الحمد لله الذي يقذف بالحق على الباطل فيَدمغه فإذا هو زاهق، وأصلّي وأسلّم على سيدنا محمد القائل: ((تركتُ فيكم أمرَين لن تضلوا ما تمسَّكتم بهما: كتاب الله وسنَّة رسوله)) صلى الله عليه وسلم.

وقال صلى الله عليه وسلم: ((ألا إنني أُوتيتُ الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان مُتَّكئ على أريكته يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأَحِلُّوه، وما وجدتُم فيه مِن حرام فحرِّموه…)) إلخ الحديث؛ رواه أبو داود، وفي رواية أخرى قال صلى الله عليه وسلم: ((يوشك أن يقعد الرجل منكم على أريكته يحدِّث بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه وما وجدناه فيه حرامًا حرَّمناه، وإن ما حرَّم رسول الله كما حرم الله))، قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: “فقد ضيَّق رسول الله على الناس أن يردُّوا أمره بفرض الله عليهم اتباع أمره”؛ انظر: الرسالة؛ للشافعي.

صدقت يا سيدي يا رسول الله بما أخبرت؛ فقد دلَّ الحديث على معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد ظهرت فئة في القديم – كالخوارج والرافضة – تمسَّكوا بظاهر القرآن وتركوا صحيح السنَّة، ثم خلف من بعدهم خلف ساروا على طريقتهم شِبرًا بشبرٍ، وذراعًا بذراعٍ حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخَلوه.

واليوم تطل علينا هذه البدعة من جديد لتردِّد قول الخوارج والرافضة: “بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالاً استحللناه، وما وجدناه حرامًا حرمناه”، ﴿ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ﴾ [الكهف: 5].

حديث عرض السنَّة على القرآن مكذوب:

أما الحديث الذي يَرويه القائلون بعدم استقلال السنَّة بالتشريع، وهو ((إذا جاءكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق فخذوه وما خالف فاتركوه))، فقد بيَّن أئمة الحديث ونقّاده أنه موضوع مختلق على النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وضعته الزنادقة كي يصلوا إلى غرضهم الدنيء من إهمال الأحاديث، وقد عارض هذا الحديث بعض الأئمة فقالوا: عرضنا هذا الحديث الموضوع على كتاب الله فوجدناه مُخالفًا له؛ لأنا وجدنا في كتاب الله: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر: 7]، ووجدنا فيه: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ [النساء: 80]، ووجدنا فيه تحذيرًا من رب العزة، فقال تعالى في سورة النور: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور: 63].

وهكذا نرى أن القرآن يكذِّب هذا الحديث ويردُّه، فعلى مَن لا يأخذ إلا بالقرآن أن يأتي لنا من القرآن بنصٍّ يأمرنا ألا نأخذ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم!

وعليه فمِن البديهي أن المرء كلما كان عالمًا بالسنَّة الصحيحة، كان أحرى بفهم القرآن واستنباط الأحكام منه ممَّن هو جاهل بها، فكيف بمن هو غير معتدٍّ بها ولا ملتفت إليها أصلاً؟

مقام السنَّة: فالسنة كما قال العلماء المتخصصون في علوم الحديث:

هي الأصل الثاني من أصول الإسلام المقرَّرة، وهي كنز من كنوز الوحي الإلهي والاجتهاد المحمَّدي الذي أقرَّه الله عليه.

ويقول الإمام ابن حزم في الأحكام: لا خلاف بين أحد من أهل اللغة والشريعة في أن كل وحي نزل من عند الله فهو ذِكْر منزل، فالوحي كله محفوظ بحفظ الله تعالى له بيقين، وكل ما كفَل الله بحفظِه فمَضمون ألا يضيع منه وألا يحرَّف منه شيء أبدًا تحريفًا لا يأتي البيان ببطلانه.

ثم ردَّ ابن حزم على من زعم أن المراد بالذِّكر في الآية القرآن وحده، فقال: “هذه دعوى كاذبة مجرَّدة عن البُرهان وتخصيص للذِّكر بلا دليل.

والذِّكر اسم واقع على كل ما أنزل الله على نبيِّه من قرآن أو سنَّة، وحي يُبين بها القرآن وأيضًا فإن الله تعالى يقول في سورة النحل: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾ [النحل: 44].

فصحَّ أنه صلى الله عليه وسلم مأمور ببيان القرآن للناس، وفي القرآن مُجمَل كثير؛ كالصلاة والزكاة والحج وغير ذلك مما لا تعلم ما ألزمنا الله تعالى فيه بلفظ، لكن ببيان النبي، فإذا كان بيانه عليه السلام لذلك المُجمل غير محفوظ ولا مَضمون سلامته مما ليس منه فقد بطل الانتفاع بنص القرآن فبطلت أكثر الشرائع المفروضة علينا فيه، إذا لم نَدْرِ صحيح مراد الله تعالى منها” ا. هـ الإحكام جـ 1.

ويقول الإمام الشوكاني: “إنَّ ثبوت حجية السنة المطهَّرة واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينية، ولا يخالف في ذلك إلا مَن لا حظَّ له مِن الإسلام”.

وصدَق الشوكاني: فإنه لم يُخالف في الاحتجاج بالسنَّة إلا الخوارج والروافض، فقد رفضوا كل صحيح من السنَّة وتمسَّكوا بظاهر القرآن فضلُّوا وأضلوا وحادوا عن الصراط المستقيم ا. هـ؛ “إرشاد الفحول”، وقصارى القول: إن إنكار حجيَّة السنَّة والادِّعاء بأن الإسلام هو القرآن وحده لا يقول به مسلم يعرف دين الله وأحكام شريعته تمام المعرفة، وهو يُصادم الواقع، فإن أحكام الشريعة إنما ثبَت أكثرها بالسنَّة، وما في القرآن من أحكام إنما هي مجملة وقواعد كلية في الغالب، وإلا فأين نجد في القرآن أن الصلوات خمس، وأين نجد عدد ركعات الصلاة ومقادير الزكاة وسائر أحكام المعاملات والفرائض، إنما في القرآن جُمل لو تُركْنا وإياها لم ندْر كيف نعمل فيها، وإنما المرجوع إليه في كل ذلك النقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، مِن مصادر السنَّة الصحيحة المعروفة عند أهل العلم بالحديث ورجاله.

الصحيحان: هما “صحيح البخاري” و”صحيح مسلم”، فمتى ذكر هذا اللفظ ينصرف إليهما، وأحيانًا يقال: “ما اتفق عليه الشيخان”؛ أي: البخاري ومسلم، ويَعتبر العلماء صحيحي البخاري ومسلم من أصح كتب الحديث، حتى إنهم قالوا: إن أصح كتاب بعد كتاب الله هو “صحيح البخاري”، وقد تلقتهما الأمة بالقبول، وعلى كل مسلم مؤمن بتراثه الإسلامي أن يعلم أن صحيح البخاري وصحيح مسلم يقعان في الطبقة الأولى بين كتب الحديث الصحيحة، إذًا ليس من الصواب ولا من الفقه ولا من مصلحة الإسلام أن تثار الترَّهات حول صحة هذين الكتابين الجليلين.

وللأسف نجد اليوم أناسًا ممَّن يدعون الإسلام، ويكتبون عن الإسلام، ونالوا شهرتهم عن طريق كتاباتهم في الإسلام – يطعنون في أعظم المصادر للإسلام، وهي السنَّة المطهَّرة، وأسهل عبارة يَكتبونها: “إن هذا الحديث أو ذاك من الإسرائيليات، أو إن القرآن لم يُشِر إلى ذلك لا بالنصِّ ولا بالتلميح”، ومنهم مَن قال: ليس لدينا إلا كتاب واحد مقدَّس هو القرآن الكريم وما عداه من كتب يُؤخذ منها ويردُّ عليها، فهم رجال ونحن رجال!

والعجيب مِن هؤلاء الكتَبة أنهم يُفسِّرون القرآن بأهوائهم وعقولهم دون الاستعانة على ذلك بالسنَّة الصحيحة، بل السنَّة عندهم تبع لأهوائهم، فما وافقهم منها تشبَّثوا به، وما لم يوافقهم منها نبذوه وراءهم ظهريًّا.

وليعلم مَن تُسوِّل له نفسه ويطاوعه قلمه ويَرفض بجهله أحاديث صحيحة أو يُشكك في مصادر السنة المُعتمدة، فهو يَخون جهرة وعلانية أمانة البيان وأمانة القلم، ويكون عمله هذا غشًّا وخداعًا وكذبًا واجتراءً على ما لا يُحسن، وصدق الله – جل ثناؤه – حين قال: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ [الإسراء: 36].

وليكن شعارنا: “ارفعوا أيديكم عن صحاح السنَّة”، وافتحوا قلوبكم وعقولكم لدراستها من منبعها الإسلامي الأصيل بعيدًا عن آراء المستشرقين التي بثُّوها في كتبهم محرَّفة بقصد تقويض صرح الإسلام الشامخ، وذلك بتقويض دعامتَيْه؛ القرآن والسنَّة؟ وإنهم لما عز عليهم التشكيك في القرآن – على كثرة ما حاولوا – ركَّزوا معظم جهودهم في السنَّة بحجة عدم تواترها في تفصيلها؟ فالْتبس الأمر على بعض الكتَبة، وتارة أخرى عن طريق اختلاق الروايات التي تُظهر الأحاديث النبوية بمظهر السطحية والسذاجة في التفكير ومخالفة الواقع المَحسوس أو العقل الصريح أو النقل الصحيح أو التجربة المسلَّمة إلى غير ذلك من الأساليب، حتى كان من أثر ذلك ما يَطلع علينا به بعض من كتبوا في الإسلام بين الحين والحين، ومنهم الكاتب عبدالرزاق نوفل – رحمه الله – في كتابه “أسئلة حَرِجة”؛ إذ يقول: لا شكَّ أن كل هذه الأحاديث والسير يُعرف أصلها إذا ما قرأنا ما يتداول في الكتب من نصوص يقول: “كان للنبي درع عند يهودي رهَنها على أكله وأكل أهله، فما وجد من يفكها حتى مات” ثم يقول: “فكيف يَرهن درعه – وهو كسلاحه – على أكله وأكل أهله، في الوقت الذي تأكَّدت فيه الدولة الإسلامية وانتشر الإسلام شرقًا وغربًا وشمالاً وجنوبًا، وأثرى المسلمون من تجارتهم، فكان عبدالرحمن بن عوف يقطع الذهب بالفأس، وجهَّز عثمان جيش العسرة كاملاً، كل هؤلاء المسلمين لم يجد الرسول ليَرهن عند أحدهم درعه فيرهنه عند يهودي، إن الفكرة واضحة، والغرض ظاهر، والأصل في وضع الحديث لا شك قد بان، ثم كيف يجوع ويرهن درعه…”، انتهى كلام الكاتب بالنص، وكأنه منقول من كتاب “تأويل مختلف الحديث” لابن قتيبة بلسان الرافضة في عصره، وقد رد عليهم وسيأتي بيان ذلك.

والآن نبدأ في كشف الشبهات حول حديث رهن درع النبي صلى الله عليه وسلم؛ حتى لا يشيع الباطل بدون إيضاح الحق، وحتى لا يصح إلا القول الصحيح:

روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: “اشترى طعامًا من يهودي إلى أجَلٍ ورهَنه درعًا من حديد”.

ويقول ابن حجر في “فتح الباري”: الحديث له أطراف في عدة مواقع من الصحيح تحت رقم: 2068 – 2096 – 2200 – 2251 – 2252 – 2386 – 2509 – 2513 – 2916 – 4467 – من كتاب البيوع جـ 4.

ويقول ابن حجر في أول كتاب الرهن: قال العلماء: الحكمة من عدوله صلى الله عليه وسلم عن معاملة مياسير الصحابة إلى معاملة اليهود إما لبيان الجواز، أو لأنهم لم يكن عندهم إذ ذاك طعام فاضل عن حاجتهم، أو خشي صلى الله عليه وسلم أنهم لا يأخذون منه ثمنًا أو عِوَضًا فلم يُرِد التضييق عليهم، فإنه لا يبعد أن يكون فيهم إذ ذاك مَن يقدر على ذلك وأكثر منه، فلعلَّه لم يُطلعهم على ذلك، وإنما أطلَعَ عليه مَن لم يكن موسرًا به ممَّن نقَل ذلك، والله أعلم”؛ فتح الباري جـ 5، ودليل الفاتحين جـ 2.

ويقول الشوكاني في “نيل الأوطار” أول كتاب الرهن: عن أنس قال: “رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعًا عند يهودي بالمدينة، وأخذ منه شعيرًا لأهله”؛ رواه أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجه، ثم يقول: وقوله: “عند يهودي” هو أبو الشحم كما بيَّنه الشافعي والبيهقي من طريق جعفر بن محمد عن أبيه “أن النبي صلى الله عليه وسلم رهَن درعًا له عند أبي الشحم اليهوديِّ – رجل من بني ظفر – في شعير”.

ويقول: والأحاديث المذكورة فيها دليل على مشروعية الرهن، وفيه من الفقه جواز الرهن في الحضَر، ومعاملة أهل الذمة، وجواز رهن السلاح عندهم لا عند أهل الحرب بالاتِّفاق وجواز الشراء بالثمن المؤجَّل”، انتهى، نيل الأوطار جـ 5.

ليس جديدًا ولا مبتكرًا رفض هذا الحديث:

وليعلم الرافضون أن رفضهم للصحيح من السنَّة ليس جديدًا ولا مُبتكرًا؛ فقد سبقهم الخوارج والرافضة وتصدى لهم ابن قتيبة في كتابه “تأويل مختلف الحديث” وهو من القرن الثالث الهجري، وقد تعرَّض لحديث رهن الدرع ورد على الرافضة بقوله: “ونحن نقول: إنه ليس في هذا ما يُستعظم، بل ما يُنكر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤثر على نفسه بأمواله ويفرِّقها على المحقِّين من أصحابه وعلى الفقراء والمساكين وفي النوائب التي تنوب المسلمين، ولا يرد سائلاً، ولا يُعطي – إذا وجد – إلا كثيرًا، ولا يضع درهمًا فوق درهم، وقالت له أم سلمة: يا رسول الله، أراك ساهم الوجه، أمِنْ علَّة؟ فقال: ((لا، ولكنها السبعة الدنانير التي أتينا بها أمس نسيتها في خصم الفراش فبتُّ ولم أقسِّمها))، وكانت السيدة عائشة رضي الله عنها تقول في بكائها عليه: “بأبي مَن لم ينَمْ على الوثير، ولم يشبَعْ مِن خُبزِ الشَّعير”، وليس يخلو قولها هذا من أحد أمرين؛ إما أن يكون يُؤثِر بما عنده حتى لا يبقى عنده ما يُشبعه، أو يكون لا يبلغ الشبع من الشعير ولا من غيره لأنه كان يكره إفراط الشبع، وقد كره ذلك كثير من الصالحين والمجتهدين، وهو صلى الله عليه وسلم أولاهم بالفضل وأحراهم بالسَّبق.

ثم يقول ابن قتيبة: وقد يأتي على البخيل الموسِر تارات لا يحضره فيها مال وله الضيعة والأثاث والديون، فيحتاج إلى أن يقترض وإلى أن يرهن، فكيف بمَن لا يَبقى له درهم ولا يفضل عن مواساته ونوائبه زاد؟! وكيف يعلم المسلمون وأهل اليسار من صحابته بحاجته إلى الطعام وهو لا يُعلمهم ولا ينشط في وقته ذلك إليهم؟! وقد نجد هذا بعينه في أنفسنا وأشباهنا من الناس، ونرى الرجل يحتاج إلى الشيء فلا ينشط فيه إلى ولده ولا إلى أهله ولا إلى جاره ويبيع النفيس من أمواله، ويَستقرض من الغريب والبعيد! وإنما رهن رسول الله درعه عند يهودي؛ لأن اليهود في عصره كانوا هم الذين يبيعون الطعام في المدينة، ولم يكن أحد من المسلمين يبيع الطعام لنهْيِه صلى الله عليه وسلم عن الاحتكار، فما الذي أنكروه من هذا حتى أظهروا التعجب منه؟!” انتهى من “تأويل مختلف الحديث” (ص: 142) طبع بيروت.

ويقول الزرقاني على المواهب: “إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى يهودي ليُسلفه طعامًا لضيف نزل عليه فأبى إلا برهْن، فرهنه درعه، وهذه عادة اليهود” ا هـ.

وجاء في المجلد الثاني من “المُنتخب من السنَّة”: قال العلماء: “إن السبب في عدوله صلى الله عليه وسلم عن معاملة أغنياء الصحابة إلى اليهود إما لبيان جواز معاملتهم، وإما علمه أنه لو أخذ من مياسير الصحابة مثل ذلك يأبون قبول ثمنه” انتهى.

لماذا الرفض؟ فالواقعة قد وردت في صحيح البخاري كما مر، ومجرد وجود الحديث في البخاري يجعله حقيقًا بكامل الثقة لا تجوز مناقشته – فضلاً عن رفضه – إلا بدليل من الكتاب والسنَّة وفقًا لقواعد علم مصطلح الحديث، فكيف إذا كان الحديث قد رُوي أيضًا في صحيح مسلم.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: “اشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم من يهوديٍّ طعامًا بنسيئة، فأعطاه درعًا له رهنًا”؛ رواه مسلم في كتاب المساقاة والمزارعة.

وهنا يقول الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم: “إن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهوديٍّ طعامًا إلى أجل ورهنَه درعًا من حديد، ويقول الإمام النووي: فيه جواز معاملة أهل الذمَّة والحكم بثبوت أملاكهم على ما في أيديهم، وفيها بيان ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من التقلُّل من الدُّنيا وملازمة الفقر، ويقول النووي: وفي الحديث جواز الرهن، وجواز رهن آلة الحرب عند أهل الذمة، وجواز الرهن في الحضر، وأما اشتراء النبي الطعام من اليهودي ورهنه عنده دون الصحابة، فقيل: فعله بيانًا لجواز ذلك، وقيل: لأنه لم يكن هناك طعام فاضل عن حاجة صاحبه إلا عنده، وقيل: لأن الصحابة لا يأخذون رهنه صلى الله عليه وسلم، ولا يقبضون منه الثمن، فعدَل إلى معاملة اليهوديِّ لئلا يُضيِّق على أحد مِن أصحابه”، انتهى كلام النووي جـ 4.

عظمة بغير حدود، وهي لنا تعليم وإرشاد:

لقد عزَّ على الرافضين أن يقال: إن سيدنا محمدًا رهَن درعه عند يهوديٍّ؛ تحت تأثير أسلوب المستشرقين الذي سرى إليهم، وقد حان الوقت للتحرز من سموم المستشرقين وعدم الوقوع في شباكهم؛ وذلك بالرجوع إلى تراثنا الإسلامي الأصيل، والرجوع إلى أهل الذِّكر من علماء الأمة.

وليعلم الرافضون أنه ليس اتفاق الأمة وعلمائها على صحة صحيح البخاري وفضله على سائر الكتب مجرَّد اتفاق ومصادفة، ولا عن تواطؤ ومؤامرة؛ فقد أعاذ الله هذه الأمة التي اختارها لحمل دينه وتبليغ رسالته من أن تكون فريسة غفلة وغباوة، وأن تجتمع على الضلال.

والخلاصة في القضية: ألا نَنسى ما تنطوي عليه الحادثة من عظمة بغير حدود، وتقطع بأن سيدنا محمدًا هو رسول الله حقًّا وصدقًا، ولم يكن ملكًا، فهذا الذي دانت له جزيرة العرب بكل ما فيها، والذي سيَّر الجيوش لمحاربة الروم والذي كان كل مَن حوله يفتديه بالنفس والنفيس، جاءه ظرف احتاج فيه إلى حفنات من شعير فاستلفها من يهودي ولم يَغتصبْها، وعندما خشي أن يتصوَّر اليهوديُّ أن سيدنا محمدًا يأخذ ما يأخذ من ماله بقوة السلطان، كان هذا الإجراء من إرساله درعه لتكون رهنًا لحين مَيسرَة.

والموضوع في حقيقته يراد به التعليم والتوجيه والإرشاد، فها هو يهودي مُستأمن يعيش في كنَف المسلمين، فشاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُعلِّمنا إلى أبد الآبدين كيف يكون التعامل.

فليَحذر الرافضون لحديث رسول الله أن يَرفضوا مثل هذه الأحاديث النبوية الصحيحة حسب مزاجهم، أو ما يَرون هم من وجهة نظرهم القاصر أن هذا يصحُّ أو لا يصح، فأحاديث النبي مروية في الكتب، وقد عرف الصحيح منها والضعيف والموضوع.. إلخ، وإن الأئمة الجامعين للسنَّة عنوا – مع الجمع – بنقد الأسانيد والمتون، وعرفوا أحوال الرجال من الجرح والتعديل، وخبروهم بمخبار النقد الصحيح، ولم يقبلوا رواية راوٍ إلا بعد أن تحرَّوا عنه ووَثقوا من دينه وعقله وعدالته وأمانته، وكذا عُنوا بنقد المتون نقدًا عِلميًّا أصيلاً يَمتاز بالتروِّي والانقياد والتبصُّر، لا بالتهجُّم والتسرُّع والدعاوي التي لم يَقُم عليها دليل.

فواجبنا اليوم وكل يوم: أن نَحرص على سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونَنفي عنها تحريف الغالين وانتحال المُبطلين وتأويل الجاهلين وكشف شبُهات الرافضين، وأن نَصونها من سهام المستشرقين أعداء هذا الدين الذين يتربصون به الدوائر، أولئك الأعداء الذين أدركوا أن سرَّ عظمة هذه الأمة في كتاب الله العظيم والسنَّة المطهَّرة، فهاجموا هذين الأصلين، وقد حاولوا قديمًا اقتحام القرآن وتحريفه ولكنهم باؤوا بالفشل الذريع؛ فقد تكفَّل الله بحفظه.

وواجبنا اليوم وكل يوم: أن نقوم بدراسة السنَّة المطهَّرة والذَّود عن حماها، والرد على ما يثار من أباطيل وشُبَه حولها، والضرب على أيدي الرافضين لصحيح السنَّة والمشككين فيها بأيد من حديد، وواجبنا الرجوع إليها عند الاختلاف؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ [النساء: 59]، ويقول – جل ذكره -: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ [النساء: 65]، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين))؛ رواه الخطيب البغدادي في “شرف أصحاب الحديث”، وصلى على سيدنا محمد الذي لا ينطق عن الهوى.

0 0 votes
Article Rating