الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية

 الامام /محمد أبو زهرة

اساس انقسام الكنيسة إلى شرقية وغربية:106- كان فيما ذكرناه أعظم الانقسامات القديمة شأناً، وأبعدها أثراً، أن استثنينا الكنيسة القبطية، انقسام الكنيسة إلى يونانية ولاتينية وما يتبع ذلك الانقسام من انشقاق في المسيحية كلها، وما تفرع عن الأولى من فروع وفرق، وإنا نكتفي بهذا القدر من القول في الفرق القديمة التي مازال منها بقايا إلى أيامنا الحاضرة، ونختم القول فيها بانقسام الكنيسة إلى يونانية شرقية ولاتينية غربية، وقد نوهنا إلى الانقسام عند الكلام في المجامع، وأشرنا إلى أسبابه بالإجمال.وقد تبين من هذا أن أساس الخلاف بين كنيسة القسطنطينية التي آلت إليها رياسة الكنيسة الشرقية اليونانية قاطبة، وكنيسة رومة التي آلت إليها رياسة الكنيسة الغربية اللاتينية أمران:أحدهما – يتعلق بالاعتقاد – وهو أن كنيسة القسطنطينية ومن والاها من بعد اعتقدوا أن الروح القدس من الأب وحده، لا من الأب والابن، وكنيسة روما ومن والاها قد اعتقدوا أن الروح القدس منبثق من الأب والابن معاً، وعقد كل فريق مجمعاً تابع اعتقاده وتابعه فيما اقتنع به، وكان المجمع المتابع لرومة سنة 869، والمشايع للأخرى بعده بعشر سنوات سنة 879.ثانيهما – لا يتعلق بالاعتقاد – ولكن يتعلق بالرياسة الكهنوتية، أهي لكنيسة القسطنطينية أم لكنيسة رومة؟ لقد قرر المجمع الذي شايع رومة أن تكون لرومة، فرئيس كنيستها هو الحبر الأعظم والرئيس الروحي للمجمع، وقرر المجمع الذي شايع القسطنطينية رفض تلك الرياسة وعدم الاعتراف بها، ويعتبرون رئيس القسطنطينية رئيساً عاماً للكنيسة.ولقد تبع الاختلاف في هاتين المسألتين الرئيسيتين خلاف في مسائل أخرى أوجدها تتابع السنين واستمرار الشقاق، فقد كثرت أوجه الاختلاف في مسائل فرعية منها:ولقد كان يأتي الفينة بعد الأخرى صوت يدعو إلى الوحدة والالتئام بدل الاستمرار غلى الفرقة والانقسام، فتعقد لأجل هذا مجامع، وترسل الوفود، ولكن ما أن يتلاقى المتخاصمان، حتى تعاد أسباب النزاع جذعاً، إذ كل واحدة ترغب في أن تنزل الأخرى عن رأيها، فتلاحى كل واحدة عما تعتقد، فيشتد الجدل، ويحمى وطيس القول، فتفترقان، وقد زادت القطيعة قوة واحتداماً.
محاولة إزالة الخلاف:حاول أحد بطارقة روما في منتصف القرن الحادي عشر أن يجمع الشتات، ويلم الشمل، وعرض مبادئ تكون أساساً للمصلحة، رفضها بطريرك القسطنطينية، وأصدر الأول قراراً بحرمان الثاني، فأصدر هذا قراراً بحرمان الوفد الذي أعرض عليه الشروط.وهكذا ازدادت الفرقة بسبب ذلك التلاقي، وأغرى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، ويظهر أن السبب في ذلك ما تعتقده كل واحدة منها أن الأخرى خارجة على الدين، ورغبة كل واحدة في أن تجتذب الأخرى إليها كما بينا.انتقاد مسيحي للكنيسة الغربية:ويقول في ذلك صاحب سوسنة سليمان: “أن الكنيسة الرومانية تدعى أن كل المذاهب المسيحية على وجه الإطلاق هي شيع هرطوقية خارجة منها، ومنفصلة عن شركتها. وهذه الدعوى تصح لأية كنيسة أمكنها أن نتبت لذاتها الأقدمية في الثبات على المعتقدات الصحيحة الأصلية. أما كنيسة رومة، فليس لها في هذه الدعوى إلا الاستيلاء على أمانة صندوق التقليدات.غير أن سلامة الذوق تقتضي بأنه كلما قلت التقاليد في كنيسة من الكنائس دل على اقدميتها بالنسبة التي تزيد عليها فيما هو من هذا القبيل، لأن التقاليد على ما يستبين من مجريات رومة قابلة للزيادة، والزيادة أحداث، والأحداث في الدين لا ريب في إنه بدعة، والإبداع هو عين ما يسميه المسيحيون هرطقة”.ونرى من هذا أن صاحب هذا الكتاب ينتقد الكنيسة الغربية بكثرة ولعل السبب في ذلك النقد ليس مجرد الحق، بل كونه ليس من مذهبا وإلا كان كل ما تقوله مقدساً لا بدعة فيه.108- وقد بينا البلاد التي تتبع الكنيسة الغربية، وكانت فيما مضى كل أوربا تقريباً، وبعض طوائف آسيا.
بطارقة الكنيسة الشرقية:أما البلاد التي تتبع الكنيسة الشرقية، فأكثرهما في الشرق كما أسلفنا من القول، ولها بطاركة.وأولهم بطريرك القسطنطينية، وهو كبيرهم ويضيئون إلى لقبه وصف إنه البطريق المسكوني، ويقول صاحب سوسنة سليمان: “إنه ليس إلا لقباً تشريفياً فقط، فليس له تسلط على غيره من البطارقة أو الأساقفة المستقلة بوجه قانوني أصلاً”.ويليه في الرتبة والمكانة الدينية بطريرك الإسكندرية للأورام الأرثوذكس ثم بطريرك أنطاكية، ثم بطريرك أورشليم، ثم المجمع الروسي، ثم عدة مجامع لأسقفيات مستقلة أخرى كأسقفية أثينا، وأسقفية قبرص وغيرهما.وقد ظهرت في روسيا التي كانت تسودها هذه الكنيسة شيع وفرق كثيرة بلغ عددها نحو مائتي نحلة، وتعداد أصحاب هذه الفرق الجديدة مجتمعة لا يزيد عن خمسة عشر مليوناً.فمنهم فرقة لا ترى تعميد الأطفال، ومنهم شيعة تحسن للنصراني أن يقتل نفسه في حب المسيح، ومنهم شيعة يحرقون أنفسهم لتعمدهم النار، فيتطهروا بها، ومنهم شيعة تلتزم الختان باعتباره كان المسيحية الأولى، وفي التوراة التي تعتبر النصرانية مجددة لها، وهكذا تختلف النحل وتتباين، وكل واحدة تعتقد أن رأيها هو محض الحق المبين.

0 0 votes
Article Rating