سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه – الزهري القرشي

“مستجاب الدعاء”

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، والله لقد اشتاقَت نفسي لرؤيا صحابةِ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رضوان الله عليهم أجمعين، فهم رجالُ الصِّعاب، وهم بُناة الإسلام، وهم مَن أعزَّ الله الإسلام بهم، رجال إذا وقفوا على الجبال تخشع؛ لأنهم حَفَظة كتاب الله، أعزهم الله بالإسلام وأعز الإسلام بهم، رجال صدَقوا الرسول – صلى الله عليه وسلم – في كلِّ صغيرة وكبيرة، وها نحن اليوم نقف مع صحابي جليل من العشرة المبشرين بالجنة، هو سعد بن أبي وقاص.

 

سعد بن أبي وقاص – رضي الله عنه -:

واسمه مالك بن أهيب بن عبدمناف القرشي، أبو إسحاق الزهري، أحدُ العشرة، وفارس الإسلام.

 

روى عن النبي – صلى الله عليه وسلم – وعن خولة بنت حكيم، وعنه بنوه إبراهيم، ومحمد، وعمر، وعامر، ومصعب، وابن عباس، وابن عمر، وجابر بن سمرة، وعائشة، وسعيد بن المسيب، وخلق.

 

شهِد بدرًا، وافتتح القادسية، واختطَّ الكوفة[1].

 

قال ابن عبدالبر:

“كان أحد الفرسان الشجعان الذين كانوا يحرسون رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في مغازيه، وهو الذي كوَّف الكوفة، وطرد الأعاجم، وتولى قتال فارس، أمَّره عمرُ على ذلك، وفتح الله على يديه أكثر فارس، ثم كان ممَّن لزم بيته في الفتنة، ومات في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وحُمِل على الرقاب إلى البَقيع فدُفِن به في سنة خمس وخمسين، وقيل سنة ست، وقيل سنة سبع، وله بضع وسبعون سنة، وهو آخر العشرة وفاةً.

 

مواقفه مع الرسول – صلى الله عليه وسلم -:

• كان مشهورًا بإجابة الدعوة، دعا له النبي – صلى الله عليه وسلم -: ((اللهم استَجِبْ لسعدٍ إذا دعاك))[2].

 

• كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يفتخرُ بسعد بن أبي وقاص؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هذا خالي فليُرِني امرؤ خالَه))[3].

 

• عن علي – رضي الله عنه – قال: ما سمِعتُ النبي – صلى الله عليه وسلم – جمع أبوَيه لأحد إلا لسعد بن مالك، فإني سمعتُه يقول يوم أُحُد: ((يا سعد، ارمِ فداك أبي وأمي))[4].

 

• عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: كان النبي – صلى الله عليه وسلم – سهر، فلما قدم المدينة، قال: ((ليت رجلاً من أصحابي صالحًا يحرُسُني الليلة))؛ إذ سمعنا صوت سلاح، فقال: ((من هذا؟))، فقال: أنا سعد بن أبي وقاص، جئتُ لأحرسَك، ونام النبي – صلى الله عليه وسلم[5].

 

مواقفه – رضي الله عنه -:

ثورة أمه عند إسلامه:

كان سعدٌ رجلاً بارًّا بأمه، فلما أسلَمت قالت: يا سعد، ما هذا الذي أحدثتَ؟ لتدعنَّ دينك هذا أو لا آكُلُ ولا أشرَبُ، ولا يعلوني سقفٌ حتى أموتَ فتُعيَّر فيَّ، فيقال: يا قاتل أمه، فقلت: لا تفعلي يا أماه، فإني لا أترك ديني هذا، فمكثت يومًا وليلة لا تأكل، فلما أصبحت جهدت، ومكثت يومًا آخر وليلة كذلك، فلما رأيتُ ذلك منها، قلت: تعلمين والله يا أماه، لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفسًا نفسًا ما تركت ديني هذا، فكُلِي إن شئتِ أو لا تأكلي، فلما رأتْ ذلك أكلت فنزلت هذه الآيات: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [العنكبوت: 8]، ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ [لقمان: 14]، ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأحقاف: 15]، وأمَره – صلى الله عليه وسلم – أن يرضيَها ويحسن إليها ولا يطيعها في الشرك[6].

 

أول مَن رمى بسهم في سبيل الله:

عن الزهري قال: بعَث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – سريَّة فيها سعد بن أبي وقاص إلى جانب من الحجاز يدعى رابغ، وهو من جانب الجُحْفة، فانكفأ المشركون على المسلمين، فحماهم سعد يومئذٍ بسهامه، فكان هذا أوَّل قتال في الإسلام، فقال سعد:

ألا هل أتى رسولَ اللهِ أني
حميتُ صحابتي بصدورِ نبلي
فما يعتد رامٍ في عدوٍّ
بسهمٍ يا رسول الله قبلي[7]

 

سعد بن أبي وقاص وقيادة ناجحة في القادسية:

تولَّى سعدُ بن أبي وقَّاص مهمة قيادة جيش المسلمين في أصعب مرحلة من مراحل الحرب في بلاد فارس والعراق، فاستطاع بفضل الله أولاً، ثم بكفاءته وقدرته القيادية، وتوجيهات أمير المؤمنين وجيش يملؤه الإيمان أن يهزمَ الفرس هزيمة ساحقة في القادسية.

 

كان أول قرارٍ صحيح اتَّخذه سعد أثناء قيادته للجيش هو اختياره لموقعِ القادسية من أجل المعركة الحاسمة مع الفرس، فقد توافرت في هذا الموقع:

1- عزلته عن أهل البلاد الذين لم يكن سعد ليشعر بالطمأنينة إليهم.

 

2- وقوع القادسية بين حاجزين جغرافيين (الخندق والعتيق) لحماية قواته.

 

3- قرب الموقع من الموارد الحياتية المياه والطعام، مما يضمن له سهولة التأمين الإداري لقوات المسلمين.

 

4- عدم وجود حاجز طبيعي يعوق حركة القوات، إذا ما أرادت الانسحاب وإعادة تجميعها لاستئناف القتال.

 

5- حصر الفرس عند القتال بحاجز طبيعي (نهر الفرات).

 

وقد كان من قراراته الصحيحة أثناء المعركة في ميدان القتال إرسال قوات لحماية النقاط الضعيفة، والتوغل والالتفاف من حول القوات، ثم تحديد بداية المعركة مع موعد الظهر؛ إذ تكون حدَّة الشمس قد ارتفعت عن أعين المقاتلين، وكذلك تنظيم عملية القتال الليلية (ليلة الهرير)، التي قررت مصير المعركة الحاسمة.

 

هذا هو سعد الصحابي الذي جاهد في سبيل الله، وفتح الكثير من البلاد ومَن كان يفتخر به رسول الله – صلى الله عليه وسلم.


[1] موطأ مالك، ت/ الأعظمي (6 / 52).

[2] سنن الترمذي، ت/ شاكر (5 / 649).

[3] المرجع السابق.

[4] صحيح البخاري (5 / 97).

[5] صحيح البخاري (4 / 34).

[6] عمدة القاري شرح صحيح البخاري (22/81).

[7] تاريخ الإسلام، ط. التوفيقية (3 / 236).