كارثية القول بالصدفة، والقول بأزلية العالم

القول بصدفوية الظهور المفاجيء لوجودنا كما حرّرنا في الكبسولة السابقة، يعد كارثة من وجهين:
1- الصدفة تفتقر إلى الزمن، والذي يفتقر إلى شيء يأتي بعده، وبالتالي الصدفة جائت تالية للزمن، لأن الزمن شرط وجودها، وكوننا ظهر من اللازمن، أي من اللاصدفة.
2- الصدفة بدورها تفتقر إلى المادة التي ستطبق نفسها عليها، فالمادة سابقة على الصدفة لأن شرط وجود الشيء سابق عليه، فكيف يُفسر ظهور مادة الكون بالصدفة مع أن الصدفة لن تظهر إلا بعد ظهور مادة الكون، والكون كله ظهر من اللامكان أصلاً.

إذن فظهور المادة إما أن يُفسَّر بالصدفة وهذا باطل لأن المادة شرط لوجود الصدفة، كما أن زهر النرد شرط لعامل الصدفة في لعبة النرد، والصدفة تفتقر إلى عامل الزمن وحقيقة الزمن لا تخرج عن جنس المادة، فالمادة شرط لوجود شرط وجود الصدفة وبالتالي فالصدفة لا تفسر وجود المادة.
فمطلق وجود المادة هو أصل لتصور الزمن الذي هو أصل لتصور وجود الصدفة. -1-

لكن هنا قد يدعي الملحد أن المادة مادة لا تفتقر إلى تفسير، وسنظل ندعم أزليتها وتسلسلها اللانهائي؛ لكن هذه كارثة من ثلاثة أوجه وليس وجهين:
1- إننا قلنا في حق الخالق نفس هذا الكلام من أنه لا يفتقر إلى تفسير، فأنكرتموه وأبيتم، إذن كان هذا محض تحكم لا أكثر {وأن إلى ربك المنتهى} ﴿٤٢﴾ سورة النجم.
2- قبولكم لمبدأ عدم التفسير في وجود الكون ورضوخكم له، هو قبول لمبدأ يخالف أصلكم العظيم الذي يقضي بأنه ما من شيء إلا يمكن تفسيره، وأن القوة التفسيرية تبلغ ذروتها وتكمل إحاطتها في نظرية كل شيء TOE .
3- أما قولكم بالأزلية والتسلسل اللانهائي فهذا لعنة anathema على العلم الطبيعي لأنه يقضي على أي أمل في تفسير العالم، وهذا يعني أنكم بدوغمائيتكم الإلحادية تقضون على كل علم وفكر . -2-
فالذي يقضي بالأزلية يقضي بلا غائية العلم الطبيعي وعبثية سعيه، ولذا يقول لودفيغ فتغنشتاين Ludwig Wittgenstein ” معنى العالم لابد أن يقع خارج العالم، في داخل العالم كل شيء على ما هو عليه، ويقع كما يقع، في داخله لا يوجد قيمة، وإن وجدت فستكون بلا قيمة – لأنها غير مُفسرة تفسير كامل-، فعندما تكون هناك قيمة لابد أن تقع خارج نطاق الحوادث ووجود الأشياء في ذواتها، فلابد في النهاية أن يقع خارج العالم.” -3-
فما بالنا ومظاهر التصميم أظهر في ظواهرها من كل شيء.

وفي واقع الأمر فلعبة أزلية الكون قد انتهت تمامًا، فبداية الكون في الزمان والمكان صارت الآن حقيقة علمية، يكاد يُجمع عليها المجتمع العلمي كله، ولم يعد يُنادي بأزلية الكون إلا الملحد.
ولم يعد لفرضية أزلية الكون أي سند علمي أو تجريبي أو رصدي، بل كل الرصد العلمي يتجه نحو الإقرار ببداية الكون من اللازمان واللامكان، وهذا أمر بطبيعته يقلِق أي ملحد بسبب لوازمه اللاهوتية.
ولا أكاد أعرف الآن مَن يدعم أزلية الكون إلا الملحدين، وهنا يتجلى الصراع بين العلم والكهنوت الإلحادي، الصراع بين المعطيات العلمية والدوغما الإلحادية، وللأسف الشديد لن يتقبل الملحد ببساطة أن يتنازل عن أي أصل من أصول إلحاده مهما ارتفعت وثوقية العلم ووثوقية الأدلة التي يحملها، لأن القضية دين إلحادي كهنوتي وثني دوغمائي يتشربه قلب الملحد ويصير مع الوقت إيمانًا ودينًا يكرز- يُبشر- له الملحد ويدعو إليه.

ولا أكاد أُحاور مُلحدًا إلا وأجد عنده رصيدًا من النزوع نحو القول بأزلية الوجود، مع أن هذا أمر لم يثبت علميًا بأي شكل من الأشكال ولا صورة من الصور، لكنه الدين الإلحادي الجديد.
ولذا اعترف الفيزيائي الملحد [ستيفن وايننبرج] Steven Weinberg، أنه كان يتمنى نظرية الكون الثابت الأزلي، لأنها أكثر جاذبية، وأبعد عمَّـا نادت به الأديان.-4-
لكن أُمنيات ستيفن وايننبرج اصطدمت أول ما اصطدمت بحائط العلم نفسه، ولم يعد لها مكان داخل العلم المادي، يقول الفيزيائي البريطاني [دينيس شياما] DENNIS SCAIMA “لم أُدافع عن نظرية الكون المُستقر لكونها صحيحة، بل لرغبتي في كونها صحيحة، ولكن بعد أن تراكمت الأدلة تبين لنا أن اللعبة قد انتهت .”-5-
فاللعبة قد انتهت فعلاً، وبذلك يعترف[ أنتوني فلو] Antony Flew فيلسوف الإلحاد في القرن العشرين قائلاً “يقولون إن الاعتراف يفيد الإنسان من الناحية النفسية، وأنا سأُدلي باعترافي .. إن نموذج بداية الكون شيء محرج جداً بالنسبة للملحدين ، ذلك لأن العلم أثبت فكرة طالما دافعت عنها الكتب الدينية .”-6-

وبعد كل هذا سيظل الكهنوت الإلحادي هو المسيطر، والدوغما الإلحادية هي الصوت الأعلى رغم العلم ورغم الرصد، إن الأمر عندهم دين.
—————————-
1- من وحي كتاب – ثلاث رسائل في الإلحاد والعلم والإيمان، د. عبد الله بن سعيد الشهري، مركز نماء للبحوث والدراسات، الطبعة الأولى14
2- المصدر السابق
3- Wittganstein, L., Tractatus Logico-Philosophicus, p.183.
4- عالم داخل العالم .. نيل توروك.. ص 226
5-Introduction..The Unity of the Universe. N.Y., Doubleday ..Dennis William Sciama…introduction
6- Henry Margentau, Roy A. Vargesse. Cosmos, Bios, Theos. La Salle IL: Open Court Publishing, 1992, 241

 

 

0 0 votes
Article Rating