الحمد لله تقدَّس إجلالا وتعظيمًا, والصلاة والسلام على من أرسل للعالمين بشيرًا ونذيرًا. تحيةً طيبةً, وبعد:

لا جرم أنَّ الإشارات العلمية القرآنية التي رست إليها أبحاث العلماء_ ومنها اكتشافات القرن _كانت انفجارًا عظيمًا نتج عنه تصدُّعُ نعوشِ الكفر بملله ونحله, وخاصة اليهود والنصارى والملحدون. ونعشهم غدا مِنْسَأَةَ سُلَيْمَانَ, وسيدلُّهم على هذه الحقيقة تحقيق بشرى رسول الله_ صلى الله عليه وسلم _التي قضَّتْ مضاجع الكفر أو كادتْ!! وبشراه هي: «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ», رواه أحمد. وقد ظلَّ زمانها, وآن أوانها, فاللهم عجِّل بها, واجعلنا من شهودها وشهدائها.
لقد حاول الهالكون بذر الشكِّ في قلوب المؤمنين, فسعوا حثيثين خدشًا لأيَّةِ إشارةٍ علميةٍ قرآنيةٍ, وهُمْ بذلك إن لم ينالوا من إيمان المؤمنين, فيكفيهم أن يحافظوا على الأريسيين, ومن هذه المحاولات زجُّهم ببعض أقوال النبي_ صلى الله عليه وسلم _في دائرة الشكِّ؛ للطعن في هاتيك الإشارات العلمية القرآنية الرائعة الماتعة, ونأخذ واحدة من محاولاتهم_ وعبثًا حاولوا _؛ لنقف عليها:
************************
يوردون قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾, (البقرة: 29), ثمَّ يقولون: أين هي السموات السبعة تلك؟!
اعتقد الأكاديون القدامى, ومن بعدهم الأغاريق خطأً أن الكواكب والنجوم تعوم حولنا في سماوات متطابقة. أما اليوم, صور لنا تلسكوب هبل الكوني حتى (13) بليون سنة ضوئية, فالكون لا ينقسم إلى سبع طبقات كما يظن محمد!!
ولكن, ربما محمد على حقٍّ, وتلك السموات تقع خارج نطاق التلسكوبات الحديثة. لكن انظر معي الحديث التالي:
روى الترمذي عن أبي هريرة أنه قال: «هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقكُمْ؟ قَالُوا: اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم. قَالَ: إِنَّهَا الرَّقِيع: سَقْف مَحْفُوظ, وَمَوْج مَكْفُوف. ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ كَمْ بَيْنكُمْ وَبَيْنهَا؟ قَالُوا: اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم. قَالَ: بَيْنكُمْ وَبَيْنهَا خَمْسمِائَةِ سَنَة. ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْق ذَلِكَ؟ قَالُوا: اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم . قَالَ: فَإِنَّ فَوْق ذَلِكَ سَمَاءَيْنِ مَا بَيْنهمَا خَمْسمِائَةِ سَنَة, حَتَّى عَدَّ سَبْع سَمَاوَات, مَا بَيْن كُلّ سَمَاءَيْنِ كَمَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض, ثُمَّ قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْق ذَلِكَ؟ قَالُوا: اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم. قَالَ: فَإِنَّ فَوْق ذَلِكَ الْعَرْش, وَبَيْنه وَبَيْن السَّمَاء بُعْد مَا بَيْن السَّمَاءَيْنِ».
إذا افترضنا أن مسيرة يومٍ تصل إلى 100كم, فهذا يعني أنَّ عرش الله يبعد حوالي 146 مليون كم, ولكنَّ هذا أقلُّ بكثير من بعد الشمس عن كوكبنا, الأرض. من الواضح أنَّ محمدًا لم تكن لديه أدنى فكرة عن حجم مجموعتنا الشمسية, ناهيك عن حجم الكون كما نراه اليوم. هل يعقل أن يصدر هذا من لدن عليم خبير؟!
************************
هذه هي محاولتهم اليائسة البائسة, ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ * اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾, (المجادلة: 19). فلا بد من درء انتحالهم وتحريفهم وتأويلهم, وهو علينا_ بإذن الله _يسير. أقول_ وبالله التوفيق _:
· من تمام الفقه أمران: تبيُّن الحديث من حيث متنه وسنده, وتحري فهمه من حيث ألفاظه وصيغه. فاللهم أجرِ الحقَّ على ألسنتنا.
· بعد تبين الحديث ألفيت الآتي:
1. سند الحديث: يقول الألباني: حديث ضعيف.
2. إذن, شبهتكم غدت أثرًا بعد عين, فهل أنتم على شيء؟
· بعد تحري الحديث ألفيت الآتي:
1. مع أنَّ شبهتهم قد أفلت بعد تزييف شروقها, إلا أنَّه لا مانع من افتراض صحته وتحري فهمه؛ لئلا توسوس لهم أنفسهم شيئا, أو تسول لهم أمرًا.
2. من الأهمية بمكان, التنبه إلى تكرير لفظ (خَمْسِمِائَةِ سَنَة) أو (خَمْسِمِائَةِ عَامٍ).
3. هذا الزمن هو مسيرة المسافة بين السماء والأرض, وبين السماء والسماء, وبين السماء والعرش.
4. أسياقُ الحديثِ سياق تبيين حقيقة كونيةٍ أم تبيين قدرةٍ إلهية وعظمة ربانية؟ لا مرية في أنَّ السياق ليس سياق درس فلكيٍّ, بل سياق تدبُّرٍ وتأمُّلٍ نزولا عند قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾, (الجاثية: 13). وما كان يذكره النبي_ صلى الله عليه وسلم _هو مدعاة للتفكر في عظمة الله من حيث إتقان صنعه وبديع خلقه وإطلاق قدرته.
5. وهنا يرد سؤال: هل يستخدم العدد على غير وجهه؟!
6. الجواب: نعم, فثمَّة استخدام بلاغي للعدد, وهو استخدامه للدلالة على التكثير والتهويل والتعظيم, ومنه قول الله: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾, (البقرة: 96). أي الدهر وغاية الشيء. وقوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾, (القدر: 3). لها وجه غاية الشيء والدهر. وقوله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾, (التوبة: 80). فما عدد سبعين إلا عدد استخدم للتكثير والتهويل والتعظيم. وهكذا, هلمَّ جرًّا.
7. وقد يقول قائل: هل يأتي عدد (خَمْسِمِائَةِ عَامٍ) في استخدام بلاغي كألف وكسبعين؟
8. الجواب: نعم, ودليل ذلك أقوال النبي_ صلى الله عليه وسلم _:
ü وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا.
ü وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عامًا.
ü وإن رائحة الجنة لتوجد من مسيرة مائة عام.
ü وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام.
فالمدقق في هذه الأحاديث يرى أنَّ ريح الجنة توجد من مسيرة أربعين وسبعين ومائة وخمسمائة عام؛ فدلَّ ذلك على تعظيم رائحة الجنة التي تصل إلى مسافات ضخمة تفوق المسافة المستفادة من الأرقام, كلاً على حدة. ونرى الأحاديث جمعت بين العددين: (سبعين) و(خمسمائة), وهذا فيه دلالة واضحة سافرة على جواز استخدام العدد (خمسمائة) استخدامًا بلاغيًّا يفيد التكثير والتهويل والتعظيم.
9. وعليه, فمن سفاهة عقول القوم أنَّهم أخذوا يقيسون المسافات, استنادًا على الأرقام التي وردت في الحديث_ على فرض صحته _؛ لأنَّها لم تستخدم استخدامًا حقيقيًّا, بل استخدمت استخدامًا بلاغيًّا؛ ليفيد التعظيم والتكثير, وهذا فيه دلالة عظيمة على اتساع هذا الكون البديع. فسبحان الله!!
· إذن, عقل هؤلاء المحدود لم يستطع أن يفهم نصًّا لغويًّا, فكيف نأمنهم على ما كان كونيًّا؟! لا يكون هذا.

· ومن جهل السائل وحقده قوله:” من الواضح أنَّ محمدًا لم تكن لديه أدنى فكرة عن حجم مجموعتنا الشمسية, ناهيك عن حجم الكون كما نراه اليوم”. أفلا يعلم أنَّه روي عن النبي: ” أنّ الأرض في السماء كحلقة ملقاة في فلاة، وكل سماء في التي فوقها كذلك”, ذكر في التفسير المنير. وقال الألوسي:” وفي الخبر أن الأرض بالنسبة إلى السماء الدنيا كحلقة في فلاة، وكذا السماء الدنيا بالنسبة إلى السماء التي فوقها وهكذا إلى السماء السابعة”, روح المعاني. وهذه أمور لم تخف على رسول الله محمد, ولم ينتظر علم الفلك وإثباتاته حتى يصف حجم الأرض إذا ما قورنت بالسماء كحلقة في صحراء. نعم لا تعجب, كحلقة في صحراء. أفلا تعقل؟!

إيميل الكاتب للمراسلة: alhady_aligat@yahoo.com