الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، حديثنا اليوم عن الصحابى الجليل الإمام أبوعبدالرحمن معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدى بن كعب بن عمرو الأنصارى الخزرجى المدنى البدرى، الشاب الوسيم، أكحل العين، براق الثنايا، ذو الحكمة الذى إذا تكلم يخرج من فمه نور ولؤلؤ، أسلم وهو فى ريعان شبابه وهو ابن 18 سنة، بما يعنى أنه عندما دخل فى الإسلام كان فى عمر النُّضج الجسمىّ المثالىّ والنَّشاط العقلىّ المتوقد، وشهد بيعة العقبة الثانية مع اثنين وسبعين رجلًا وامرأتين من الأنصار، وكانت هذه البيعة مقدمة للهجرة النبوية، ثم شهد مع النبى محمد- صلى الله عليه وسلم- مشاهده كلها، ورباه النبى صلى الله عليه وسلم- تربية رائعة وأحبه حبا كبيراً، حتى إنه صرح له بذلك، بل وأكده بيمين حلفها بالمولى، وكرر العبارة والكلمة ليقع فى قلب السامع عظيم قدر هذه المحبة، فأخذ بيده وقال: «يَا مُعَاذُ! وَاللَّهِ إِنِّى لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّى لَأُحِبُّكَ، أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لَا تَدَعَنَّ فِى دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّى عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ»، «رواه أبوداود»، ويقول: نعم الرجل معاذ بن جبل، ولاشك أن هذه العناية وهذه المحبة أثرت فى نفسية معاذ بن جبل، فدفعته لحفظ القرآن وإتقانه وتعلم الحلال والحرام، وقد لاحظ النبى صلى الله عليه وسلم هذه الموهبة الفذة، لذا لما فتح الله على المسلمين مكة استبقاه فيها ليُعلّم الناس تلاوة القرآن الكريم، ويفقههم فى أمر دينهم، ولأن الإسلام يقدم الكفاءات دون النظر إلى السن أو الجنس أو اللون أو النسب، إنما وفق المصلحة العامة والقدرات والمواهب التى اختص بها عباده، لذا وجه النبى صلى الله عليه وسلم أصحابه إلى الاستفادة من هذه الموهبة الفذة فقال: «أعلم أمتى بالحلال والحرام معاذ بن جبل»، وكأن النبى صلى الله عليه وسلم يقرر أن العلم هو المقدم وأن الدين لا يقوم على الضلالات والجهل والتخبط، وإنما يقوم على بناء علمى ثابت، ويشجع أبناءه على أن يكونوا علماء سابقين، لذا روى أن معاذاً يحشر يوم القيامة أمام العلماء برتوة-أى بخطوة- فقضية العلم هى القضية الأساسية التى بُنِى عليها الدين، ويستمر معاذ- رضى الله عنه- فى إتقانه للقرآن الكريم أكثر وأكثر، ويؤكد النبى لأصحابه سبق معاذ لكثيرين فى هذه الموهبة فيقول: «استقرئوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وسالم مولى أبى حذيفة، وأبى بن كعب، ومعاذ بن جبل»، ويختار النبى صلى الله عليه وسلم فى آخر حياته معاذ بن جبل لمهمة جليلة، اختاره مبعوثاً خاصاً لليمن، حتى عرف الصحابة قدره حتى بعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم، فقال عنه عمر بن الخطاب رضى الله عنه: عجزت النساء أن يلدن مثله، ولولاه لهلك عمر، وقال ابن مسعود: إن معاذ بن جبل كان أمةً قانتًا لله حنيفًا، فقيل إن إبراهيم كان أمةً قانتًا لله حنيفًا، فقال ما نسيت هل تدرى ما الأمة؟ وما القانت فقلت: الله أعلم، فقال: الأمة الذى يعلم الخير، والقانت المطيع لله عز وجل وللرسول، وكان معاذ بن جبل يعلم الناس الخير، وكان مطيعًا لله عز وجل ورسوله، بل عرف جيل التابعين قدر معاذ بن جبل فقال يزيد بن قطيب: دخلت مسجد حمص فإذا أنا بفتى حوله الناس، جعد قطط، فإذا تكلم كأنما يخرج من فيه نور ولؤلؤ، فقلت: من هذا؟ قالوا: معاذ بن جبل، وقال أبومسلم الخولانى: أتيت مسجد دمشق فإذا حلقة فيها كهول من أصحاب محمد- صلى الله عليه وسلم- وإذا شاب فيهم أكحل العين براق الثنايا كلما اختلفوا فى شىء ردوه إلى الفتى، قال: قلت لجليس لى من هذا؟ قالوا هذا معاذ بن جبل.