الكتاب المقدس بين ضياع الأصول وتحريف النسخ

الدكتور / يزيد حمزاوي

قُبيل أن يموت شنودة الثالث بابا الكنيسة القِبطية المرقسية المصرية بأسابيع قليلة، سمعتُه وهو يجيب عن أسئلة الناس من كنيسة العبَّاسية بالقاهرة في لقائه الأسبوعي، طُرح عليه سؤال مفادُه: “لقد كثُرت ترجمات ونسخ الكتاب المقدس وهي مختلفة فيما بينها، فما هي النُّسخة الصحيحة منها؟”

فردَّ بابا الأقباط على السائل بقولِه: “إن النسخ التي لا توجد فيها العقيدة التي نُعلِّمها في كنيستنا هي نسخ “غلط”!

ما يمكن استنتاجُه من هذه الإجابة المختصرة، هو أنَّ رأس الكنيسة القِبطية المصرية يُقر بوجود نسخ “غلط” للكتاب المقدس، ولفظة “غَلَط” كلمة لا تحمل أكثرَ من دَلالة واحدة، وهي أنها نُسَخٌ محرَّفة، لكنَّ الحديث عن تحريف الكتاب المقدس في النَّصرانية والكنيسة يُثير الحساسيات والمخاوف، خاصَّةً أنها كلمة قرآنيةٌ بامتياز في وصف إنجيلِ النصارى؛ لذا فضَّل البابا استعمالَ كلمة النُّسخ “الغلط” بدل النُّسخ المحرفة.

ودَعُونا لا نخرجْ عن كلمة البابا: نسخ “غلط”، إنَّ السائل الذي يبحث عن النُّسخة الصحيحة لم يستفِدْ شيئًا من الإجابة المُبهَمة للبابا؛ لأن المفهوم العمليَّ من إجابة هذا الأخير، هو أن يأخذَ كلُّ نصراني أرثُوذكسي قبطي المئاتِ من النُّسخ والترجمات الموجودة في الساحة، ثم يُجريَ عليها دراسة نصية، وتحليلَ محتوًى، وبحثًا مقارنًا مع عقائد الكنيسة التي يتْبَعُها، ليصلَ أخيرًا بعدَ إقصاء النسخ “الغلط” إلى معرفةِ النُّسخة الصحيحة!

إنَّ البابا بهذا الجواب يطلب من شعب الكنيسة كلِّه أن يصبح عالِمًا في نقد النص textual critic، وخبيرًا في المخطوطات manuscripts expert؛ حتى يستطيعَ أن يصل إلى المخطوطة أو النُّسخة الصحيحة للكتاب المقدس، بل ولا يكفي ذلك؛ لأنه بعدها عليه أن يكون لاهوتيًّا مبرَّزًا؛ ليتمكن من فكِّ أحجية العقائد الكنسية ليحكم في ختامها على أحجيةٍ بعينِها أنها هي العقيدة المستقيمة، التي تتَّفق مع عقائد الكنيسة الأرثوذوكسية القبطية.

ولا يخفى أنَّ هذه الخطوات المنهجية والعلمية لا يقدِر عليها إلا مَن فاض زادُه من إتقان اللغات القديمة، واتسعتْ مداركُه في تِقنيات النقد النصي، وامتلك ناصية العلوم الكثيرة والدقيقة، وحاز المهاراتِ الفكريةَ والبحثيَّة التي تتيح له فهمَ عقائدَ أشبهَ بالطلاسم، واستيعاب نصوصٍ أقرب ما تكون مكتوبة بالحبر السري.

وفي الحال هذه، كيف يطلب البابا من عوامِّ الناس الذين لا يُحسن أحدُهم يكتب اسمه وعنوانَ بيته أن يقتحم مَيدان الهوجاء هذا بلا سلاحٍ، إلا سلاح الإيمان الأعمى الموروث بالهُوية والبطاقة؟

لماذا يزيد شنودة الثالث كلَّ هذا العناء والعبء على الناس من شعب الكنيسة، وإنني أجزم من كثرةِ ما خالطت النصارى أن فراغَهم الرُّوحي الموحشَ يحولُ دون الإنصات لأي أمر جَديٍّ مثل هذا في الكنيسة، وما درى البابا أنَّ كثيرًا ممن يحضر إلى كنيسة العباسية هو لمجرَّد الولولة والتصفيق والقهقهة لبعض النوادر التي يطلقها البطريرك المحبوب؛ لتخفيف جوِّ الكنيسة المكفهرِّ والثقيل، كمحاولة للهروب النفسي من وخْز الفطرة التي تؤنِّب كلَّ نصراني، فليت شعري كيف يُكلَّف هذا النوعُ من الحضور بإخراج نسخة الكتاب المقدس الصحيحة الوهمية، من كومة أطنان النُّسخ “الغلط” المكدَّسة تحت ألفَيْ سنة من التزوير والتحريف؟

ألا تكفي الناسَ أعباؤهم اليوميةُ الثقيلة وهموم القُوت والرغيف والبوتاجاز… حتى يزيدَهم البابا عبء الدراسات اللاهوتية المتخصِّصة لمعرفةِ النسخة الصحيحة من النسخ “الغلط”؟

لماذا لا يقدِّم البابا اسم النسخة الصحيحة، وبجانبها قائمة للنسخ “الغلط” على حدِّ تعبير البابا، فيريح ويستريح، وكفى الله المؤمنين القتال؟

أيها البابا، أو خليفته، إنَّ في الإسلام مبدأ هامًّا، وهو عدمُ جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، واليوم كما عرفنا في الكنيسة حاجة ماسَّة لمعرفة النسخة الصحيحة من النسخ “الغلط” السقيمة؛ فالأمر دِينٌ، والمصير إما ملكوت السماء أو ظلمة الجحيم، فلمَ الانتظار واللَّفُّ والدوران في الإجابة عن السؤال؟ فما هي النسخ “الغلط”؟

إن بعض النسخ اليوم التي تطلع كل صباح في شتى اللغات ومن البلدان العديدة – تتنافس فيما بينها لتحذفَ نصوصًا من هنا، وإضافة أخرى هناك، لم يعد الأمر خفيًّا، فيبدو أنَّ اللِّجان الكِتابية المكلَّفة بتنقيح كتاب الإله المخلص، تتبارى فيما بينها لضرب رقمٍ قياسي جديد في الحذف والإضافة، وإذا سمينا هذه التَّغييرات والتبديلات بالتحريف، فإنَّ هذا التحريف تجاوَزَ مستوى “التحريف بالمفرق” إلى “التحريف بالجملة”، فمرة يُحذف إصحاحٌ كامل، ومرة قصة كاملة، ومرة يضاف سِفر أو أكثرُ إلى العهد القديم، ومرة يشار في أقدم المخطوطات أن العهد الجديد تنقصه بعض الأسفار، أو أنه يُشَكُّ في مصداقيةِ أخرى… وكلُّ هذه التعليقات نجدها في الحواشي على متون الكتاب المقدَّس، ويعلم الله أنَّ النسخ الحديثة باللغات المختلفة أصبحت حواشيها أكبرَ من متونِها، وحتى يسع المجال لحواشٍ إضافية تعمد النُّسخ الحديثة إلى تصغير حجم الخط لحدٍّ يتعذَّر قراءتها، حتى إنها تصيب من يدمن قراءتها بضعف البصر بعد حين!

أيها البابا – والآن بعد أن انتقل إلى الدار الآخرة؛ حيث سيعرف هناك الغلط من الصحيح – فإنني أخاطب خليفتَه أيًّا كان، دعني أقدِّم يد العون ببعض التساؤلات البريئة، والتعليقات المتواضعة، التي قد تكون مفيدةً لإقصاء النسخ “الغلط”، ولأنني مسلمٌ؛ فاسمح لي أن أضيف مصطلحًا إسلاميًّا إلى مصطلح “الغلط”، وهو المحرَّفة؛ أيْ: دعنا نتعاوَنْ لوضع قائمة من النسخ “الغلط” المحرَّفة؛ حتى يتبين الخيط الأبيض من الأسود، وفي الأخير نخرج بالنسخة الوحيدة الصحيحة غير “الغلط” وغير المحرَّفة، والتي توافق عليها الكنيسة القبطية الأرثوذوكسية،وإذا كنتَ موافقًا فدعنا نبدأ، ولا أظنُّك ترفض وأنت تقرأ في العهد الجديد تلك النصوصَ التي تدعو إلى البحث والدراسة، وتقديمِ الدليل والبرهان على صحة دينكم، وهذه بعض تلك النصوص:

بطرس الأولى 3: 15 (قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلهَ فِي قُلُوبِكُمْ، مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ، بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ).

يوحنا: 39:5 (فَتِّشُوا الْكُتُبَ لأَنَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ لَكُمْ فِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَهِيَ الَّتِي تَشْهَدُ لِي).

تسالونيكي الأولى 5: 21 (امْتَحِنُوا كُلَّ شَيْءٍ، تَمَسَّكُوا بِالْحَسَنِ).

إذًا، الطريق واضحة: الاستعدادُ للإجابة بوداعة، التفتيش والبحث، امتحان الأدلَّة، إقصاء الغلط، والتمسك بالحسن الصحيح.

لنبدأ..

تعلمت ممن سبقني في البحوث العلمية ألا نبدأ في البحث عن أيِّ شيء قبل تحديد المفاهيم الإجرائية؛ أي: تحديد المصطلحات وتعريفها بدقة؛ حتى نضع معالِمَ لطريق البحث؛ فلا نضيع في جنباتِه وتضيع الحقيقة معه، وإنَّ أهمَّ مصطلح وأخطرَ مفهوم في بحثِنا الصغير هو كلمة “الغلط”، على حدِّ تعبير البابا شنودة، أو التحريف في نسخ الكتاب المقدس على حدِّ تعبير الإسلام وكثير من الباحثين.

تعريف “الغلط” أو التحريف:

هو أي تغيير – صغيرًا كان أم كبيرًا – بالحذف أو الإضافة أو التبديل، أو التقديم أو التأخير، يطرأ على النصِّ الأصلي للكتاب المقدَّس، سواءٌ كان ذلك التغيير الطارئ متعمَّدًا أو سهوًا، بحسن نية أو بسوء نية.

آه!!

يبدو أن نيَّتي السليمة في تقديم يدِ العون كُبَّتْ في أول الطريق، لقد تبجحتُ بأنني على استعداد لتقديم يد العون للتفتيش في الكتب، كما يوصي العهد الجديد بقوله في يوحنا 5: 39 “فَتِّشُوا الْكُتُبَ…”؛ إذ إنه بعد التحديد الإجرائي والاصطلاحي لتعريف كلمة “الغلط” أو التحريف، تبيَّن لي أنني عاجز عن الإيفاء بوعدي بالمساعدة؛ لأن التَّعريف الإجرائي الذي ذكرته عن “الغلط” والتحريف في نسخ الكتاب المقدس، يحدِّد ويشير إلى أنَّه يجب أن يتوفَّر لدى الباحث النُّسخة الأصلية للكتاب المقدس، التي ستُعتبر المعيار أو المقياس الذي يُحكم به على أيِّ نص آخر، من حيث مدى تطابقِه أو مخالفته للنص الأصلي، وإنني أُقرُّ أنه مع كثرة نسخِ ووفرةِ ترجماتِ الكتاب المقدس الموجودة في مكتبتي البيتية، إلا أنني لا أملك النسخة الأصلية للكتاب المقدس حتى أبدأ في الدراسة!

ولأننا في زمن الإنترنت وعصر شبكة الشبكات الإلكترونية، التي لا تترك شاردة ولا واردة إلا وكلَّمتْك عنه، فقد ترددت على الشبكة العنكبوتية متفائلاً لعل وعسى أن تزوِّدني محركاتُ بحثه العربية والعالمية بنسخة الكتاب المقدس الأصلية؛ لأبدأ بحثي الذي طال انتظاره، لكنَّ الإنترنت بخل وضنَّ عليَّ، ولم يزوِّدني حتى اليوم بنسخة واحدة، ولم يأبَهْ بتوسلي ولم يَجُدْ عليَّ رغم كثرة إلحاحي، فيئست منه؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

واليوم أقف أمامكم وأناشدكم أن ترسلوا إليَّ صورة للنسخة الأصلية لكتابكم المقدس، إذا كانت بحوزة كنيستكم، فلا شك أنه من مصلحة الكنيسة أن تُفرِج عن النسخة الأصلية من مَحبسها؛ ليهتدي بها شعب الكنيسة – بل والعالم – إلى رسالة المسيح الصافية!

وبينما أنا أنتظر ساعيَ البريد أن يدق بابي حاملاً معه نسخة مصورة عن المخطوط الأصلي، فوجئتُ ببرامج تلفزيونية وكتيبات كنسية ودراسات إكليريكية… تجزم أن النسخ الأصلية للكتاب المقدس مفقودة، فالكنيسة للأسف لا تملك اليوم إلا نسخًا من نسخٍ تعود إلى القرن الرابع على أبعدِ تقدير، مع ما في هذه النسخِ من تشويهٍ وإضافة وزيادة، والأهم من ذلك التَّعديلات المتتالية التي تُجرى على تلك النسخ، ولم يتوقف سيل تلك التعديلات إلا قبل قرن فقط من يوم الناس هذا، مما يعني استغراق 19 قرنًا من الزمن في التعديل!

ولَمَّا كنت أتفهم أسَفَ الكنيسة؛ فإنني سأتنازل عن طلب النسخة الأصلية للكتاب المقدس كاملاً، خصوصًا العهد الجديد، فالذين ألَّفوا هذه الأناجيل والرسائل الإنجيلية، تفرَّقوا في الأصقاع والأمصار، فبولس وبطرس ماتا في روما، ويوحنَّا رحل بمريم إلى تركيا، ومتَّى ولوقا توجَّها شرقًا أو شَمالاً، كما قيل… إلا إنني لا يمكنني استثناء مرقس، فهذا الأخير هو صاحب أول وأقدم إنجيل، كما أنه رحل إلى مصر، وأنشأ الكنيسة الأرثوذوكسية المرقسية في الإسكندرية، ولا يمكنني تخيُّل أنه دخل مصر خاليَ الوفاض، فلا بد أنه جلب معه إنجيلَهُ ليبشِّر ويكرز به؛ لذا لن أطالب بأكثرَ من نسخة أصلية من إنجيل مرقس، وحالَ بقاءِ أصل هذا الإنجيل مختفيًا أو مخفيًّا، فمعنى ذلك أحدُ أمرين: إما أنه موجود لكنَّه محظور عن شعب الكنيسة؛ لأن نصوصَه تدعو إلى التوحيد النقيِّ كما يدعو إليه الإسلام، وهي دعوة عيسى – عليه السلام – أو أن الإنجيل كان موجودًا ثم ضاع في غياهب الزمان والمكان، مما يعني ضياع كلام الإله المخلص العاجز عن حفظ كلمته من الضياع!

وردت نصوص كثيرة في الكتاب المقدس عن حفظ كلمة الله إلى الأبد، منها: المزمور 119: 89 “إلى الأبد يا رب كلمتك مثبتة في السَّموات”، وأشعياء 40: 8 “وأما كلمة إلهنا، فتثبت إلى الأبد”، ومتَّى 24: 35 “السَّماء والأرض تزولان، ولكن كلامي لا يزول”… وغيرها كثير!

فكيف يزعم الكتاب المقدَّس أن كلمة الله أزليَّة أبدية محفوظة، وستبقى ما بقيت السموات والأرض، بينما لا نجد أثرًا للمخطوطات الأصلية على وجه الأرض أو تحتها، لقد ضاعت الأصول، أما ما بقي، فهي نسخٌ غير موثوقة ومهترئة، وهي لم تهترِئْ بعوامل القرون المتباعدة بقدر ما اهترأت بأيدي المدقِّقين والمصححين؛ أي: المحرِّفين، بحسن نية أو بسوء طوية!

أيُّ قيمة بقيت لهذه المخطوطات التي تُعتبر نسخًا من مجهولين، عن نسخٍ لمجهولين، عن نسخٍ لمجهولين آخرين؟ لا نعرف النسخة الأصلية التي نسخوا منها، ولا أسماء النُّساخ، ولا دينَهم، ولا مذهبهم، ولا كفاءتهم العلمية.

أيُّ مصداقية بقِيت لهذه المخطوطات إذا كانت قد عبَثت بها أيدي مدقِّقين ومصححين متعدِّدين مجهولين عبر القرون الطويلة؟ إنَّ المخطوط الذي يتعرَّض لتعديلات أو تغييرات يكون قد فَقدَ عذريَّتَه، ومن ثمَّ فَقَد قيمتَه.

فمثلاً إن أقدم نسخة باللغة اليونانية على وجه الأرض هي النُّسخة السَّيْنائية، فعلاوة على احتوائها على أسفارٍ غير قانونية في العهد القديم، فإنها حوت سِفرين اتفقت الكنائس النَّصرانية على رفضها، وهما: سِفر رسالة برنابا، وسفر الراعي هرمس.

وقد عَبث بالمخطوطة خلال عشَرة قرون ما لا يقلُّ عن تسعة مصحِّحين، وإن بعض المقاطع منها صُححت ثلاثَ مرات، وهذه المعلومات يقدمها لنا تشاندروف Tischendorf الألماني، ولا يبدو لي من اسمه أنَّه وهابي أو سلفي؛ ليتحامل على مخطوطات الكنيسة.

ولقد وجد هذا العالم المتبحِّر بالمخطوطات أزيدَ من 25000 تعديل وتصحيح أُجريت على المخطوطة السَّيْنائية، خلال مرحلة زمنية تقدَّر بعشَرة قرون، وأثبتت الأشعة المختلقة والمتطورة والحديثة ذلك أيضًا، وللعلم فإن هذه النسخة ذاتَ القيمة العالية من بين المخطوطات – كان تشاندروف قد اكتشفها – كما يقول – سنة 1844 في دير سانت كاترين بسَيناء المصرية، وكان قد استخرجها من سلَّة للمهملات مع مجموعة من الأوراق معدَّة للحرق كوقود لتدفئة الرُّهبان في الليالي الباردة!

ومع ذلك لا يزالون يتبجَّحون بأن الكنيسة المستقيمة والروح القدس يحفظان ويحميان – بحرصٍ – كلمةَ الله الأزلية، في حين أنه أنقذها هذا الباحث في اللحظة الأخيرة قبل أن تتحول إلى غاز الكربون، ولَمَّا رأى رهبان الدير حِرْصَ الباحث على المخطوطة، فاوضوه عليها وباعوها له، وقد كانوا يجهلون قيمتَها، وربما أنهم هم أنفسهم مَن أحرق أصول الكتاب المقدس للتدفئة، قبل أن يفِدَ عليهم هذا الباحث الألماني وهم لا يشعرون، فيا سبحان الله!

فإذا كان هؤلاء الرهبان أحرقوا كتبهم المقدسة للتدفئة، وهم يعيشون في صحراء سَيْناء، فماذا كانوا سيحرقون لو كانوا يقيمون بسَيْبِريا أو بأقصى شمال أوروبا!

هذا عن النسخة السَّيْنائية، ولا تخلو سَمِيَّتُها المخطوطة الفاتيكانية من الطرافة، فهذه المخطوطة التي تُعتبر ثاني أعظم مخطوطة للكتاب المقدس باللغة اليونانية، بينها وبين المسيح كسابقتها أزيدُ من ثلاثة قرون، وقد اكتُشفت في القرن الخامس عشر، ويُجهل كُتَّابها ومكان كتابتها والنسخة التي كُتبت منها، والمهم أن بعض البروتُستنت يذكرونها في بحوثهم ومناظراتهم لعلماء الإسلام، في حين أنها تتضمن في عهدها القديم أسفارًا وملحقاتٍ غير قانونية “الأبوكريفا” لا تعترف بها كنائس البروتستنت قاطبةً اليوم، كما أن العهد الجديد منها لا يتضمن الأسفار الثمانية الأخيرة من الكتاب، وقد أُضيفت هذه الأخيرة بعد أزيدَ من عشَرة قرون على يدٍ مدقِّق مجهول.

والطَّريف في هذه المخطوطة تناوب المصححين عليها، فكان بعضهم يصحح الكلمة أو الجملة، ويأتي بعده بعقود أو قرون مَن يمحو ويُعيد تدقيق ما دقَّقه الأول، ثم ثالث ليمحو عمل السابقين، وهكذا دَوَاليك، ومن العجب العجاب أنَّ أحد أولئك المدققين المجهولين هالَهُ تلاعبُ المصححين بالمخطوط المقدس، وفجعَتْه مُخَربشات أحد المدققين السابقين، فوضع ملاحظةً باللغة اليونانية على هامش إحدى الصفحات، وبالتحديد عند الإصحاح الثالث من رسالة بولس للعبْرانيين ينتقد فيها سلفَهُ في التزوير بهذه الكلمة القاسية والمعبرة: “أيُّها الغبي، ألا يمكن أن تترك النصَّ دون أن تحرفه”!!!!!

ولا تزال هذه الملاحظة الطريفة في مكانها اليوم، والمخطوطة محفوظة في متحف الفاتيكان، لمن أراد أن يمتِّع ناظريه؛ ليتأكد بنفسه أن إقرار القرآن بتحريف الكتاب المقدس برهانٌ لا يحتاج إلى دليل، فتلك المخطوطات تصرُخ لحدِّ أنها تُصم آذاننا بقولها: “أنا محرفة، أنا محرفة، أنا محرفة…”، فلماذا تُصر الكنيسة على صمِّ أذنيها؟

أما ثالث مخطوط للكتاب المقدس من حيث الأهمية، فهي المخطوطة السَّكَندرية، وتعود إلى القرن الخامس الميلادي، وكسابقتيها لم تسلَمْ من آلاف التعديلات على نصوصها، علاوةً على ذلك فالمخطوطة في عهدها الجديد تتضمن سِفرين إضافيين لا تعترف بهما الكنائس، وهما: رسالة كلمندس الأولى، ورسالة كلمندس الثانية.

وكغيرها فالمخطوطة السكندرية المقدسة لم تشذَّ عن الخط العام للطرائف والنوادر المضحكة المبكية، التي تدل على فداحة التَّحريف والتبديل والتغيير والتلاعب بكلامٍ يُزعَم أنه مقدس، فقد ورد في فهرسها الذي وضعه كاتب المخطوطة في آخرها ذكر سفر بعنوان: “مزامير سليمان”، إلا أننا إذا قلَّبنا صفحات المخطوطة نفاجأ بغياب السِّفر المشار إلى وجوده في الفهرس!

إن هذا يعني أنَّ المحرِّفين حذفوا السفر لاعتبارهم إياه غيرَ قانوني، لكنهم نسُوا حذف الإشارة إليه في الفهرس، ومن أراد التأكد من ذلك، فلا تزال المخطوطة محفوظة للأجيال في المتحف البريطاني في لندن، وسيبقى فهرس المخطوطة السكندرية برهانًا آخر لا يحتاج إلى دليل على مصداقية القرآن، الذي حكم بتحريف الكلم من بعدِ مواضعه، مِن مزوِّرين لا يخافون، بل ولا يخجَلون ولا يرقبون الله، وهو محيطٌ عليم بما كانوا يُسوِّدونه من صحائفَ ولفائف في غياهب الأديرة وأقبِية الكنائس.

قال الله الرقيب العليم في قرآنه: ﴿ أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ * وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ * فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ﴾ [البقرة: 77 – 79].

وليس أبعد من هذا الصباح، فقد وصلتني رسالة من منصِّرٍ أمريكي اسمه – كما أبلغني – سكوت بونتفيكس، ردًّا على نقدي للمخطوطات التي ذكرتها في الأعلى، فقد أخبرني في ردِّه – ظنًّا منه أني لا أدري – أن ثمة نُسخًا أخرى أقدم من تلك المخطوطات، وهي البرديات، وهي أسبق من تلك المخطوطات الورقية والجلدية السالفة الذكر، وأشار تحديدًا إلى “البردية رقم 52″، وزعم أنها كُتبت في سنة 70 للميلاد، وهي مخطوطة للعهد الجديد بزعمه!

وما درى هذا المنصِّرُ الجَهول أنَّ بإجابته هذه أزرى بنفسه وبمخطوطاته وبردياته، بل ولحق بجوقة السائرين على درب الطرائف والنوادر، “فبردية 52” التي تُسمى أيضًا برديات John Rylands هي بردية لا يتعدَّى حجمها رُبع وريقة صغيرة من البردي، ولا يتجاوز ما فيها خمسة أعداد “آيات” من إنجيل يوحنا، هي يوحنا 18: 31 – 33 من وجه ومن خلفه 18: 37 – 38، فسبحان الله! كيف يبالغ المنصِّرون كذبًا ليجعلوا من خمس آيات كتابًا مقدسًا كاملاً؟!

أما المضحك المبكي، فأن هذا المنصِّرَ الذي زعم أن البردية تعود إلى تاريخ 70 ميلادية أنه ما نما إلى علمه أن المختصين جميعًا – وعلى رأسهم علماء الكنيسة – يُقرون أنَّ أصل إنجيل يوحنا كُتب ما بين سنين 90 إلى 105 للميلاد، فكيف يستقيم أن تظهر صورة منسوخة قبل أن يُكتب الأصل نفسُه؟ أليس هذا من عالَم أفلام الكرتون أن ينزل الوحي على يوحنَّا في عَقد التِّسعينيات من القرن الأول الميلادي، وقد استبقت البرديات المنسوخة عن الأصلِ الوحيَ بعَقدين كاملين، مما يعني أن البردية المنسوخة رأت النور قبل الأصل بعشرين أو ثلاثين سنة؟!

ويبدو أن أحداث التحريف عند المزورين تسير عكس عقارب الساعة، ولأن الشيء بالشيء يُذكر؛ فهذا يذكرني بطُرفة أحد أئمة المساجد في أحد الأحياء الشعبية في العاصمة الجزائرية، فقد كان هذا الإمام يسرع سرعة مفرطةً في صلاة التراويح، وكان كثيرٌ من الكسالى يصلُّون التراويح عنده، ومما يقال في وصف سرعته في القراءة أنه: كان يبدأ صلاة التراويح على الساعة الثامنة مساءً، وينتهي منها على الساعة الثامنة إلا خمس دقائق مساءً، فكأنه كان يعود بالزمان إلى الوراء!

وهذه النادرة تكشف جهل المنصِّرين بمخطوطاتهم وكتبهم، ولو عادوا إلى علماء نقد النص الكتابي، لأخبروهم بأنَّ “البردية رقم 52″، قد اختُلف في تحديد زمن كتابتها بين سنة 125 و200 للميلاد.

وصدق الله العظيم القائل: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [القصص: 56].

ومع أن الباطل واضحٌ للعَيان، إلا أن المتكبِّرين على الحق يجادلون بلا علمٍ ولا بيِّنة، ويُصرُّون على العمى والضلالة، فانظر – أخي القارئ – إلى النموذجين التاليين من النماذج التي تسمع وتقرأ كلَّ هذه الأدلة والبراهين على ضياع أصول الكتاب المقدس، وتحريف صوره ونسخه وترجماته، ومع ذلك لا تزال تُكابر وتناور.

ففي مناظرة مع المنصِّر الدكتور ولبر ستون الأمريكي – وهو أستاذ بجامعة سانت بول التنصيرية بولاية مينيسوتا – قلت له: “إن كتابكم المقدس محرَّف”، فأجاب بذات الحجة التي يستشهد بها جميع المنصِّرين ورجال النصرانية على اختلاف مذاهبهم، وهي اللازمة: “هذا غيرُ منطقي وغير ممكن؛ إذ كيف يوحي الإله God بكتابٍ مقدس، فيه كلمتُه his Word، ثم يعجز عن حماية كتابه من التَّزوير، وكلمته من التحريف؟ ألا يقدِرُ الإلهُ أن يقاوم من يريدُ بكتابه شرًّا؟”.

وبعد شهر من تلك الجلسة أرسلتُ إليه رسالة مذيلة بمئات التزويرات الصارخة، والأغلاط المفجعة من الكتاب المقدس التي تُثبت تحريفه، فرد مناورًا بقوله: “بالرغم أنني أؤمن بأن النسخة الأصلية للكتاب المقدس خاليةٌ من الأخطاء، إلا أننا في الحقيقة لم نعُدْ نملك تلك المخطوطات الأصلية؛ لذا اختار الله ألا يحمي كلمتَه من أن تنسل إليها بعض الأخطاء الصغيرة، وعليَّ أن أُسلم له بهذا؛ لأنَّ هذا الأمر من شأنه”.

إنه أشبه برد ديبلوماسي من أولئك السياسيين الذين لا يرون التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى، فالمنصِّر ولبر ستون لا يريد أن يتدخل في الشؤون الداخلية لربه هو؛ بحجة أنها من شأنه الداخلي الخاص، في حين أنه مكث سنين وعقودًا في الصين ينتقد فيها الشؤون الداخلية لربِّ البوذيين؛ لينصِّر الصينيين، كما أنه قطع الأطلنطي إلى الجزائر؛ ليحشر أنفه في المخيمات الصحراوية؛ لينصِّر المسلمين هناك، فما أقبحَ التنصيرَ والمنصِّرين!

أمَّا النموذج الثاني،

فهو فردريك كينيون، وهو من المدافعين عن الكتاب المقدس في كتابه “عصمة الكتاب المقدس”، فتحتَ عنوانِ: “ضياع النسخ الأصلية”، وضع نظرية لم يسبقْهُ إليها أحدٌ من العالمين؛ ليسوِّغ ويفسر أسباب ضياع أصول كتابه المقدس، فيهذي قائلاً: “قد يندهش البعض إذا عرفوا أن هذه المخطوطاتِ جميعَها لا تشتمل على النسخ الأصلية والمكتوبة بخط كتبة الوحي أو بخط من تولَّوا كتابتها عنهم، فهذه النسخ الأصلية جميعُها فُقدت ولا يعرف أحدٌ مصيرَها… ونحن نعتقد أن السرَّ مِن وراء سماح الله بفقْد جميع النسخ الأصلية للوحي، هو أن القلب البشري يميل بطبعِه إلى تقديس وعبادة المخلَّفات المقدسة؛ فماذا كان سيفعل أولئك الذين يقدسون مخلفات القديسين لو أن هذه النسخ كانت موجودة اليوم بين أيدينا؟ أية عبادة لا تليق إلا بالله كانت ستقدَّم لتلك المخطوطات…”!!

إن هذا الكلام الذي يشبه الهذَيان، يجعل من فِقدان النصوص الأصلية للكتاب المقدس خطةً ربانية مقصودة، ومعجزة إلهية في حد ذاتها؛ لأن بقاء النصوص التي كتبها موسى أو متَّى أو مرقس أو بولس.. بخط أيديهم يُهدِّد صفاء التوحيد ونقاء عقيدة النصرانية، كما أُوحيت أول مرة؛ فخوفًا من أن تصبح النصوص الأصلية ربًّا يُعبد ويُقدس من دون إله الكنيسة، قرَّر هذا الأخير أن يمحو كلمته الأصلية من الوجود، وسدًّا لذريعة الشرك حكم بإرادتِه الشخصية بضرورة تضييع أصول كتاب الوحي الذي أوحاه!

وبلا شعورٍ منه – ولا أدري إن كان إله النصارى يشعر أم لا – ترك المجال بعدها لظهور آلاف المخطوطات المتضاربة والهزيلة، التي حيَّرت النصارى في كل زمان ومكان، وقد فتحتْ كلُّ تلك التضاربات والأخطاء في النسخ البابَ مشرعًا للمتشككين والدارسين للخروج من النصرانية وتبنِّي الإلحاد أو أديان أخرى، مما يعني أن خطة الإله في سدِّ الذريعة عن عبادة الكتاب المقدس الأصلي فشِلت مرتين؛ فشلت في أن تحمي كلمتَه الأصلية من الضياع، وفشلت مرة ثانية في أن تحمي المؤمنين من الاختلاف والشكِّ والكفر والفرار من دين الكنيسة.

لقد ضاعتْ أصول الكتاب المقدس؛ فغرقت النسخ اليونانية وغيرها من الترجمات الحديثة في بحرٍ من الاختلافات، حتى ذكر بارت إلرمان – وهو من أبرز علماء أمريكا المعاصرين في دراسة نصوص المخطوطات – أنَّ الاختلافات فيها تجاوزت 300000 اختلاف، وهي – كما يقول – أكثرُ من عددِ كلمات الكتاب المقدَّس نفسِه، وبعد تصريحاته هذه، فقَدَ إيمانَه بالكنيسة، ويُعد اليوم أقوى باحثٍ غربي ينتقد عصمة الكتاب المقدس.

ختامًا أقول:

إنَّ إله الكتاب المقدس حكم بنفسه على كتابه بالتَّزوير والتحريف، فقد قال في سفر إرمياء 1: 12 “أنا ساهرٌ على كلمتي لأجريها”، ويبدو أنه لم يسهَرْ إلى الصباح كما وعد، فدلِف المزوِّرون بليلٍ ففعلوا بكتابه المقدس الأفاعيل، وعندما استيقظ ضُحًى اكتشف الفجيعة، فقال بعد فوات الأوان في سفر آرميا 8: 8 “كيف تقولون نحن حكماء وشريعة الرب معنا؟ حقًّا إنه إلى الكذب حوَّلها قلمُ الكتبة الكاذب”، وقال في سفر آرميا 23: 36 “أما وحي الرب، فلا تذكروه بعدُ؛ لأنَّ كلمة كل إنسان تكون وحيه؛ إذ قد حرَّفتم كلام الإله الحي رب الجنود إلهنا”.

وأما القرآن، فحسبه قول الله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9].

كما أنه يكفيه أن يُحفظ في القلوب والصدور والعقول إلى يوم القيامة، قال – تعالى -: ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ ﴾ [العنكبوت: 49].

والله الهادي إلى سواءِ السبيل.

رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/39924/#ixzz61njlNIa8

https://hidayat-alhayara.com موقع هداية الحيارى