الحمد لله الملك العلام، الذي هدانا للإسلام، وجعلنا من خير أمة أخرجت للأنام، تأمر بالمعروف وتنهى عن الآثام، والصلاة والسلام على نبينا محمد خاتم الرسل الكرام، وعلى آله وصحبه ومن على شرعه استقام.

 

وبعد؛ فلا تشتد حاجةُ الأمة إلى شيء إلا وفي شريعتنا ما يقتضي إباحتُه وتوسعته، فأغنانا الله عن أعياد الجاهلية بعيدي الفطر والأضحى، وعن الرِّبا والقمار والميسر بالبيع والشراء والتِّجارات المباحة، وعن الأشربة الخبيثة المسكرة بالأشربة الطيبة النافعة، وعن المزامير والغناء وقرآن الشيطان بالآيات البينات وقرآن الرحمن، وعن الاستقسام بالأزلام وأبراج الحظ والتعلق بالأوهام والخرافات أغنانا بالاستخارة الشرعيَّة التي هي توحيد وتوكُّل وتفويض واستعانة، وباستشارة العقلاء والاهتداء بتجارب الحكماء، وعن الفرح بما يَجمعه أهلُ الدنيا بالفرح بفضل الله ورحمته، وعن عبادة الأوثان والهوى والشيطان بعبادة الله الواحد الديان القائل: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56].

 

والعبادة: أن تعمر أرض الله بمنهج الله، وأن تعمل لدُنياك كأنَّك تعيش أبدًا، وتعمل لآخرتك كأنَّك تموت غدًا، وهي تحقيق قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأنعام: 162 – 163].

 

عبادة تشمل جميع جوانب الحياة وسائر أرجاء الكون، ومن لم يُحققها كان شقيًّا محرومًا؛ لذا يَسَّرَها الله بأمور ثلاثة:

 

الأمر الأول: جعلها فطرةً فطر عليها سائر خلقه؛ حيث قال تعالى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم: 30].

 

وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: ((كلُّ مولودٍ يولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه أو يُنصِّرانه أو يُمَجِّسانه))، وفي الحديث: ((خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين)).

 

ومن لم يكن عابدًا لله كان عابدًا لسواه ولا بد، فلا انفكاكَ له عن عبودية؛ لذلك كان في البشر مَنْ عَبَدَ الكواكب والنُّجوم والأشجار والأحجار، وكلما تطور الإنسان تطورت معبوداتُه، وصدق الشاعر حين قال:

هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ♦♦♦ فَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ

 

الأمر الثاني: أنزل الله إلينا شرعًا كاملاً ومنهاجًا شاملاً، فأكمل الدين وأتَمَّ النعمة؛ حيث نزل على رسول الإسلام قولُه تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]، فبينت الشريعة لأتباعها تفاصيلَ حياتهم من الميلاد حتى الممات، ما لَهم من حقوق وما عليهم من واجبات تجاه خالقهم وأنفسهم وإخوانهم؛ لذا حرم الله الزيادة على شرعه بالابتداع في الدين، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((مَن أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد))؛ أي: مردود عليه.

 

وأباح لنا في المقابل أن نخترع ونبتدع في أمور الدُّنيا ما شئنا، فقال صلى الله عليه وسلم: ((أنتم أعلم بأمور دُنياكم))، ما لم يتعارض مع شرعنا الحنيف.

 

أمرنا أن نتبع في أمور الدين ولا نبتدع؛ لأنه كامل صالح لكل زمان ومكان، وأن نبتدع ونبتكر في أمور الدنيا؛ لنواكب الحياة المتطورة في وسائلها المتجددة في أشكالِها القافزة في كل لحظة إلى الأمام.

 

ولكن اختلَّ الأمر عند كثير من المسلمين أقبلوا على أمور الدين، فاخترعوا وابتدعوا، وطوَّروا حتى انطمست معالِمُ الدين في كثير من البقاع، وفي المقابل جمدوا في أمور الدُّنيا، وكانوا عالةً على غيرهم، لم يتقدَّموا في علم ولم يتفوَّقوا في سلاح نقيض ما أرادت الشريعة، فكان التأخُّر والانهزام.

 

فلْنُعِدْ – إخوةَ الإسلام – الأمرَ إلى نصابه، ونزن المعادلة وزنَها الصحيح؛ لنتبع في أمور الدِّين ونبتكر في أمور الدنيا؛ لنعود إلى ريادتنا في مقدمة الأمم؛ حيث كنا خير أمة أخرجت للناس.

 

الأمر الثالث: سخَّر الله لنا الكون بمخلوقاته؛ لنستعين به على عبادته، ولنعمر الأرض بشريعته، فقال – جَلَّ وعلا – مذكرًا: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ﴾ [الجاثية: 13].

 

فالكون كلُّه مسخر للمسلم؛ ليعبد الله كما أراد الله؛ لذا كانت علاقة المسلم بالكون علاقةَ انسجام واتِّساق، وليست علاقة صراع وصدام، ويتجلَّى ذلك في الآتي:

 

أالحب: فالكونُ يُحِبُّ الطائعين، ويُبغض العاصين؛ قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن جبل أحد: ((هذا جبلٌ يُحبنا ونحبه))، وسَلَّم عليه الحجر، وبكى الجذع، وسبَّح الطعام بين يديه صلَّى الله عليه وسلَّم وبكت الأرض لفراق العابدين، وكذلك السماء؛ حيث قال الله تعالى عن غير العابدين لله: ﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ ﴾ [الدخان: 29].

 

ب- النصرة والتأييد لأصحاب الدين، والعداء لأعداء الدين؛ قال تعالى عن شعور الكون نحو من أساء الأدب مع الله تعالى: ﴿ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ﴾ [مريم: 89 – 91]، بل سيشارك الكون في الحرب الأخيرة ضد أعداء الدين، فينطق الشجر والحجر ((يا مسلم، يا عبدالله، هذا يهودي خلفي، فتعالَ فاقتله)).

 

فالحمد لله الذي أعَزَّنا بهذا الدين، ونسأله أن يثبتنا عليه حتى الممات.

 

الأستاذ عادل عبدالوهاب

♦ دراسات عليا في الإعلام (تمهيدي ماجستير).

♦ معلم للتربية الإسلامية بالمدارس الثانوية.

♦ خطيب مسجد ابن تيمية.

♦ إجازة تدريس القرآن بالقراءات العشر.

 

0 0 votes
Article Rating