَ الأَكْوَانِ
هُوَ أَمْرُهُ الدِّينِيُّ جَاءَتْ رُسْلُهُ
بِقِيَامِهِ فِي سَائِرِ الأَزْمَانِ
لَكِنَّمَا الكَوْنِيُّ فَهُوَ قَضَاؤُهُ
فِي خَلْقِهِ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ
هُوَ كُلُّهُ حَقٌّ وَعَدْلٌ ذُو رِضًى
وَالشَّأْنُ فِي المَقْضِيِّ كُلَّ الشَّانِ
فَلِذَاكَ نَرْضَى بِالقَضَاءِ وَنَسْخُطُ ال
مَقْضِيَّ حِينَ يَكُونُ بِالعِصْيَانَ
فَاللهُ يَرْضَى بِالقَضَاءِ وَيَسْخُطُ ال
مَقْضِيَّ مَا الأَمْرَانِ مُتَّحِدَانِ
فَقَضَاؤُهُ صِفَةٌ بِهِ قَامَتْ وَمَا ال
مَقْضِيُّ إِلَّا صَنْعَةُ الإِنْسَانِ
وَالكَوْنُ مَحْبُوبٌ وَمَبْغُوضٌ لَهُ
وَكِلَاهُمَا بِمَشِيئَةِ الرَّحْمَنِ
هَذَا البَيَانُ يُزِيلُ لَبْسًا طَالَمَا
هَلَكَتْ عَلَيْهِ النَّاسُ كُلَّ زَمَانِ
وَيَحُلَّ مَا قَدْ عَقَّدُوا بِأُصُولِهِم
وَبُحُوثِهِم فَافْهَمْهُ فَهْمَ بَيَانِ
مَنْ وَافَقَ الكَوْنِيَّ وَافَقَ سُخْطَهُ
أَفَلَمْ يُوَافِقْ طَاعَةَ الدَّيَّانِ؟!
فَلِذَاكَ لَا يَعْدُوهُ ذَمٌ أَوْ فَوَا
تُ الحَمْدِ مَعْ أَجْرٍ وَمَعْ رِضْوَانِ
وَمُوَافِقُ الدِّينِيِّ لَا يَعْدُوهُ أَجْرٌ
بَلْ لَهُ عِنْدَ الصَّوَابِ اثْنَانِ[22]

 

ثَمَرَاتُ الإِيمَانِ بهَذَيْنِ الاِسْمَيْنِ:

1- الحُكْمُ للهِ وَحْدَهُ:

أَنَّ الحُكْمَ للهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي حُكْمِهِ، كَمَا لَا شَرِيكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 26].

وَقَالَ: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 110].

 

وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ﴾ [الأنعام: 57]، [يوسف: 40] [يوسف: 67].

وَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [القصص: 70].

وَقَالَ: ﴿ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾ [الأنعام: 62].

وَقَالَ: ﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ ﴾ [الشورى: 10].

 

وَقَالَ ابْنُ الحَصَّارِ: “وَقَدْ تَضَمَّنَ هَذَا الاسْمُ – يَعْنِي: (الحَكَمُ) – جَمِيعَ الصِّفَاتِ العُلَى وَالأَسْمَاءِ الحُسْنَى، إِذْ لَا يَكُونُ حَكَمًا إِلَّا سَمِيعًا بَصِيرًا عَالِمًا خَبِيرًا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ الحَكَمُ بَيْنَ العِبَادِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فِي الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ، وَفِيمَا شَرَعَ مِنْ شَرْعِهِ، وَحَكَمَ مِنْ حُكْمِهِ وَقَضَايَاهُ عَلَى خَلْقِهِ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى، وَلِذَلِكَ قَالَ وَقَوْلُهُ الحَقُّ: ﴿ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [القصص: 70].

وَقَالَ: ﴿ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ [هود: 1]

فَلَمْ يَزَلْ حَكِيمًا قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ، وَلَا يَنْبَغِي ذَلِكَ لِغَيْرِهِ”[23].

 

قَالَ الشِّنْقِيطِيُّ رحمه الله تَعَالَى:

“وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أَنَّ الحَلَالَ هُوَ مَا أَحَلَّهُ اللهُ، وَالحَرَامَ هُوَ مَا حَرَّمَهُ اللهُ، وَالدِّينَ هُوَ مَا شَرَعَهُ اللهُ، فَكُلُّ تَشْرِيعٍ مِنْ غَيْرِهِ بَاطِلٌ، وَالعَمَلُ بِهِ بَدَلُ تَشْرِيعِ اللهِ عِنْدَ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِثْلُهُ أَوْ خَيْرٌ مِنْهُ، كُفْرٌ بَوَاحٌ لَا نِزَاعَ فِيهِ”[24] اهـ.

 

ثُمَّ بَيَّنَ رحمه الله أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ بِصِفَاتِهِ العَظِيمَةِ يَسْتَحِقُّ أَنَّ يَكُونَ لَهُ الحُكْمُ، فَهَلْ يُوجَدُ فِي البَشَرِ مَنْ لَهُ مِثْلُ صِفَاتِ خَالِقِهِ لِيُشَارِكَ رَبَّهُ فِي الحُكْمِ، تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

 

فَتَعَالَ مَعِي أَخِي القَارِئَ لِنَطَّلِعَ عَلَى مَا سَطَّرَهُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ فِي كِتَابِهِ القّيِّمِ أَضْوَاءِ البَيَانِ، قَالَ رحمه الله:

مَسْأَلَةٌ…

اعْلَمْ أَنَّ اللهَ جَلَّ وَعَلَا بَيَّنَ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ صِفَاتِ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يَكُونَ الحُكْمُ لَهُ، فَعَلَى كُلِّ عَاقِلٍ أَنْ يَتَأَمَّلَ الصِّفَاتِ المَذْكُورَةَ التِي سَنُوَضِّحُهَا الآنَ – إِنْ شَاءَ اللهُ – وَيُقَابِلُهَا مَعَ صِفَاتِ البَشَرِ المُشَرِّعِينَ لِلْقَوَانِينِ الوَضْعِيَّةِ، فَيَنْظُرُ هَلْ تَنْطَبِقُ عَلَيْهِم صِفَاتُ مَنْ لَهُ التَّشْرِيعُ.

سُبْحَانَ اللهِ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتْ تَنْطَبِقُ عَلَيْهِم وَلَنْ تَكُونَ لِيَتَّبِعَ تَشْرِيعَهُمْ.

 

وَإِنْ ظَهَرَ يَقِينًا أَنَّهُم أَحَقَرُ وَأَخَسُّ وَأَذَلُّ وَأَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَلْيَقِفْ بِهِم عِنْدَ حَدِّهِم، وَلَا يُجَاوِزُهُ بِهِم إِلَى مَقَامِ الرُّبُوبِيَّةِ.

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ فِي عِبَادَتِهِ، أَوْ حُكْمِهِ أَوْ مُلْكِهِ.

 

فَمِنَ الآيَاتِ القُرْآَنِيَّةِ التِي أَوْضَحَ بِهَا تَعَالَى صِفَاتِ مَنْ لَهُ الحُكْمُ وَالتَّشْرِيعُ قَوْلُهُ هُنَا: ﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى: 10]، ثُمَّ قَالَ مُبَيِّنًا صِفَاتِ مَنْ لَهُ الحُكْمُ: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ * فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [الشورى: 11، 12].

 

فَهَلْ فِي الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ المُشَرِّعِينَ لِلنُّظُمِ الشَّيْطَانِيَّةِ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ الرَّبُّ الذِي تُفَوَّضُ إِلَيْهِ الأُمُورُ، وَيُتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَيْ: خَالِقُهُمَا وَمُخْتَرِعُهُمَا عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ، وَأَنَّهُ هُوَ الذِي خَلَقَ لِلْبَشَرِ أَزْوَاجًا، وَخَلَقَ لَهُمْ أَزْوَاجَ الأَنْعَامِ الثَّمَانِيَةَ المَذْكُورَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ﴾ [الأنعام: 143] الآيَةَ، وَأَنَّهُ ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾، وَأَنَّهُ ﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾، وَأَنَّهُ هُوَ الذِي: ﴿ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ﴾؛ أَيْ: يُضَيِّقُهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ: ﴿ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾.

 

فَعَلَيْكُمْ أَيُّهَا المُسْلِمُونَ أَنْ تَتَفَهَّمُوا صِفَاتِ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُشَرِّعَ وَيُحَلِلََّ وَيُحُرِّمَ، وَلَا تَقْبَلُوا تَشْرِيعًا مِنْ كَافِرٍ خَسِيسٍ حَقِيرٍ جَاهِلٍ.

 

وَنَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء: 59]، فَقَوْلُهُ فِيهَا: ﴿ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ ﴾ كَقَوْلِهِ فِي هَذِهِ: ﴿ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾.

 

وَمِنَ الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ قوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ﴾ [الكهف: 26].

 

فَهَلْ فِي الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ المُشَرِّعِينَ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّ لَهُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ؟ وَأَنْ يُبَالِغَ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ لإِحَاطَةِ سَمْعِهِ بِكُلِّ المَسْمُوعَاتِ وَبَصَرِهِ بِكُلِّ المُبْصَرَاتِ؟ وَأَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ؟ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

 

وَمِنَ الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: 88].

 

فَهَلْ فِي الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ المُشَرِّعِينَ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ الإَلَهُ الوَاحِدُ؟ وَأَنَّ كُلَّ شَيءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ؟ وَأَنَّ الخَلاَئِقَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ؟ تَبَارَكَ رَبُّنَا وَتَعَاظَمَ وَتَقدَّسَ أَنْ يُوصَفَ أَخَسُّ خَلْقِهِ بِصِفَاتِهِ[25].

 

وَمِنَ الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ﴾ [غافر: 12].

 

فَهَلْ فِي الكَفَرَةِ الفَجَرَةِ المُشَرِّعِينَ لِلنُّظُمِ الشَّيْطَانِيَّةِ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوصَفَ فِي أَعْظَمِ كِتَابٍ سَمَاوِيٍّ بَأَنَّهُ العَلِيُّ الكَبِيرُ؟

سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ عَنْ كُلِّ مَالَا يَلِيقُ بَكَمَالِكَ وَجَلاَلِكَ.

 

وَمِنَ الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [القصص: 70 – 73].

 

فَهَلْ فِي مُشَرِّعِي القَوَانِينَ الوَضْعِيَّةَ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّ لَهُ الحَمْدَ فِي الأُوُلَى وَالآخِرَةِ، وَأَنَّهُ هُوَ الذِي يُصَرِّفُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ مُبَيَّنًا بِذَلِكَ كَمَالَ قُدْرَتِهِ، وَعَظَمَةَ إِنْعَامِهِ عَلَى خَلْقِهِ.

سُبْحَانَ خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، جَلَّ وَعَلا أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ فِي حُكْمِهِ أَوْ عِبَادَتِهِ أَوْ مُلْكِهِ.

 

وَمِنَ الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: 40].

فَهَلْ فِي أُولَئِكَ مَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُوصَفَ بِأَنَّهُ هُوَ الإَلَهُ المَعْبُودُ وَحْدَهُ وَأَنَّ عِبَادَتَهُ وَحْدَهُ هِي الدِّينُ القَيِّمُ”[26] اهـ باختصار.

 

2- اللهُ سُبْحَانَهُ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ وَمَا يَشَاءُ هُوَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ:

قَالَ سبحانه وتعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ﴾ [المائدة: 1].

 

فَاللهُ سُبْحَانَهُ يَقْضِي فِي خَلْقِهِ مَا يَشَاءُ مِنْ تَحْلِيلِ مَا أَرَادَ تَحْلِيلَهُ وَتَحْرِيمِ مَا أَرَادَ تَحْرِيمَهُ، وَإِيجَابِ مَا شَاءَ إِيجَابَهُ عَلَيْهِم، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ وَقَضَايَاهُ. وَلَهُ الحِكْمَةُ البَالِغَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.

 

وَلَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يُرَاجِعَ اللهَ فِي حُكْمِهِ، كَمَا يُرَاجِعُ النَّاسُ بَعْضَهُم البَعْضَ فِي أَحْكَامِهِم، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [الرعد: 41]، فَحُكْمُهُ فِي الخَلْقِ نَافِذٌ، لَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يَرُدَّهُ أَوْ يُبْطِلَهُ.

 

3- كَلاَمُ اللهِ حَكِيمٌ وَمُحْكَمٌ:

وَكَيْفَ لَا يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَهُوَ كَلَامُ أَحْكَمِ الحَاكِمِينَ وَرَبِّ العَالَمِينَ.

 

وَقَدْ وَصَفَ اللهُ القُرْآنَ العَظِيمَ – وَهُوَ كَلاَمُهُ المَنَزَّلُ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّهُ حَكِيمٌ وَمُحْكَمٌ فِي ثَمَانِ آيَاتٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ [هود: 1].

 

وَقَوْلُهُ: ﴿ الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴾ [لقمان: 1، 2].

وَقَوْلُهُ: ﴿ يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ ﴾ [يس: 1، 2].

وَقَوْلُهُ: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ… ﴾ [محمد: 20].

 

وَحِكْمَةُ اللهِ تَقْتَضِي ذَلِكَ، تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ القُرْآنُ حَكِيمًا وَمُحْكَمًا؛ لِأَنَّهُ الكِتَابُ الذِي لَيْسَ بَعْدَهُ كِتَابٌ، وَلِأَنَّهُ الكِتَابُ الذِي أًَنْزَلَهُ اللهُ لِيَكُونَ تَشْرِيعًا عَامًّا لِكُلِّ مُجْتَمَعٍ بَشَرِيٍّ وَلِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِهِ، حَتَّى يَرِثَ اللهُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا.

 

فَالقُرْآنُ حَكِيمٌ فِي أُسْلُوبِهِ الرَّائِعِ الجَذَّابِ، وَحَكِيمٌ فِي هِدَايَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَحَكِيمٌ فِي إِيضاحِهِ وَبَيَانِهِ، وَحَكِيمٌ فِي تَشْرِيعَاتِهِ وَحَكِيمٌ فِي كُلِّ أَحْكَامِهِ، وَحَكِيمٌ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَحَكِيمٌ فِي تَرْغِيبِهِ وَتَرْهِيبِهِ، وَحَكِيمٌ فِي وَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، وَحَكِيمٌ فِي أَقَاصِيصِهِ وَأَخْبَارِهِ، وَحَكِيمٌ فِي إِقْسَامِهِ وَأَمْثَالِهِ، وَحَكِيمٌ فِي كُلِّ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ، بَلْ هُوَ فَوْقَ ذَلِكَ وَأَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ.

 

وَالقُرْآنُ أَيْضًا مُحْكَمٌ فَلَا حَشْوَ فِيهِ، وَلَا نَقْصَ وَلَا عَيْبَ كَمَا يَكُونُ فِي كَلاَمِ البَشَرِ، اللهُ أَكْبَرُ مَا أَعْظَمَ هَذَا القُرْآنَ، لَقَدْ بَلَغَ الغَايَةَ فِي البَهَاءِ وَالجَمَالِ وَالكَمَالِ[27].

 

4- الإِيمَانُ يَقْتَضِي تَحْكِيمَ كِتَابِ اللهِ بَيْننَا:

وَالإِيمَانُ بِمَا سَبَقَ يَقْتَضِي تَحْكِيمَ كِتَابِ اللهِ جَلَّ شَأَْنُهُ بَيْنَنَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ كِتَابٌ مِثْلَ القُرْآنِ حَكِيمًا فِي كُلِّ شَيءٍ.

 

لِأَنَّ مَا شَرَعَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ لِعِبَادِهِ مِنَ الأَحْكَامِ وَالمُعَامَلَاتِ وَالقِصَاصِ وَالحُدُودِ وَتَقْسِيمِ المَوَارِيثِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالأَحْوَالِ الشَّخْصِيَّةِ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ هِيَ فِي مُنْتَهَى الحِكْمَةِ؛ لِأَنَّهَا تَشْرِيعُ الحَكِيمِ العَلِيمِ سُبْحَانَهُ، الذِي لَا يَدْخُلُ حُكْمَهُ خَلَلٌ وَلَا زَلَلٌ، وَلِأَنَّهَا قَضَاءُ مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَوَاضِعُ المَصْلَحَةِ فِي البَدْءِ وَالعَاقِبَةِ.

 

وَقَدْ نَبَّهَ اللهُ سُبْحَانَهُ عِبَادَهُ لِهَذَا بِقَوْلِهِ: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: 50]، وقَوْلِهِ: ﴿ ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [الممتحنة: 10]، وقَوْلِهِ: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾ [التين: 8].

 

وَلِذَا فَإِنَّكَ تَجِدُ آيَاتِ الأَحْكَامِ كَثِيرًا مَا تَشْتَمِلُ خَوَاتِيمُهَا عَلَى اسْمِهِ (الحَكِيمِ)، وَمِنَ الأَمْثِلَةِ عَلَى ذَلِكَ:

قَوْلُهُ: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ﴾ إِلِى قَوْلِهِ: ﴿ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 11].

 

وقَوْلُهُ: ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 24].

وقَوْلُهُ فِي القَتْلِ الخَطَأِ: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 92].

 

وَقَوْلُهُ: ﴿ وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 130].

وَقَوْلُهُ: ﴿ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴾ [التحريم: 2]، وَغَيْرُهَا مِنَ الآيَاتِ.

 

5- الإِيْمَانُ يَقْتَضِي تَحْكِيمَ الرَّسُولِ بَيْننَا:

وَقَدْ أَمَرَ اللهُ رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أُنْزَلَ إِلَيْهِ مِنَ الأَحْكَامِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَأَنْ يَتْرُكَ مَا سِوَاهَا مِنَ الآرَاءِ وَالأَهْوَاءِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ [المائدة: 48].

قَالَ سبحانه وتعالى: ﴿ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ﴾ [المائدة: 49].

 

وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الأَمْرُ لِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم خَاصَّةً، وَإِنَّمَا هُوَ مَا أُمِرَتْ بِهِ جَمِيعُ الرُّسُلِ مِنْ قَبْلِهِ، يُبَيِّنُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴾ [البقرة: 213].

 

وَقَوْلُهُ: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا ﴾ [المائدة: 44].

وَالمُؤْمِنُونَ يَرْضُونَ بِحُكْمِ اللهِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ [النور: 51].

 

أَمَّا مَنْ لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ وَتَرَكَ تَشْرِيعَ الحَكِيمِ العَلِيمِ، وَأَخَذَ بِآرَائِهِ وَمَا يُمْلِيهِ عَلَيْهِ عَقْلُهُ مِنْ أَفْكَارٍ، أَوِ اتَّبَعَ أَهْوَاءَهُ وَمَا تَشْتَهِيهُ نَفْسُهُ، فَقَدْ وَقَعَ فِي هَاوِيَةِ الكُفْرِ أَوِ الفِسْقِ التِي حَكَمَ اللهُ بِهَا عَلَيْهِ.

 

وَقَالَ سبحانه: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [المائدة: 44]، وَقَالَ: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [المائدة: 45]، وَقَالَ: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [المائدة: 47].

 

6- اللهُ سُبْحَانَهُ يُؤْتِي حِكْمَتَهُ مَنْ يَشَاءُ:

كَمَا قَالَ عَنْ نَفْسِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [البقرة: 269].

 

وَقَدْ تَنَوَّعَتْ عِبَارَاتُ المُفَسِّرِينَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ ﴾؛ فَمِنْهُم مَنْ قَالَ: هِيَ الإِصَابَةُ فِي القَوْلِ وَالفِعْلِ، وَقِيلَ: هِيَ الفِقْهُ فِي القُرْآنِ وَالفَهْمِ فِيهِ، وَقَالَ بَعْضُهُم: هِيَ الفَهْمُ وَالعَقْلُ فِي الدِّينِ وَالاتِّبَاعِ لَهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ النُّبُوَّةُ، وَقِيلَ هِيَ: الخَشْيَةُ للهِ.

 

قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ جَامِعًا بَيْنَ الأَقَوْالِ السَّابِقَةِ: “وَقَدْ بَيَّنَا فِيمَا مَضَى مَعْنَى الحِكْمَةِ وَأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنَ الحُكْمِ وَفَصْلِ القَضَاءِ، وَأَنَّهَا الإِصَابَةُ بِمَا دَلَّ عَلَى صِحَّتِهِ، فَأَغْنَى عَنْ تَكْرِيرِهِ فِي هَذَا المَوْضِعِ.

 

فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ مَعْنَاهُ، كَانَ جَمِيعُ الأقْوَالِ التِي قَالَهَا القَائِلُونَ الذِينَ ذَكَرْنَا قَوْلَهُم فِي ذَلِكَ، دَاخِلًا فِيمَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الإِصَابَةَ فِي الأُمُورِ، إِنَّمَا تَكُونُ عَنْ فَهْمٍ بِهَا وَعِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، كَانَ المُصِيبُ عَنْ فَهْمٍ مِنْهُ بِمَوَاضِعِ الصَّوَابِ فِي أُمُورِهِ فَهِمًا خَاشِيًا لله فَقِيهًا عَالِمًا، وَكَانَتِ النُّبُوَّةُ مِنْ أَقْسَامِهِ؛ لِأَنَّ الأَنْبِيَاءَ مُسَدَّدُونَ مُفَهَّموُنَ وَمُوَفَّقُونَ لِإِصَابَةِ الصَّوَابِ فِي الأُمُورِ، وَالنُّبُوَّةُ بَعْضُ مَعَانِي الحِكْمَةِ.

 

فَتَأْوِيلُ الكَلاَمِ: يُؤْتِي اللهُ إِصَابَةَ الصَّوَابِ فِي القَوْلِ وَالفِعْلِ مَنْ يَشَاءُ، وَمَنْ يُؤْتِهِ اللهُ ذَلِكَ فَقَدْ آَتَاهُ خَيْرًا كَثِيرًا”[28] اهـ.

 

7- جَوَازُ غِبْطَةِ مَنْ أُوتِىَ الحِكْمَةَ:

وَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْ أُوتِيَ الحِكْمَةَ يَنْبَغِي أَنْ يُغْبَطَ لِعِظَمِ هَذِهِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ.

 

وَهُوَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: “لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَآخَرُ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا”[29].

 

وَقَدْ ذَكَرَ اللهُ فِي كِتَابِهِ بَعْضَ الذَّينَ آَتَاهُم الحِكْمَةَ وَأَكْثَرُهُمْ مِنَ الأَنْبِيَاءِ.

فَامْتَنَّ عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ﴾ [النساء: 113].

 

وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللهُ عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ: ﴿ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 54].

 

وَعَلَى عِيسَى: ﴿ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾ [المائدة: 110].

وَعَلَى داود؛: ﴿ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ﴾ [البقرة: 251].

وَعَلَى لُقْمَانَ العَبْدِ الصَّالِحِ: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ ﴾ [لقمان: 12].

وَاللهُ سُبْحَانَهُ أَعَلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ حِكْمَتَهُ.

 

8- خَلْقُ اللهِ سُبْحَانَهُ مُحْكَمٌ لَا خَلَلَ فِيهِ وَلَا قُصُورَ:

قَالَ تَعَالَى: ﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [النمل: 88].

 

وَقَالَ: ﴿ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ﴾ [الملك: 3].

أَيْ: خَلَقَهُنَّ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ مُسْتَوِيَاتٍ لَيْسَ فِيهَا اخْتِلَافٌ وَلَا تَنَافُرُ وَلَا نَقْصٌ وَلَا عَيْبٌ.

 

وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ﴾؛ انْظُرْ إِلَى السَّمَاءِ فَتَأَمَّلْهَا هَلْ تَرَى فِيهَا عَيْبًا أَوْ نَقْصًا أَوْ خَلَلًا أَوْ فُطُورًا وَشُقُوقًا، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ ﴾ [الملك: 4]؛ أَيْ: مَهْمَا كَرَّرْتَ البَصَرَ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لَرَجَعَ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا عَنْ أَنْ يَرَى عَيْبًا أَوْ خَلَلًا، وَهُوَ حَسِيرٌ أَيْ: كَلِيلٌ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ الإِعْيَاءِ مِنْ كَثْرَةِ التَّكَرُّرِ وَلَا يَرَى نَقْصًا[30].

 

قَالَ الخَطَّابِيُّ: “وَمَعْنَى الإِحْكَامِ لِخَلْقِ الأَشْيَاءِ، إِنَّمَا يَنْصَرِفُ إِلَى اتْقَانِ التَّدْبِيرِ فِيهَا، وَحُسْنِ التَّقْدِيرِ لَهَا، إِذْ لَيْسَ كُلُّ الخَلِيقَةِ مَوْصُوفًا بِوَثَاقَةِ البِنْيَةِ، وَشَدَّةِ الأَسْرِ كَالبَقَّةِ، وَالنَّمْلَةِ، وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِنْ ضِعَافِ الخَلْقِ، إِلَّا أَنَّ التَّدْبِيرَ فِيهِمَا، وَالدِّلَالَةَ بِهِمَ عَلَى كَوْنِ الصَّانِعِ وَإِثْبَاتِهِ لَيْسَ بِدُونِ الدِّلَالَةِ عَلَيْهِ بِخَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَالجِبَالِ وَسَائِرِ مَعَاظِمِ الخَلِيقَةِ.

 

وَكَذَلِكَ هَذَا فِي قَوْلِهِ عز وجل: ﴿ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴾ [السجدة: 7]، لَمْ تَقَعِ الإشَارَةُ بِهِ إِلَى الحُسْنِ الرَّائِقِ فِي المَنْظَرِ، فَإِنَّ هَذَا المَعْنَى مَعْدُومٌ فِيالْقِرْدِ وَالخِنْزِيرِ وَالدُّبِّ، وَأَشْكَالِها مِنَ الحَيَوَانِ. وَإنَّما يَنْصَرِفُ المَعْنَى فِيهِ إِلَى حُسْنِ التَّدْبِيرِ فِي إِنْشَاءِ كُلِّ شَيءٍ مِنْ خَلْقِهِ عَلَى مَا أَحبَّ أَنْ يُنْشِئَهُ عَلَيْهِ وَإِبْرَازِهِ عَلَى الهَيْئَةِ الَّتِي أَرَادَ أَنْ يُهَيِّئَهُ عَلَيْهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾ [الفرقان: 2]”[31] اهـ.

 

9- الحِكْمَةُ مِنْ خَلْقِ الخَلْقِ:

إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الخَلْقَ لِحِكْمَةٍ عَظِيمَةٍ، وَغَايَةٍ جَلِيلَةٍ وَهِيَ عِبَادَتُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَيْثُ قَالَ: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ [الذاريات: 56 – 58]، وَلَمْ يَخْلُقْهُمْ عَبَثًا وَبَاطِلًا كَمَا يَظُنُّ الكُفَّارُ وَالمَلَاحِدَةُ.

 

قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴾ [ص: 27].

وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى ﴾ [الأحقاف: 3].

وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ﴾ [المؤمنون: 115، 116].

وَجَعَل يَوْمَ القِيَامَةِ مَوْعِدًا لَهُمْ، وَيُرْجَعُونَ إِلَيْهِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالحُسْنَى.

 

10- كَرَاهِيَةُ التَّكَنِّي بِأَبِي الحَكَمِ:

فَعَنْ هَانئِ بْنِ يَزِيدٍ أَنَّهُ لَمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ قَوْمِهِ سَمْعَهُم يُكَنُّونَهُ بِأَبِي الحَكَمِ؛ فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: “إِنَّ اللهَ هُوَ الحَكَمُ وَإِلَيْهِ الحُكْمُ، فَلِمَ تُكْنَى أَبَا الحَكَمِ؟” فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُم فَرَضِيَ كِلَا الفِرِيقَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: “مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الوَلَدِ؟” قَالَ: لِيَ شُرَيُحٌ، وَمُسْلِمٌ، وَعَبْدُ اللهِ، قَالَ: “فَمَنْ أَكْبَرُهُم؟” قُلْتُ: شُرَيْحٌ، قَالَ: “فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ”[32].

 

فَتَغْيِيرُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِكُنْيَةِ الصَّحَابِيِّ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهَتِهِ التَّكَنِّي بِهَذَا الاِسْمِ أَوِ التَّسَمِّي بِهِ.

قَالَ ابْنُ الأَثِيرِ: “وَإِنَّمَا كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ لِئَلَّا يُشَارِكَ اللهَ تَعَالَى فِي صِفَتِهِ”[33].

 

المَعَانِي الإِيمَانِيَّةُ:

1-الحُكْمُ القَدَرِيُّ وَالشَّرْعِيُّ:

وَالحُكْمُ نَوْعَانِ:

(حُكْمٌ كَوْنِيٌّ قَدَرِيٌّ، وَحُكْمٌ أَمْرِيٌّ دِينِيٌّ فَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي مَنَازِلِ السَّائِرِينَ وَشَرَحَهُ عَلَيْهِ الشَّارِحُونَ إِنَّمَا مُرَادُهُ بِهِ الحُكْمَ الكَوْنِيَّ القَدَرِيَّ، وَحِينَئِذٍ فَلَا بُدَّ مِنْ تَفْصِيلِ مَا أَجْمَلُوهُ مِنْ مُسَالَمَةِ الحُكْمِ وَالاِسْتِسْلاَمِ لَهُ وَتَرْكِ المُنَازَعَةِ لَهُ، فَإِنَّ هَذَا الإِطْلاَقَ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ وَلَا مُمْكِنٍ لِلْعَبْدِ فِي نَفْسِهِ بَلِ الأَحْكَامُ ثَلاَثَةٌ: حُكْمٌ شَرْعِيٌّ دِينِيٌّ، فَهَذَا حَقُّهُ أَنْ يُتَلَقَّى بِالمُسَالَمَةِ وَالتَّسْلِيمِ وَتَرْكِ المُنَازَعَةِ، بَلْ بِالاِنْقِيَادِ المَحْضِ، وَهَذَا تَسْلِيمُ العُبُودِيَّةِ المَحْضَةِ فَلَا يُعَارَضُ بِذَوْقٍ وَلَا وَجْدٍ وَلَا سِيَاسَةٍ وَلَا قِيَاسٍ وَلَا تَقْلِيدٍ، وَلَا يُرَى إِلَى خِلاَفِهِ سَبِيلًا البَتَّةَ، وَإِنَّمَا هُوَ الانْقِيَادُ المَحْضُ وَالتَّسْلِيمُ وَالإِذْعَانُ وَالقَبُولُ، فَإِذَا تُلُقِّيَ بِهَذَا التَّسْلِيمِ وَالمُسَالَمَةِ إِقْرَارًا وَتَصْدِيقًا بَقِيَ هُنَاكَ انْقِيَادٌ آَخَرَ وَتَسْلِيمٌ آَخَرَ لَهُ إِرَادَةٌ وَتَنْفِيذٌ وَعَمَلٌ، فَلَا تَكُونُ لَهُ شَهْوَةٌ تُنَازِعُ مُرَادَ اللهِ مِنْ تَنْفِيذِ حُكْمِهِ، كَمَا لَمْ تَكُنْ لَهُ شُبْهَةٌ تُعَارِضُ إِيمَانَهُ وَإِقْرَارَهُ، وَهَذَا حَقِيقَةُ القَلْبِ السَّلِيمِ الذِي سَلِمَ مِنْ شُبْهَةٍ تُعَارِضُ الحَقَّ وَشَهْوَةٍ تُعَارِضُ الأَمْرَ، فَلَا اسْتَمْتَعَ بِخَلَاقِهِ كَمَا اسْتَمْتَعَ بِهِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ، وَلَا خَاضَ فِي البَاطِلِ خَوْضَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشُّبُهَاتِ، بَلِ انْدَرَجَ خَلَاقُهُ تَحْتَ الأَمْرِ، وَاضْمَحَلَّ خَوْضُهُ فِي مَعْرِفَتِهِ بِالحَقِّ، فَاطْمَأَنَّ إِلَى اللهِ مَعْرِفَةً بِهِ وَمَحَبَّةً لَهُ وَعِلْمًا بِأَمْرِهِ.

 

الحُكْمُ الثَّانِي: الحُكْمُ الكَوْنِيُّ:

الَّذِي لِلْعَبْدِ فِيهِ كَسْبٌ، فَيُدَافِعُ بِهِ وَلَهُ، كَمَا قَالَ شَيْخُ العَارِفِينَ فِي وَقْتِهِ عَبْدُ القَادِرِ الجيلي: “النَّاسُ إِذَا دَخَلُوا إِلَى القَضَاءِ وَالقَدَرِ أَمْسَكُوا، وَأَنَا انْفَتَحَتْ لِي رَوْزَنَةٌ فَنَازَعْتُ أَقْدَارَ الحَقِّ بِالحَقِّ لِلْحَقِّ، وَالعَارِفُ مَنْ يَكُونُ مُنَازِعًا لِلْقَدَرِ، لَا وَاقِفًا مَعَ القَدَرِ” إِرَادَةً لِمَرْضَاتِهِ، فَهَذَا حَقُّ الحُكْمِ الدِّينِيِّ.

 

الحُكْمُ الثَّانِي: الحُكْمُ الكَوْنِيُّ القَدَرِيُّ:

الَّذِي لِلْعَبْدِ فِيهِ كَسْبٌ وَاخْتِيَارٌ وَإِرَادَةٌ وَالَّذِي إِذَا حَكَمَ بِهِ يَسْخَطُهُ وَيَبْغَضُهُ وَيُذَمُّ عَلَيْهِ، فَهَذَا حَقُّهُ أَنْ يُنَازَعَ وَيُدَافَعَ بِكُلِّ مُمْكِنٍ وَلَا يُسَالَمُ البَتَّةَ، بَلْ يُنَازَعُ بِالحُكْمِ الكَوْنِيِّ أَيْضًا، فَيُنَازِعُ حُكْمَ الحَقِّ بِالحَقِّ لِلْحَقِّ)[34].

 

التَّحَاكُمُ إِلَى غَيْرِ اللهِ تَحَاكُمٌ إِلَى الطَّاغُوتِ:

“وَمَنْ حَاكَمَ إِلَى غَيْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ فَقَدْ حَاكَمَ إِلَى الطَّاغُوتِ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَكْفُرَ بِهِ، وَلَا يَكْفُرُ العَبْدُ بِالطَّاغُوتِ حَتَّى يَجْعَلَ الحُكْمَ للهِ وَحْدَهُ كَمَا هُوَ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الأَمْرِ”[35].

 

2- الحِكْمَةُ فِي أَقْدَارِ اللهِ:

وَالحِكْمَةُ إِنَّمَا تَكُونُ فِي حَقِّ مَنْ يَفْعَلُ شَيْئًا لِشَيءٍ فَيُرِيدُ بِمَا يَفْعَلُهُ الحِكْمَةَ النَّاشِئَةَ مِنْ فِعْلِهِ، فأَمَّا مَنْ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا لِشَيءٍ البَتَّةَ فَلَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ الحِكْمَةُ.

 

وَهَؤُلاَءِ يَقُولُونَ[36]: لَيْسَ فِي أَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ لَامُ التَّعْلِيلِ، وَمَا اقْتَرَنَ بِالمَفْعُولَاَتِ مِنْ قُوًى وَطَبَائِعَ وَمَصَالِحَ فَإِنَّمَا اقْتَرَنَتْ بِهَا اقْتِرَانًا عَادِيًّا، لَا أَنَّ هَذَا كَانَ لأَِجْلِ هَذَا، وَلَا نَشَأَ السَّبَبُ لأَِجْلِ المُسَبِّبِ، بَلْ لَا سَبَبَ عِنْدَهُم وَلَا مُسَبِّبٌ البَتَّةَ، إِنْ هُوَ إِلَّا مَحْضُ المَشِيئَةِ وَصَرْفُ الإِرَادَةِ الَّتِي تُرَجِّحُ مَثَلًا عَلَى مَثَلٍ، بَلْ لَا مُرَجِّحَ أَصْلًا، وَلَيْسَ عِنْدَهُم فِي الأَجْسَامِ طَبَائِعُ وَقُوًى تَكُونُ أَسْبَابًا لِحَرَكَاتِهَا، وَلَا فِي العَيْنِ قُوَّةٌ امْتَازَتْ بِهَا عَلَى الرِّجْلِ يُبْصَرُ بِهَا وَلَا فِي القَلْبِ قُوَّةٌ يُعْقَلُ بِهَا امْتَازَ بِهَا عَنِ الظَّهْرِ، بَلْ خَصَّ سُبْحَانَهُ أَحَدَ الجِسْمَيْنِ بِالرُّؤْيَةِ وَالعَقْلِ وَالذَّوْقِ تَخْصِيصًا لِمَثَلٍ عَلَى مَثَلٍ بِلَا سَبَبٍ أصْلًا وَلَا حِكْمَةٍ.

 

فَهَؤُلاَءِ لَمْ يُثْبِتُوا لَهُ كَمَالَ الحَمْدِ، كَمَا لَمْ يُثْبِتُ لَهُ أُولَئِكَ كَمَالَ المُلْكِ، وَكِلَا القَوْلِيْنِ مُنْكَرٌ عِنْدَ السَّلَفِ وَجُمْهُورِ الأُمَّةِ، وَلِهَذَا كَانَ مُنْكِرُو الأَسْبَابِ وَالقُوَى وَالطَّبَائِعِ يَقُولُونَ: العَقْلُ نَوْعٌ مِنَ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ كَمَا قَالَ القَاضِيَانِ أَبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ وَأَبُو يَعْلَى بْنُ الفَرَّاءِ وَأَتْبَاعُهُمَا، وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ غَرِيزَةٌ، وَكَذَلِكَ الحَارِثُ المُحَاسِبِيُّ وَغَيْرُهُمَا، فَأُولَئِكَ لَا يُثْبِتُونَ غَرِيزَةً وَلَا قُوَّةً وَلَا طَبِيعَةً وَلَا سَبَبًا، وَأَبْطَلُوا مُسَمَّيَاتِ هَذِهِ الأَسْمَاءِ جُمْلَةً وَقَالُوا: إِنَّ مَا فِي الشَّرِيعَةِ مِنَ المَصَالِحِ وَالحِكَمِ لَمْ يَشْرَعِ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ مَا شَرَعَ مِنَ الأَحْكَامِ لأَِجْلِهَا بَلِ اتَّفَقَ اقْتِرَانُهَا بِهَا أَمْرًا اتِّفَاقِيًّا، كَمَا قَالُوا نَظِيرَ ذَلِكَ فِي المَخْلُوقَاتِ سَوَاءً وَالعِلَلُ عِنْدَهُم أَمَارَاتٌ مَحْضَةٌ لِمُجَرَّدِ الاقْتِرَانِ الاتِّفَاقِيِّ، وَهُمْ فَرِيقَانِ:

أَحَدُهُمَا: لَا يُعَرِّجُونَ عَلَى المُنَاسَبَاتِ وَلَا يُثْبِتُونَ العِلَلَ بِهَا البَتَّةَ، وَإِنَّمَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى تَأْثِيرِ العِلَّةِ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ، فَإِنْ فَقَدُوا فَزِعُوا إِلَى الأَقْيِسَةِ الشَّبِيهَةِ.

 

وَالفَرِيقُ الثَّانِي: أَصْلَحُوا المَذْهَبَ بَعْضَ الإِصْلاَحِ وَقَرَّبُوهُ بِعْضَ الشَيءِ وَأَزَالُوا تِلْكَ النُّفْرَةَ عَنْهُ، فَأَثْبَتُوا الأَحْكَامَ بِالعِلَلِ والعِللَ بِالمُنَاسَبَاتِ وَالمَصَالِح، وَلَمْ يُمْكِنْهُم الكَلَامُ فِي الفِقْهِ إِلَّا بِذَلِكَ، وَلَكِنْ جَعَلُوا اقْتِرَانَ أَحْكَامِ تِلْكَ العِلَلِ وَالمُنَاسَبَاتِ بِهَا اقْتِرَانًا عَادِيًّا غَيْرَ مَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ وَالعِلَلُ وَالمُنَاسَبَاتُ أَمَارَاتُ ذَلِكَ الاقْتِرَانَ، وَهَؤُلَاءِ يَسْتَدِلُّونَ عَلَى إِثْبَاتِ عِلْمِ الرَّبِّ بِمَا فِي مَخْلُوقَاتِهِ مِنَ الإِحْكَامِ وَالإِتْقَانِ وَالمَصَالِحِ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ بَيِّنٌ مِنْهُم، فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَدُلُّ إِذَا كَانَ الفَاعِلُ يَقْصِدُ أَنْ يَفْعَلَ الفِعْلَ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ لأَِجْلِ الحِكْمَةِ المَطْلُوبَةِ مِنْهُ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَفْعَلْ لأَِجْلِ ذَلِكَ الإِحْكَامِ وَالإِتْقَانِ وَإِنَّمَا اتَّفَقَ اقْتِرَانُهُ بِمَفْعُولَاتِهِ عَادَةً، فَإِنَّ ذَلِكَ الفِعْلَ لَا يَدُلُّ عَلَى العِلْمِ، فَفِي أَفْعَالِ الحَيَوانَاتِ مِنَ الإِحْكَامِ وَالإِتْقَانِ وَالحِكَمِ مَا هُوَ مَعْرُوفٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ، وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الحِكَمُ وَالمَصَالِحُ مَقْصُودَةً لَهَا لَمْ تَدُلَّ عَلَى عِلْمِهَا.

 

وَالمَقْصُودُ أَنَّ هَؤُلَاءِ إِذَا قَالُوا: إِنَّهُ تَعَالَى لَا يَفْعَلُ لِحِكْمَةٍ امْتَنَعَ عِنْدَهُم أَنْ يَكُونَ الإِحْكَامُ دَلِيِلًا عَلَى العِلْمِ، وَأَيْضًا فَعَلَى قَوْلِهِم يَمْتَنِعُ أَنْ يُحْمَدَ عَلَى مَا فَعَلَهُ لأَِمْرٍ مَا حَصَلَ لِلْعِبَادِ مِنْ نَفْعٍ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَقْصِدْ بِمَا خَلَقَهُ لِنَفْعِهِم وَمَصَالِحِهِم، بَلْ إِنَّمَا أَرَادَ مُجَرَّدَ وُجُودِهِ لَا لأَِجْلِ كَذَا وَلَا لِنَفْعِ أَحَدٍ وَلَا لِضَرِّهِ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّ مَنْ يَكُونُ فِعْلُهُ ذَلِكَ حَمْدٌ؟ فَلَا يُحْمَدُ عَلَى فِعْلِ عَدْلٍ، وَلَا عَلَى تَرْكِ ظُلْمٍ؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ – عِنْدَهُم – هُوَ المُمْتَنِعُ الذِي لَا يَدْخُلُ فِي المَقْدُورِ، وَذَلِكَ لَا يُمْدَحُ أَحَدٌ عَلَى تَرْكِهِ، وَكُلُّ مَا أَمْكَنَ وُجُودُهُ فَهُوَ عِنْدَهُم عَدْلٌ، فَالظُّلْمُ مُسْتَحِيلٌ عِنْدَهُم إِذْ هُوَ عِبَارَةٌ عَنِ المُمْتَنِعِ المُسْتَحِيلِ لِذَاتِهِ الذِي لَا يَدْخُلُ تَحْتَ المَقْدُورِ وَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَرْكٌ اخْتِيَارِيٌّ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَمْدٌ، وَإِخْبَارُهُ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ بِقِيَامِهِ بِالقِسْطِ حَقِيقَتُهُ عِنْدَهُم مُجَرَّدُ كَوْنُهُ فَاعِلًا لَا أَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا هُوَ قِسْطٌ فِي نَفْسِهِ يُمْكِنُ وُجُودُ ضِدِّهِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [فصلت: 46]، نَفْيٌ عِنْدَهُم لِمَا هُوَ مُسْتَحِيلٌ فِي نَفْسِهِ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، كَجَعْلِ الجِسْمِ فِي مَكَانَيْنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ وَجَعْلِهِ مَوْجُودًا مَعْدُومًا فِي آنٍ وَاحِدٍ، فَهَذَا وَنَحْوُهُ عِنْدَهُم هُوَ الظُّلْمُ الذِي تَنَزَّهَ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: “يَا عِبَادِي، إِنَّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسَي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا”[37]، فَالذِي حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ هُوَ المُسْتَحِيلُ المُمْتَنِعُ لِذَاتِهِ كَالجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مُمْكِنٌ يَكُونُ ظُلْمًا فِي نَفْسِهِ وَقَدْ حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُمْدَحُ المَمْدُوحُ بِتَرْكِ مَا لَوْ أَرَادَهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: “وَجَعَلْتُهُ مُحَرَّمًا بَيْنَكُمْ” فَالذِي حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ هُوَ الذِي جَعَلَهُ مُحَرَّمًا بَيْنَ عِبَادِهِ وَهُوَ الظُّلْمُ المَقْدُورُ الذِي يَسْتَحِقُّ تَارِكُهُ الحَمْدَ وَالثَّنَاءَ، وَالذِي أَوْجَبَ لَهُم هَذَا مُنَاقَضَةُ القَدَرِيَّةِ المَجُوسِيَّةِ وَرَدُّ أُصُولِهِم وَهَدْمُ قَوَاعِدِهِم، وَلَكِنْ رَدُّوا بَاطِلًا بِبَاطِلٍ وَقَابَلُوا بِدْعَةً بِبِدْعَةٍ، وَسَلَّطُوا عَلَيْهِم خُصُومَهُم بِمَا التَزَمُوهُ مِنَ البَاطِلِ فَصَارَتِ الغَلَبَةُ بَيْنَهُم وَبَينَ خُصُومِهِم سِجَالًا، مَرَّةً يَغْلِبُونَ وَمَرَّةً يُغْلَبُونَ، لَمْ تَسْتَقِرْ لَهْم النُّصْرَةُ الثَّابِتَةُ لأَِهْلِ السُّنَّةِ المَحْضَةِ الَّذِينَ لَمْ يَتَحَيَّزَوا إِلَى فِئَةٍ غَيْرِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَمْ يَلْتَزِمُوا غَيْرَ مَا جَاءَ بِهِ، وَلَمْ يُؤَصِّلُوا أَصَلًا بِبِدْعَةٍ يُسَلِّطُونَ عَلَيْهِم بِهِ خُصُومَهُم، بَلْ أَصْلُهُم مَا دَلَّ عَلَيْهِ كِتَابُ اللهِ وَكَلَامُ رَسُولِهِ وَشَهِدَتْ بِهِ الفِطَرُ وَالعُقُولُ[38].

 

3- وُرُودُ الحِكْمَةِ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:

النَّوْعُ الأَوَّلُ: التَّصْرِيحُ بِلَفْظِ الحِكْمَةِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ ﴾ [القمر: 5].

وَقَوْلِهِ: ﴿ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾ [النساء: 113].

وَقَوْلِهِ: ﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [البقرة: 269].

 

وَالحِكْمَةُ هِيَ: العِلْمُ النَّافِعُ وَالعَمَلُ الصَّالِحُ، وَسُمِّيَ حِكْمَةً؛ لِأَنَّ العِلْمَ وَالعَمَلَ قَدْ تَعَلَّقَا بِمُتَعَلَّقِهِمَا وَأُوصِلَا إِلَى غَايَتِهِمَا، وَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ الكَلَامُ حِكْمَةً حَتَّى يَكُونَ مُوصِلًا إِلَى الغَايَاتِ المَحْمُودَةِ وَالمَطَالِبِ النَّافِعَةِ، فَيَكُونُ مُرْشِدًا إِلَى العِلْمِ النَّافِعِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، فَتَحْصُلُ الغَايَةُ المَطْلُوبَةُ.

 

فَإِذَا كَانَ المُتَكَلِّمُ بِهِ لَمْ يَقْصِدْ مَصْلَحَةَ المُخَاطَبِينَ، وَلَا هُدَاهُمْ، وَلَا إِيصَالَهُم إِلَى سَعَادَتِهِم وَدِلَالَتِهِم عَلَى أَسْبَابِهَا وَمَوَانِعِهَا وَلَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الغَايَةُ المَقْصُودَةُ المَطْلُوبَةُ، وَلَا تَكَلَّمَ لأَِجْلِهَا، وَلَا أَرْسَلَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الكُتُبَ لأَِجْلِهَا، وَلَا نَصَبَ الثَّوَابَ وَالعِقَابَ لأَِجْلِهَا، لَمْ يَكُنْ حَكِيمًا وَلَا كَلَامُهُ حِكْمَةٌ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ بَالِغَةً.

 

النَّوْعُ الثَّانِي: إِخْبَارُهُ أَنَّهُ فَعَلَ كَذَا لِكَذَا، وَأَنَّهُ أَمَرَ بِكَذَا لِكَذَا، كَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 97]، وَقَوْلِهِ: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ [الطلاق: 12].

 

وَقَوْلِهِ: ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [المائدة: 97].

 

وَقَوْلِهِ: ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ [النساء: 165].

وَقَوْلِهِ: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ﴾ [النساء: 105].

وَقَوْلِهِ: ﴿ لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾ [الحديد: 29].

 

وَقَوْلِهِ: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ﴾ [البقرة: 143].

وَقَوْلِهِ: ﴿ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ ﴾ [الجن: 27، 28].

أَيْ: لِيَتَمَكَّنُوا بِهَذَا الحِفْظِ وَالرَّصَدِ مِنْ تَبْلِيغِ رِسَالَاتِهِ فَيَعْلَمُ اللهُ ذَلِكَ وَاقِعًا.

 

وَقَوْلِهِ: ﴿ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ ﴾ [الأنفال: 11].

وَقَوْلِهِ: ﴿ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ ﴾ [الأنفال: 8].

 

وَقَوْلِهِ: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ ﴾ [آل عمران: 126].

وَقَوْلِهِ: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [النحل: 102].

 

وَقَوْلِهِ: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ﴾ [المدثر: 31].

وَقَوْلِهِ: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 143].

وَقَوْلِهِ: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾ [النحل: 44].

 

وَقَوْلِهِ: ﴿ هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [إبراهيم: 52].

وَقَوْلِهِ: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ﴾ [الحديد: 25].

وَقَوْلِهِ: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ﴾ [الأنعام: 75].

 

وَقَوْلِهِ: ﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: 8]. وَهَذَا فِي القُرْآنِ كَثِيرٌ.

فَإِنْ قِيلَ: اللَّامُ فِي هَذَا كُلِّهِ لاَمُ العَاقِبَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ﴾ [القصص: 8].

وَقَوْلِهِ: ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ﴾ [الأنعام: 53].

 

وَقَوْلِهِ: ﴿ لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ﴾ [الحج: 53].

وَقَوْلِهِ: ﴿ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ﴾ [الأنفال: 42].

وَقَوْلِهِ: ﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ ﴾ [الأنعام: 113].

 

فَإِنَّ مَا بَعْدَ اللَّامِ فِي هَذَا لَيْسَ هُوَ الغَايَةُ المَطْلُوبَةُ، وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ الفِعْلُ مُنْتَهِيًا إِلَيْهِ كَانَ عَاقَبِةُ الفِعْلِ دَخَلَتْ عَلَيْهِ لَامُ التَّعْلِيلِ وَهَيَ فِي الحَقِيقَةِ لَامُ العَاقَبِةِ.

 

فَالجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ لَامَ العَاقَبِةِ إِنَّمَا تَكُونُ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ جَاهِلٌ أَوْ هُوَ عَاجِزٌ عَنْ دَفْعِهَا.

فالأولُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ﴾ [القصص: 8].

 

وَالثَّانِي: كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:

لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ ♦♦♦ فَكُلُّكُمُ يَصِيرُ إِلَى ذَهَابِ

 

وَأَمَّا مَنْ هُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ وَعَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ فَيَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِ دُخُولُ هَذِهِ اللَّامِ، وَإِنَّمَا اللَّامُ الوَارِدَةُ فِي أَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ لَامُ الحِكْمَةِ وَالغَايَةِ المَطْلُوبَةِ.

 

الجَوَابُ الثَّانِي: إِفْرَادُ كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْ تِلْكَ المَوَاضِعِ بِالجَوَابِ. أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ﴾ [القصص: 8].

 

فَهُوَ تَعْلِيلٌ لِقَضَاءِ اللهِ سُبْحَانَهُ بِالتِقَاطِهِ وَتَقَدِيرِهِ لَهُ، فَإِنَّ التِقَاطَهُمْ لَهُ إِنَّمَا كَانَ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ قَدَّرَ ذَلِكَ وَقَضَى بِهِ لِيَكُونَ لَهُم عَدُوًّا وَحَزَنًا. وَذَكَرَ فِعْلَهُم دُونَ قَضَائِهِ؛ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي كَوْنِهِ حَزَنًا لَهُمْ وَحَسْرَةً عَلَيْهِم.

فَإِنَّ مَنِ اخْتَارَ أَخْذَ مَا يَكُونُ هَلاَكُهُ عَلَى يَدَيْهِ إِذَا أُصِيبَ بِهِ كَانَ أَعْظَمَ لِحُزْنِهِ وَغَمِّهِ وَحَسْرَتِهِ مِنْ أَلَّا يَكُونَ فِيهِ صُنْعٌ وَلَا اخْتِيَارٌ.

فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَرَادَ أَنْ يُظْهِرَ لِفِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ وَلِغَيْرِهِم مِنْ خَلْقِهِ كَمَالَ قُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ البَاهِرَةِ، وَأَنَّ هَذَا الذِي يَذْبَحُ فِرْعَونُ الأَبْنَاءَ فِي طَلَبِهِ هُوَ الذِي يَتَوَلَّى تَرْبِيَتَهُ فِي حِجْرِهِ وَبَيْتِهِ بِاخْتِيَارِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَيَكُونُ فِي قَبْضَتِهِ وَتَحْتَ تَصَرُّفِهِ فَذِكْرُ فِعْلِهِم بِهِ فِي هَذَا أَبْلَغُ وَأَعْجَبُ مِنْ أَنْ يَذْكُرَ القَضَاءَ وَالقَدَرَ، وَقَدْ أَعْلَمَنَا سُبْحَانَهُ أَنَّ أَفْعَالَ عِبَادِهِ كُلَّهَا وَاقِعَةٌ بَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ﴾ [الأنعام: 53].

 

فَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا تَعْلِيلٌ لِفِعْلِهِ المَذْكُورِ، وَهُوَ امْتِحَانُ بَعْضِ خَلْقِهِ بِبَعْضٍ، كَمَا امْتُحِنَ السَّادَاتُ وَالأَشْرَافُ بِالعَبِيدِ وَالضُّعَفَاءِ وَالمَوَالِي، فَإِذَا نَظَرَ الشَّرِيفُ وَالسَّيِّدُ إِلَى العَبْدِ وَالضَّعِيفِ وَالمِسْكِينِ قَدْ أَسْلَمَ أَنِفَ وَحَمِيَ أَنْ يُسْلِمَ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ، وَيَقُولُ: هَذَا يَسْبِقُنِي إِلَى الخَيْرِ وَالفَلَاحِ وَأَتَخَلَّفُ أَنَا، فَلَوْ كَانَ خَيْرًا وَسَعَادَةً مَا سَبَقَنَا هَؤُلَاءِ إِلَيْهِ.

 

فَهَذَا القَوْلُ مِنْهُم هُوَ بَعْضُ الحِكَمِ وَالغَايَةِ المَطْلُوبَةِ بِهَذَا الامْتِحَانِ، فَإِنَّ هَذَا القَوْلَ دَالٌّ عَلَى إِبَاءٍ وَاسْتِكْبَارٍ وَتَرْكِ الانْقِيَادِ لِلْحَقِّ بَعْدَ المَعْرِفَةِ التَّامَّةِ بِهِ. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ عِلَّةً فَهُوَ مَطْلُوبٌ لِغَيْرِهِ، وَالعِلَلُ الغَائِيَّةُ تَارَةً تُطْلَبُ لِنَفْسِهَا وَتَارَةً تُطْلَبُ لِغَيْرِهَا، فَتَكُونُ وَسِيلَةً إِلَى مَطْلُوبٍ لِنَفْسِهِ.

 

وَقَوْلُ هَؤُلاءِ مَا قَالُوهُ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ هَذَا القَوْلُ مُوجِبٌ لآَِثَارٍ مَطْلُوبَةٍ لِلْفَاعِلِ مِنْ إِظْهَارِ عَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ وَعِزِّهِ وَقَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ وَعَطَائِهِ مَنْ يَسْتَحِقُّ عَطَاءَهُ وَيَحْسُنُ وَضْعُهُ عِنْدَهُ وَمَنْعُهُ مَنْ يَسْتَحِقُّ المَنْعَ وَلَا يَلِيقُ بِهِ غَيْرُهُ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ﴾ [الأنعام: 53].

 

الذِينَ يَعْرِفُونَ قَدْرَ النِّعْمَةِ، وَيَشْكُرُونَ المُنْعِمَ عَلَيْهِمْ فِيمَا مَنَّ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِ مَنْ لَا يَعْرِفُهَا وَلَا يَشْكُرُ رَبَّهُ عَلَيْهَا، وَكَانَتْ فِتْنَةُ بَعْضِهِم بِبَعْضٍ لِحُصُولِ هَذَا التَّمْيِيزِ الذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ شُكْرٌ مِنَ هَؤُلَاءِ وَكُفْرُ هَؤُلَاءِ[39].

 

4- الحِكْمَةُ فِي الاِبْتِلَاءِ:

صُوَرُ الاِبْتِلَاءِ فِي خَلْقِهِ رَحْمَةٌ مِنْهُ وَحِكْمَةٌ فِيهَا لَهُ:

فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِمَا يُشَاهَدُ مِنْ أَنْوَاعِ الاِبْتِلَاءِ وَالامْتِحَانِ وَالآلَامِ لِلْأَطْفَالِ وَالحَيَوَانَاتِ وَمَنْ هُوَ خَارِجٌ عَنِ التَّكْلِيفِ وَمَنْ لَا ثَوَابَ وَلَا عِقَابَ عَلَيْهِ؟ وَمَا تَقُولُونَ فِي الأَسْمَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ مِنَ المُنْتَقِمِ وَالقَابِضِ وَالخَافِضِ وَنَحْوِهَا؟

 

قِيلَ: قَدْ تَقَدَّمَ مِنَ الكَلَامِ فِي ذَلِكَ مَا يَكْفِي بَعْضُهُ لِذِي الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ وَالعَقْلِ المُسْتِقِيمِ، وَأَمَّا مَنْ فَسَدَتْ فِطْرَتُهُ وَانْتَكَسَ قَلْبُهُ وَضَعُفَتْ بَصِيرَةُ عَقْلِهِ فَلَوْ ضُرِبَ لَهُ مِنَ الأَمْثَالِ مَا ضُرِبَ فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا عَمَىً وَتَحَيُّرًا وَنَحْنُ نَزِيدُ مَا تَقَدَّمَ إِيضَاحًا وَبَيَانًا، إِذْ بَسْطُ هَذَا المَقَامِ أَوْلَى مِنْ اخْتِصَارِهِ فَنَقُولُ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جَمِيعَ أَسْمَاءِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ حُسْنَى وَصِفَاتِهِ كَمَالٌ وَأَفْعَالَهُ حِكْمَةٌ وَمَصْلَحَةٌ، وَلَهُ كُلُّ ثَنَاءٍ وَكُلُّ حَمْدٍ وَمَدْحَةٍ، وَكُلُّ خَيْرٍ فَمِنْهُ وَلَهُ بِيَدِهِ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ وَلَا فِي أَسْمَائِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي مَفْعُولَاتِهِ فَهُوَ خَيْرٌ بِإِضَافَتِهِ إِلَيْهِ وَشَرٌّ بَإِضَافَتِهِ إِلَى مَنْ صَدَرَ عَنْهُ وَوَقَعَ بِهِ، فَتَمَسَّكْ بِهَذَا الأَصْلِ وَلَا تُفَارِقْهُ فِي كُلِّ دَقِيقٍ وَجَلِيلٍ، وَحَكِّمْهُ عَلَى كُلِّ مَا يَرِدُ عَلَيْكَ، وَحَاكِمْ إِلَيْهِ وَاجْعَلْهُ آخِيَّتَكَ التِي تَرْجِعُ إِلَيْهَا وَتَعْتَمِدُ عَلَيْهَا.

 

وَاعْلَمْ أَنَّ للهِ خَصَائِصَ فِي خَلْقِهِ وَرَحْمَةً وَفَضْلًا يَخْتَصُّ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَذَلِكَ مُوجِبُ رُبُوبِيَّتِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ وَحَمْدِهِ وَحِكْمَتِهِ، فَإِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ أَنْ تُصْغِيَّ إِلَى وَسْوَسَةِ شَيَاطِينِ الإِنْسِ وَالجِنِّ وَالنَّفْسِ الجَاهِلَةِ الظَّالِمَةِ، إِنَّهُ هَلَّا سَوَّى بَيْنَ عِبَادِهِ فِي تِلْكَ الخَصَائِصِ وَقَسَّمَهَا بَيْنَهُم عَلَى السَّوَاءِ، فَإِنَّ هَذَا عَيْنُ الجَهْلِ وَالسَّفَهِ مِنَ المُعْتَرِضِ بِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ حِكْمَتَهُ تَأَبَى ذَلِكَ وَتَمْنَعُ مِنْهُ، وَلَكِنِ اعْلَمْ أَنَّ الأَمْرَ قِسْمَةٌ بَيْنَ فَضْلِهِ وَعَدْلِهِ، فَيَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَقْصِدُ بِعَذَابِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ المَحْمُودُ عَلَى هَذَا، فَالطَّيِّبُونَ مِنْ خَلْقِهِ مَخْصُوصُونَ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَالخَبِيثُونَ مَقْصُودُونَ بِعَذَابِهِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ قِسْطُهُ مِنَ الحِكْمَةِ وَالابْتِلَاءِ وَالامْتِحَانِ، وَكُلٌّ مُسْتَعْمَلٌ فِيمَا هُوَ لَهُ مَخْلُوقٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَنَفْعٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهُ تَعَالَى خَلَقَهُمْ لِلْخَيْرَاتِ فَهُمْ لَهَا عَامِلُونَ، وَاسْتَعْمَلَهُم فِيهَا فَلَمْ يُدْرِكُوا ذَلِكَ إِلَّا بِهِ وَلَا اسْتَحَقُّوهُ إِلَّا بِمَا سَبَقَ لَهُمْ مِنْ مَشِيئَتِهِ وَقِسْمَتِهِ، فَكَذَلِكَ لَا تَضُرُّهُم الأَدْوَاءُ وَلَا السُّمُومُ، بَلْ مَتَى وَسْوَسَ لَهُمْ العَدُوُّ وَاغْتَالَهُم بِشَيءٍ مِنْ كَيْدِهِ أَوْ مَسَّهُمْ بِشَيءٍ مِنْ طَيْفِهِ ﴿ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾، ﴿ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ﴾:

وَإِذَا وَقَعُوا فِي مَعْصِيَةٍ صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ عَادَ ذَلِكَ عَلَيْهِم رَحْمَةً وَانْقَلَبَ فِي حَقِّهِم دَوَاءً وَبُدِّلَ حَسَنَةً بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ وَالحَسَنَاتِ المَاحِيَةِ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ عَرَّفَهُم بِنَفْسِهِ وَبَفَضْلِهِ وَبِأَنَّ قُلُوبَهُم بِيَدِهِ وَعِصْمَتَهُم إِلَيْهِ حَيْثُ نَقَضَ عَزَمَاتِهِم وَقَدْ عَزَمُوا أَلَّا يَعْصُوهُ، وَأَرَاهُم عِزَّتَهُ فِي قَضَائِهِ، وَبِرَّهُ وَإِحْسَانَهُ فِي عَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ، وَأَشْهَدَهُم نُفُوسَهُم وَمَا فِيهَا مِنَ النَّقْصِ وَالظُّلْمِ وَالجَهْلِ، وَأَشْهَدَهُم حَاجَتَهُم إِلَيْهِ وَافْتِقَارَهُم وَذُلَّهُمِ، وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَعْفْ عَنْهُم وَيَغْفِرْ لَهُم فَلَيْسَ لَهُم سَبِيلٌ إِلَى النَّجَاةِ أَبَدًا.

 

فَإِنَّهُم لَمَّا أَعْطُوا مِنْ أَنْفُسِهِم العَزْمَ أَلَّا يَعْصُوهُ وَعَقَدُوا عَلَيْهِم قُلُوبَهُم ثُمَّ عَصَوْهُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَعَرِفُوا بِذَلِكَ عَظِيمَ اقْتِدَارِهِ، وَجَمِيلَ سَتْرِهِ إِيَّاهُم، وَكَرِيمَ حِلْمِهِ عَنْهُم، وَسِعَةَ مَغْفِرَتِهِ لَهُم بِرَدِّ عَفْوِهِ وَحَنَانِهِ وَعَطْفِهِ وَرَأْفَتِهِ، وَأَنَّهُ حَلِيمٌ ذُو أَنَاةٍ، وَرَحِيمٌ سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ، وَأَنَّهُم مَتَى رَجَعُوا إِلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ وَجَدُوهُ غَفُورًا رَحِيمًا حَلِيمًا كَرِيمًا، يَغْفِرُ لَهُم السَّيِّئَاتِ، وَيُقِيلُهُم العَثَرَاتِ، وَيَوُدُّهُم بَعْدَ التَّوْبَةِ وَيُحِبُّهُم، فَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِ حِينَئِذٍ بِالدُّعَاءِ وَتَوَسَّلُوا إِلَيْهِ بِحُسْنِ إِجَابَتِهِ وَجَمِيلِ عَطْفِهِ وَحُسْنِ امْتِنَانِهِ فِي أَنْ أَلْهَمَهُم دُعَاءَهُ وَيَسَّرَهُم لِلْتَّوبَةِ وَالإِنَابَةِ وَأَقْبَلُوا بِقُلُوبِهِم إِلَيْهِ إِعْرَاضًا عَنْهُ، وَلَمْ تَمْنَعْهُ مَعَاصِيهِم وَجِنَايَاتِهِم مِنْ عَطْفِهِ عَلَيْهِم وَبِرِّهِ لَهُم وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِم فَتَابَ عَلَيْهِم قَبْلَ أَنْ يَتُوبُوا إِلَيْهِ، وَأَعْطَاهُم قَبْلَ أَنْ يَسْأَلُوهُ.

 

فَلَمَّا تَابُوا إِلَيْهِ اسْتَغْفَرُوهُ وَأَنَابُوا إِلَيْهِ تَعَرَّفَ إِلَيْهِم تَعَرُّفًا آَخَرَ: فَعَرَّفَهُم رَحْمَتَهُ وَحُسْنَ عَائِدَتِهِ وَسِعَةَ مَغْفِرَتِهِ وَكَرِيمَ عَفْوِهِ وَجَمِيلَ صَفْحِهِ وَبِرِّهِ وَامْتِنَانِهِ وَكَرَمِهِ وَشَرْعِهِ، وَمُبَادَرَتِهِ قَبُولَهُم بَعْدَ أَنْ كَانَ مِنْهُم مَا كَانَ مِنْ طُولِ الشُّرُورِ وَشِدَّةِ النُّفُورِ وَالإِيضَاعِ فِي طَريقِ مَعَاصِيهِ، وَأَشْهَدَهُم مَعَ ذَلِكَ حَمْدَهُ العَظِيمَ وَبِرَّهُ العَمِيمَ، وَكَرَمَهُ فِي أَنْ خَلَّى بَيْنَهُم وَبَيْنَ المَعْصِيَةِ فَنَالُوهَا بِنِعَمِهِ وَإِعَانَتِهِ.

 

ثُمَّ لَمْ يُخَلِّ بَيْنَهُم وَبَيْنَ مَا تُوجِبُهُ مِنَ الهَلَاكِ وَالفَسَادِ الذِي لَا يُرْجَى مَعَهُ فَلَاحٌ، بَلْ تَدَارَكَهُم بِالدَّوَاءِ الثَّانِي الشَّافِي فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُم دَاءً لَوِ اسْتَمَرَّ مَعَهُم لأَفْضَى إِلَى الهَلَاكِ، ثُمَّ تَدَارَكَهُم بِرُوحِ الرَّجَاءِ فَقَذَفَهُ فِي قُلُوبِهِم، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ عِنْدَ ظُنُونِهِم بِهِ، وَلَوْ أَشْهَدَهُم عِظَمَ الجِنَايَةِ وَقُبْحَ المَعْصِيَةِ وَغَضبَهُ وَمَقْتَهُ عَلَى مَنْ عَصَاهُ فَقَطْ لأَوْرَثَهُم ذَلِكَ المَرَضَ القَاتِلَ أَوِ الدَّاءَ العُضَالَ مِنَ اليَأْسِ مِنْ رَوحِهِ وَالقُنُوطَ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ عَيْنُ هَلَاكِهِم، وَلَكِنْ رَحِمَهُمْ قَبْلَ البَلَاءِ، وَجَعَلَ تِلْكَ الآَثَارَ التِي تُوجِبُهَا المَعْصِيَةُ مِنَ المِحَنِ وَالبَلَاءِ وَالشَدَائِدِ رَحْمَةً لَهُم وَسَبَبًا إِلَى عُلُوِّ دَرَجَاتِهِم وَنَيْلِ الزُّلْفَى وَالكَرَامَةِ عِنْدَهُ، فَأَشْهَدَهُم بِالجِنَايَةِ عِزَّةَ الرُّبُوبِيَّةِ وَذُلَّ العُبُودِيَّةِ، وَرَقَّاهُم بَآثَارِهِم إِلَى مَنَازِلِ قُرْبِهِ وَنَيْلِ كَرَامَتِهِ، فَهُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ يَرْبَحُونَ عَلَيْهِ يَتَقَلَّبُونَ فِي كَرَمِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَكُلُّ قَضَاءٍ يَقْضِيهِ لِلْمُؤْمِنِ فَهُوَ خَيْرٌ بِهِ يَسُوقُهُ إِلَى كَرَامَتِهِ وَثَوَابِهِ.

 

وَكَذَلِكَ عَطَايَاهُ الدُّنْيَوِيَّةُ نِعَمٌ مِنْهُ عَلَيْهِم، فَإِذَا اسْتَرْجَعَهَا أَيْضًا وَسَلَبَهُم إِيَّاهَا انْقَلَبَتْ مِنْ عَطَايَا الآخِرَةِ مَا قِيلَ: إِنَّ اللهَ يُنْعِمُ عَلَى عِبَادِهِ بِالعَطَايَا الفَاخِرَةِ، فَإِذَا اسْتَرْجَعَهَا كَانَتِ الآَخِرَةُ، وَالرَّبُّ سُبْحَانَهُ قَدْ تَجَلَّى لِقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ العَارِفِينَ وَظَهَرَ لَهَا بِقُدْرَتِهِ وَجَلَالِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَمَضِيِّ مَشِيئَتَهُ وَعَظِيمَ سُلْطَانِهِ وَعُلُوَّ شَأْنِهِ وَكَرَمِهِ وَبِرِّهِ وَإِحْسَانِهِ وَسِعَةَ مَغْفِرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَمَا أَلْقَاهُ فِي قُلُوبِهِم مِنَ الإِيمَانِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ إِلَى حَيْثُ احْتَمَلَتْهُ القُوَى البَشَرِيَّةُ وَوَرَاءَهُ مِمَّا لَمْ تَحْتَمِلْهُ قُوَاهُم وَلَا يَخْطُرُ بِبَالٍ وَلَا يَدْخُلُ فِي خَلَدٍ مِمَّا لَا نِسْبَةَ لِمَا عَرِفُوهُ إِلَيْهِ.

 

فَاعْلَمْ أَنَّ الَّذِينَ كَانَ قَسْمَهُم أَنْواعُ المَعَاصِي وَالفُجُورِ، وَفُنُونُ الكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَالتَّقَلُّبُ فِي غَضَبِهِ وَسُخْطِهِ وَقُلُوبُهُم وَأَرْوَاحُهُم شَاهِدَةٌ عَلَيْهِم بِالمَعَاصِي وَالكُفْرِ مُقِرَّةٌ بَأَنَّ لَهُ الحُجَّةَ عَلَيْهِم وَأَنَّ حَقَّهُ قبلَهُم، وَلَا يَذْكُرُ أَحَدٌ مِنْهُم النَّارَ إِلَّا وَهُوَ شَاهِدٌ بِذَلِكَ مُقِرٌّ بَهِ مُعْتَرِفٌ اعْتِرَافَ طَائِعٍ لَا مُكَرَهٍ مُضْطَهَدٍ، فَهَذِهِ شَهَادَتُهُم عَلَى أَنْفُسِهِم وَشَهَادَةُ أَوْلِيَائِهِ عَلَيْهِم، وَالمُؤْمِنُونَ يَشْهَدُونَ فِيهِم بِشَهَادَةٍ أُخْرَى لَا يَشْهَدُ بِهَا أَعْدَاؤُهُ، وَلَوْ شَهِدُوا بِهَا وَبَاءُوا بِهَا لَكَانَتْ رَحَمَتُهُ أَقْرَبَ إِلَيهِم مِنْ عُقُوبَتِهِ، فَيَشْهَدُونَ أَنَّهُم عَبِيدُهُ وَمِلْكُهُ وَأَنَّهُ أوْجَدَهُم لِيُظْهِرَ بَهَم مَجْدَهُ، وَيُنْفِذَ فِيهِم حُكْمَهُ، وَيُمْضِيَ فِيهِم عَدْلَهُ، وَيُحِقَّ عَلَيْهِم كَلِمَتَهُ، وَيَصْدُقَ فِيهِم وَعِيدُهُ، وَيَبِينَ فِيهِم سَابِقُ عِلْمِهِ، وَيُعَمِّرَ بِهَا دِيَارَهُم وَمَسَاكِنَهُم التِي هِيَ مَحِلُّ عَدْلِهِ وَحْكْمَتِهِ، وَشَهِدَ أَوْلِيَاؤُهُ عَظِيمَ مُلْكِهِ وَعِزَّ سُلْطَانِهِ، وَصِدْقَ رُسُلِهِ وَكَمَالَ حِكْمَتِهِ، وَتَمَامَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِم، وَقَدْرَ مَا اخْتُصِمَ بِهِ وَمِنْ أَيِّ شَيءٍ حَمَاهُمْ وَصَانَهُم، وَأَيَّ شَيءٍ صَرَفَ عَنْهُم، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُم إِلَيْهِ وَسِيلَةٌ قَبْلَ وُجُودِهِم يَتَوَسَّلُونَ بِهَا إِلَيْهِ أَلَّا يَجْعَلَهُم مِنْ أصْحَابِ الشِّمَالِ وَأَنْ يَجْعَلَهُم مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ، وَشَهِدُوا لَهُ سُبْحَانَهُ بِأَنْ ما كَانَ مِنْهُ إِلَيْهِم وَفِيهِم مِمَّا يَقْتَضِيهِ إِتْمَامُ كَلْمَاتِهِ الصِّدْقَ وَالعَدْلَ قَوْلُهُ وَتَحَقَّقَ مُقْتَضَى أَسْمَائِهِ فَهُوَ مَحْضُ حَقِّهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْهُ حَسَنٌ جَمِيلٌ لَهُ عَلَيْهِ أَتَمُّ الحَمْدِ وَأَكْمَلُهُ وَأَفْضَلُهُ، وَهُوَ حُكْمٌ عَدْلٌ وَقَضَاءٌ فَصْلٌ وَأَنَّهُ المَحْمُودُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ فَلَا يَلْحَقُهُ مِنْهُ ظُلْمٌ وَلَا جَوْرٌ وَلَا عَبَثٌ بَلْ ذَلِكَ عَيْنُ الحِكْمَةِ، وَمَحْضُ الحَمْدِ، وَكَمَالٌ أَظْهَرَهُ فِي حَقِّهِ، وَعِزٌّ أَبْدَاهُ، وَمُلْكٌ أَعْلَنَهُ، وَمُرَادٌ لَهُ أَنْفَذَهُ، كَمَا فَعَلَ بِالبُدْنِ وَضُرُوبِ الأَنْعَامِ أَتَمَّ بِهَا مَنَاسِكَ أَوْلِيَائِهِ وَقَرَابِينَ عِبَادِهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ إِلَى الأَنْعَامِ هَلَاكًا وَإِتْلَافًا، فَأَعْدَاؤُهُ الكُفَّارُ المُشْرِكُونَ بِهِ الجَاحِدُونَ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ دِمَاؤُهُم قَرَابِينَ أَوْلِيَائِهِ وَضَحَايَا المُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، كَمَا قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ:

يَتَطَهَّرُونَ يَرَوْنَهُ قُرْبَانَهُم ♦♦♦ بِدِمَاءِ مَنْ عَلِقُوا مِنَ الكُفَّارِ

 

وَكَذَلِكَ لَمَّا ضَحَّى خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ القَسْرِيُّ بِشَيْخِ المُعَطِّلَةِ الفِرْعُونِيَّةِ جَعْدِ بْنِ دِرْهَم؛ فَإِنَّهُ خَطَبَهُم فِي يَوْمِ أَضْحَى فَلَمَّا أَكْمَلَ خُطْبَتَهُ قَالَ: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضَحُّوا تَقَبَّلَ اللهُ ضَحَايَاكُم، فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالجَعْدِ بْنِ دِرْهَم؛ إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا، وَلَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الجَعْدُ عُلُوًّا كَبِيرًا” ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ، فَكَانَ ضَحِيَّتَهُ.

 

وَذَكَرَ ذَلِكَ البُخَارِيُّ فِي كِتَابِ خَلْقِ الأَفْعَالِ، فَهَذَا شُهُودُ أَوْلِيَائِهِ مِنْ شَأْنِ أَعْدَائِهِ، وَلَكْنَّ أَعْدَاءَهُ فِي غَفْلَةٍ عَنْ هَذَا لَا يَشْهَدُونَهُ وَلَا يُقِرُّونَ بِهِ، وَلَوْ شَهِدُوهُ وَأَقَرُّوا بِهِ لأَدْرَكَهُم حَنَانُهُ وَرَحْمَتُهُ، وَلَكِنْ لَمَّا حُجِبُوا عَنْ مَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَإِثْبَاتِ أَسْمَائِهِ الحُسْنِى وَصِفَاتِهِ العُلْيَا وَوَصْفِهِ بِمَا يَلِيقُ بِهِ وَتَنْزِيهِهِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ صَارُوا أَسْوَأَ حَالًا مِنَ الأَنْعَامِ وَضُرِبُوا بِالحِجَابِ، وَأُبْعِدُوا عَنْهُ بِأَقْصَى البُعْدِ وَأُخْرِجُوا مِنْ نُورِهِ إِلَى الظُّلُمَاتِ، وَغُيِّبَتْ قُلُوبُهُم فِي الجَهْلِ بِهِ وَبِكَمَالِهِ وَجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ فِي غَابَاتٍ، لِيُتِمَّ عَلَيْهِم أَمْرَهُ وَيُنْفِذَ فِيهِم حُكْمَهُ، واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَاللهُ أَعْلَمُ[40].

 

5- الحِكْمَةُ فِي التَّفَاوُتِ بِيْنَ العِبَادِ:

وَأَيْضًا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ وَحَمْدُهُ أَنْ فَاوَتَ بَيْنَ عِبَادِهِ أَعْظَمَ تَفَاوُتٍ وَأَبْيَنَهُ لِيَشْكُرَهُ مِنْهُم مَنْ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ نِعْمَتُهُ وَفَضْلُهُ وَيَعْرِفُ أَنَّهُ قَدْ حُبِيَ بِالإِنْعَامِ وَخُصَّ دُونَ غَيْرِهِ بِالإِكْرَامِ، ولَوْ تَسَاوَوْا جَمِيعُهُم فِي النِّعْمَةِ وَالعَافِيَةِ لَمْ يَعْرِفْ صَاحِبُ النِّعْمَةِ قَدْرَهَا، وَلَمْ يَبْذُلْ شُكْرَهَا إِذْ لَا يَرَى أَحَدًا إِلَّا فِي مِثْلِ حَالِهِ، وَمِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ الشُّكْرِ وَأَعْظَمِهَا اسْتِخْرَاجًا لَهُ مِنَ العَبْدِ أَنْ يَرَى غَيْرَهُ فِي ضِدِّ حَالِهِ التِي هُوَ عَلَيْهَا مِنَ الكَمَالِ وَالفَلَاحِ.

 

وَفِي الأَثَرِ المَشْهُورِ أَنَّ اللهِ سُبْحَانَهُ لَمَّا أَرَى آدَمَ ذُرِّيَّتَهُ وَتَفَاوُتَ مَرَاتِبِهِمْ قَالَ: يَا رَبِّ، هَلَّا سَوَّيْتَ بَيْنَ عِبَادِكَ؟ قَالَ: إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أُشْكَرَ، فَاقْتَضَتْ مَحَبَّتُهُ سُبْحَانَهُ لِأَنْ يُشْكَرَ خَلْقَ الأَسْبَابِ التِي يَكُونُ شُكْرُ الشَّاكِرِينَ عِنْدَهَا أَعْظَمَ وَأَكْمَلَ وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الحِكْمَةِ الصَّادِرَةِ عَنْ صِفَةِ الحَمْدِ.

 

وَأَيْضًا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا شَيءَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ العَبْدِ مِنْ تَذَللُّـه بَيْنَ يَدَيْهِ وَخُضُوعِهِ وَافْتِقَارِهِ وَانْكِسَارِهِ وَتَضرُّعِهِ إِلَيْهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا المَطْلُوبُ مِنَ العَبِيدِ إِنَّمَا يَتِمُّ بِأَسْبَابِهِ التِي تَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا وَحُصُولُ هَذِهِ الأَسْبَابِ فِي دَارِ النَّعِيمِ المُطْلَقِ وَالعَافِيةِ الكَامِلَةِ يَمْتَنِعُ إِذْ هُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ.

 

وَأَيْضًا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ الخَلْقُ وَالأَمْرُ والأمرُ هُوَ شَرْعُهُ وَأَمْرُهُ وَدِينُهُ الذِي بَعَثَ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ وَلَيْسَتِ الجَنَّةُ دَارَ تَكْلِيفٍ تَجْرِي عَلَيْهِم فِيهَا أَحْكَامُ التَّكْلِيفِ وَلَوَازِمُهَا وَإِنَّمَا هِيَ دَارُ نَعِيمٍ وَلَذَّةٍ[41].

 

6- الأَرْضُ دَارُ ابْتِلاَءٍ وَامْتِحَانٍ:

وَاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ سُبْحَانَهُ اسْتِخْرَاجَ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ إِلَى دَارٍ تَجْرِي عَلَيْهِم فِيهَا أَحْكَامُ دِينِهِ وَأَمْرِهِ؛ لِيُظْهِرَ فِيهِم مُقْتَضَى الأَمْرِ وَلَوَازِمِهِ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ كَمَا أَنَّ أَفْعَالَهُ وَخَلْقَهُ مِنْ لَوَازِمِ كَمَالِ أَسْمَائِهِ الحُسْنَى وَصِفَاتِهِ العُلَى فَكَذَلِكَ أَمْرُهُ وَشَرْعُهُ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الثَّوَابِ وَالعِقَابِ، وَقَدْ أَرْشَدَ سُبْحَانَهُ إِلَى هَذَا المَعْنَى فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ.

 

فَقَالَ تَعَالَى: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾ [القيامة: 36]، أَيْ: مُهْمَلًا مُعَطَّلًا لَا يُؤْمَرُ وَلَا يُنْهَى وَلَا يُثَابُ وَلَا يُعَاقَبُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا مُنَافٍ لِكَمَالِ حِكْمَتِهِ، وَأَنَّ رُبُوبِيَّتَهُ وَعِزَّتَهُ وَحِكْمَتَهُ تَأْبَى ذَلِكَ، وَلِهَذَا أَخْرَجَ الكَلَامَ مَخْرَجِ الإِنْكَارِ عَلَى مَنْ زَعَمَ ذَلِكَ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُسْنَهُ مُسْتَقِرٌّ فِي الفِطَرِ وَالعُقُولِ، وَقُبْحَ تَرْكِهِ سَدٌّ مُعَطَّلٌ أَيْضًا مُسْتَقِرٌّ فِي الفِطَرِ، فَكَيْفَ يُنْسَبُ إِلَى الرَّبِّ مَا قُبْحُهُ مُسْتَقِرٌّ فِي فِطْرَتِكُمْ وَعُقُولِكُم.

 

وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾ [المؤمنون: 115، 116]، وَنَزَّه نَفْسَهُ سُبْحَانَهُ عَنْ هَذَا الحُسْبَانِ البَاطِلِ المُضَادِّ لِمُوجِبِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ، وَنَظَائِرُ هَذَا فِي القُرْآنِ كَثِيرَةٌ[42].


[1] الأسماء الحسنى للرضواني (65 – 66).

[2] اشتقاق أسماء الله (ص: 62)، ولسان العرب (12/ 141).

[3] السابق (ص: 61)، وطبقات الشافعية (3/ 358).

[4] لسان العرب (12/ 143).

[5] مفردات ألفاظ القرآن (ص: 248)، وكتاب العين (3/ 67).

[6] الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد (60).

[7] طريق الهجرتين (161)، الصواعق (4/ 1565).

[8] الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى (1/ 438).

[9] النهج الأسمى (1/ 241 – 258).

[10] جامع البيان (8/ 7).

[11] الجامع لأحكام القرآن (7/ 70).

[12] شأن الدعاء (ص: 61).

[13] تفسير ابن كثير (4/ 527).

[14] المنهاج (207)، وذكره في الأسماء التي تتبعُ إثباتَ التدبير له دون ما سِوَاه، وتبعَهُ البيهقيُّ في الأسماء (ص: 80).

[15] الجامع لأحكام القرآن (7/ 70).

[16] المفردات في غريب القرآن (ص: 127).

[17] تجده في آثار الإيمان بهذا الاسم.

[18] تفسير الأسماء (ص: 52)، وانظر: شأن الدعاء (ص: 73).

[19] جامع البيان (1/ 436)، (2/ 363).

[20] تفسير القرآن (1/ 184، 315، 459)، وانظر: روح المعاني (7/ 117)، والاعتقاد (ص: 60).

[21] المنهاج (1/ 191)، وذكره في الأسماء التي تتبعُ إثباتَ الابتداعِ والاختراعِ له، وتبعَهُ البيهقيُّ في الأسماء (ص: 22).

[22] النونية (2/ 218 – 219)، وانظر: تيسير الكريم (5/ 299، 302 – 303).

وحاصل ما ذكره ابنُ القيِّم في هذه الأبيات: أنَّ الحكيم مِن أوصافه، وأن حكمته نوعان: حكم، وأحكام، ثم بين أن الحكم نوعان: شرعي وكوني (قدري)، وأنهما لا يتلازمان، بل قد يوجد هذا دون هذا، وقد يجتمعان، وأن الله سبحانه يحبُّ الشرعيَّ منهما الذي هو ما أمر به الرسل وأتْباع الرسل، وأمر بالرضَى عنه وعدم الاعتراض والمنازعة: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65] ، أما ما حكم به قدرًا وشاء أن يكون، فلا يلزم مِن مشيئته أن يكون محبوبًا لديه، كمشيئته وجود إبليس وجنوده وكفر الكافر وفسق الفاسق، وهو لا يحبُّ ذلك كله ﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ [الزمر: 7]، ولم يأمُر تعالى أن نحبَّ كلَّ ما خلَقه وشاءَهُ، هذا هو مذهب السلف، ومَن خالفهم فيه فقد ضلَّ وأضلَّ، (النجدي).

[23] الكتاب الأسنى (ورقة: 389أ).

[24] أضواء البيان (7/ 162).

[25] المقصود بأخسِّ خلْقه هم الكفَرة الفجَرة المشرِّعون للقوانين الوضعية، لا الإنسان عمومًا.

[26] راجع: أضواء البيان (7/ 163 – 173).

[27] باختصار من كتاب الهدى والبيان في أسماء القرآن للشيخ صالح بن إبراهيم البليهي (ص: 212).

[28] جامع البيان (3/ 60 – 61)، وانظر: تفسير ابن كثير (1/ 322).

[29] رواه البخاري (1409، 7141، 7316)، ومسلم (816) عن عبد الله بن مسعود.

[30] انظر: تفسير ابن كثير (4/ 396).

[31] شأن الدعاء (ص: 73 – 74).

[32] إسناده صحيح: أخرجه أبو داود (4955)، والبيهقي عنه (10/ 145)، والنسائي (8/ 226) عن يزيد ابن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن جدِّه شريح، عن أبيه هانئٍ به. وهذا إسناد حسَن، يزيد بن المقدام صدوق، وبقية رجاله رجال مسلم.

وقد أخرج الحاكم (4/ 279) الحديث مختصرًا – دُون ذكْره سببَ التسمية وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” إِنَّ اللهُ هُوَ الحَكَمُ ” – عن قيس بن الربيع، عن المقدام بن شريح، عن أبيه، عن جدِّه به.

قال الحاكم: تفرَّد به قيس بن الربيع، وليس مِن شرْط الكتاب. قلتُ: قيس بن الربيع صدوق تغيَّر لما كبر أدخل عليه ابنُه ما ليس من حديثه فحدَّث به.

ملاحظة: وقع في إسناد النسائي حذف المقدام بن شريح، وقد عزاه الحافظ المزي في التحفة للنسائي دون حذف، فالظاهر أنه خطأ مطبعي.

[33] النهاية (1/ 419).

[34] طريق الهجرتين (ص: 66).

[35] طريق الهجرتين (ص: 66).

[36] يشير إلى الأشاعرةِ نُفَاةِ الحكمة، ومَن شابَهَهُم.

[37] صحيح: أخرجه مسلم (2577) في البِرِّ والصِّلة، باب: تحريم الظلم، من حديث أبي ذر رضي الله عنه.

[38] طريق الهجرتين (ص: 196).

[39] شفاء العليل (ص: 336).

[40] طريق الهجرتين (ص: 225).

[41] مفتاح دار السعادة (ص: 25).

[42] مفتاح دار السعادة (ص: 26)

0 0 votes
Article Rating