هل كان فلاسفة الإسلام ملحدين؟

 صراحةً هذا السؤال يكرره الملاحدة كثيرًا، وهو يمثل خرافة من أسخف ما يكون؛

وقد رددت على هذا السؤال في كتابي كهنة الإلحاد الجديد وأنقل منه الآن شاهدًا:

 لا يوجد في تاريخ أُمة الإسلام ملحد واحد،

ومشكلة الملحد العربي أنه لا يعرف الفرق بين الإلحاد الاصطلاحي والإلحاد في اللغة ..
فيظن أن كل شخص أُطلق عليه لفظة ملحد أنه مُنكر للصانع ..!!
فالإلحاد في اللغة يشمل كل من يميل عن شرع الله ..
أما الإلحاد الاصطلاحي الذي يعني إنكار الصانع فهذا لا يُعرف في تاريخ أُمة الإسلام ..
ولا يوجد في تاريخ أُمة الإسلام عبر التاريخ وعبر الجغرافيا مُلحد واحد ..!!

لا يوجد في تاريخ أُمة الإسلام عبر التاريخ وعبر الجغرافيا مُلحد واحد ..!!
يقول ابن رشد ” إن العرب كلها تعترف بوجود الباري سبحانه وتعالى .”-1-
ويقول الشهرستاني ” وشبهات العرب مقصورة على شبهتين ..إنكار البعث .. وبعثة الرسول .” -2-
ويقول الشهرستاني أيضاً ” أما تعطيل الصانع العالم القادر الحكيم فلست أراها مقالة لأحد .. ولا أعرف عليها صاحب مقالة.” -3-
ولذا ” لم يرد التكليف بمعرفة وجود الصانع وإنما ورد بمعرفة التوحيد ونفي الشريك .” -4-
بل وقد ذهب الآلوسي وابن كثير في تفسيرهما إلى أن الدهرية كانوا يؤمنون بالله لكنهم ينكرون البعث وهذا في تفسيرهم قول الله تعالى {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون} ﴿الجاثية24﴾ .

وسنذكر فيما يلي الشخصيات التي وُصفت جهلاً وزورًا وكذباً بالإلحاد ..
وليس معنى ذلك أن هذه شخصيات مُنزهة عن الخطأ بل بعضها له أخطاء شنيعة في العقيدة لكن هذا أمر لا علاقة له بالإلحاد – الذي هو إنكار الصانع – من قريب أو بعيد .

الفارابي
وُلد سنة 260 هجرية ولُقِّب ب” المعلم الثاني ” نسبةً للمعلم الأول أرسطو .. وهو شارح مؤلفات أرسطو المنطقية … وصاحب كتاب “الآثار العلوية” والمنافح عن عقيدة التوحيد .. والذي قضى عمره زاهدًا متقشفاً ليتفرغ لتأصيل فلسفة التوحيد، وواجب الوجود وحين مات صلَّى عليه سيف الدولة ابن حمدان .. يقول الفارابي ” معرفة الحقائق القصوى كلها مصدرها الله والفيلسوف يتلقى الحقائق بواسطة العقل الفعال فتكون طبيعتها عقليه وليس حسية، أما الرسول فتأتيه المعارف مُنَّزلة من عند الله بتوسط الملك جبريل .” -5-
ويضع الفارابي شرطًا جوهريًا في مدينته الفاضلة وهو الإيمان بالله الواحد الأحد لكل أبناء المدينة .. فكيف يُقال عن هذا أنه ملحد ؟.!!

ابن سينا
وُلد سنة 370 هجرية، وكان والده شيعياً إسماعيلياً .. ولُقِّب ب ” الشيخ الرئيس ” وعاش متفائلاً في جميع مراحل حياته وكان يعتقد أن العالم الذي نعيش فيه أحسن العوالم الممكنة، وكان له تأثر شديد بالإسماعيلية في كتاباته ولذا يعتبره شيخ الإسلام -ابن تيمية- من الطائفة الإسماعيلية لا أكثر .
وكان ابن سينا يقول بالمعاد الروحاني لا الجسماني، فقد كان متأثرًا كثيرًا بالفلسفة الباطنية عند الإسماعيلية لكن هذا شيء والإلحاد الذي هو كفر الصانع شيء آخر تماماً .
بل إنه لما اعتَّل وتكاثرت عليه الأمراض في نهاية حياته اغتسل وتاب وتصدَّق بما لديه من مال للفقراء، وأعتق غلمانه طلبًا للمغفرة، وبدأ يختم القرآن كل ثلاثة أيام .-6-

ابن طفيل
وُلد سنة 493 هجرية في قرطبة، وهو من قبيلة مُضر العربية، وهو الفيزيائي الطبيب العالم الفيلسوف، قاضي الأندلس .. صاحب رواية “حي بن يقظان ” الشهيرة، التي تروي قصة طفل نشأ في جزيرة نائية بحضرة الحيوانات فاهتدى بفطرته إلى الله وظل يتعبد له …وقصة “حي بن يقظان ” قصة فلسفية في غاية الرُقِّي الفكري تُصنَّف في باب الإلهيـات وإثبات الروح بالفطرة .. -7-
هل هذا يُقال عنه أنه ملحد ؟

ابن رشد
وُلد سنة 520 هجرية .. فيلسوف وفقيه وقاضي وفيزيائي وطبيب .. إمام أهل الأندلس المالكي، شيخ فلاسفة الإسلام .. قاضي أشبيلية .. صاحب كتاب ” فصل المقال فيما بين الحِكمة والشريعة من الاتصال” وهو الكتاب الذي يشرح الجمع بين العقل والنقل .. يقول ابن رشد “إنّ الحكمة هي صاحبة الشّريعة، والأخت الرّضيعة لها، وهما المصطحبتان بالطّبع، المتحابّتان بالجوهر والغريزة. ” .. ويَعتبر ابن رشد أن الفلسفة هي ” النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع، أعني من جهة ما هي مصنوعات، فإن الموجودات إنما تدل على الصانع بمعرفة صنعتها وأنه كلما كانت المعرفة بصنعتها أتم كانت المعرفة بالصانع أتم .”.-8-
ثم يأتي ملحد معاصر ويُصنف ابن رشد في قائمة الملحدين عنده ..والله المستعان .!!

ابن الراوندي
من أكثر الشخصيات غُموضا في تاريخ أُمة الإسلام .. لا نعرف هل مات في الأربعين أم الثمانين، انتقل بين الديانات ..
كان يهودياً وأسلم ليستعز بالدولة الإسلامية العباسية، ثم أصبح معتزلياً لأنهم الأقرب للخليفة، ثم هاجمهم، ثم التحق بالشيعة الباطنية، وألف كتاباً في تأييد الشيعة مقابل 33 دينار، ثم أصبح سُنياًً وألف كتابًا في التوحيد انتصاراً للسُنة، ثم صار يهودياً مرة أُخرى وألَّف كتاب البصيرة لنصرة اليهودية مقابل 400 درهم، ثم حاول الرد على اليهود فأسكته اليهود مقابل 100 درهم أُخرى .. ومِثل هذا عبء على اليهود واليهودية لا أكثر..!! -9-

عبد الله ابن المقفع
وُلد سنة 142 هجرية .. فارسي زرادشتي اعتنق الإسلام .. واتصل بعم أبي العباس السفاح و أبي جعفر المنصور الخليفة العباسي، وكانت علاقاته السياسية سبباً مباشرًا في قتله وتلويث سمعته من قِبل حُساده بعد موته .. ولذا يقول وائل حافظ في تصديره لكتاب الأدب الصغير ” ابن المقفع كُتُبُهُ بين أيدينا تكاد تنطق قائلة : ((وايم الله ! إنَّ صاحبي لبريء مما نُسب إليه)) !.وليت شعري كيف ساغ لفلان وفلان وفلان ممن ترجموا للرجل أن يجزموا بذلك، وكلهم قد صَفِرَت يَدُهُ من البرهان؟ إنْ هي إلا تهمة تناقلوها بدون بيان. وقِدْمًا اتهموا أبا العلاء المعري بذلك حتى قيض الله له مِن جهابذة المتأخرين مَن أثبت بالدليل الساطع والبرهان القاطع براءته. ”
ولذا يقول د. عبد الرحمن بدوي” ابن المقفع نَسبت إليه المعتزلة الكثير من الأقوال وهذا يرجع إلى الحسد.”-10-

ابن زكريا الرازي
وُلد سنة 250 هجرية .. عالم وطبيب فارسي ومن أشهر الأطباء في التاريخ .. وقد ابتكر خيوط الجراحة وصنع المراهم ..
لم ينكر وجود الله وكان يعتبر العقل هبة الله ليتفكر به الإنسان .. وهو صاحب كتاب “إن للعبد خالقاًً “.. فكيف يُصنف في زمرة الملحدين .؟
أما ما نُسِّب إليه في النبوات فيقول د. عبد الرحمن بدوي ” ابن زكريا الرازي كل ما لدينا عنه يرجع إلى ما يُورده الخصوم فضلاً عن ندرة هذه الآثار أصلاً .”-11-
ولذا يُثني عليه الإمام الذهبي في سِير أعلام النُبلاء ولم ينقل فيه مذمَّة واحدة يقول الذهبي ” أبو بكر ، محمد بن زكريا الرازي الطبيب ، صاحب التصانيف ، من أذكياء أهل زمانه ، وكان كثير الأسفار ، وافر الحُرمة ، صاحب مروءةٍ وإيثار ورأفة بالمرضى ، وكان واسع المعرفة ، مكباً على الاشتغال ، مليح التأليف .. وله كتاب : الحاوي ثلاثون مجلدًا في الطب ، وكتاب : إن للعبد خالقاً .. ” .!! -12-

جابر ابن حيان
وُلد سنة 101 هجرية .. عالم مسلم عربي .. كيميائي ويُعد أول من استخدم الكيمياء عملياً في التاريخ .. وتُسمى بإسمه فيقال ” علم جابر ” ويُقصد به الكيمياء، وله في الكيمياء ما لأرسطو في المنطق.
ويوصف طبقاً لفرانسيس بيكون أنه ” أول من عَلَّم عِلم الكيمياء “..
وهو أول من اكتشف الأحماض والقلويات وأطلق عليها هذا الاسم الذي ما زالت تعرف به في الغرب والشرق alkali
واستخدم المنهج التجريبي في أبحاثه .. وكان من أصحاب جعفر الصادق .. وكان صوفياً دراساً للقرآن الكريم .. !!
ولا أدري ما علاقة الرجل بالإلحاد ..!!

الجاحظ
وُلد سنة 159 هجرية .. من كبار أئمة الأدب العربي في العصر العباسي .. وكان فقيرًا فصار يبيع السمك والخبز في النهار، ويكتري دكاكين الورّاقين في الليل، فكان يقرأ منها ما يستطيع قراءته… !!
تتلمذ على يد إبراهيم بن سيار النظَّام المعتزلي .. وله مقالات في أصول الدين ..وأشهر مؤلفاته ” الحيوان ” و” البيان والتبيين ” وكان مُحبَّا للعلم والعلماء والأئمة وملازماً لهم طيلة عمره …
ومن مؤلفاته في العقيدة ” الحُجة في ثبت النبوة ، و ” الرد على اليهود “، و “الرد على الجهمية “-13-
وما أدري كيف يوصف الرجل بالإلحاد …؟ !!

أبو العلاء المعري
وُلد سنة 363 هجرية .. شاعر وأديب عربي من العصر العباسي .. قال ابن فضل العمري: “أخذ عنه خلق لا يعلمهم إلا الله، كلهم قضاة وخطباء وأهل تبحر واستفادوا منه، ولم يَذكره أحدٌ منهم بطعن، ولم يُنسب حديثه إلى ضعف أو وهن”.
آمن المعري بالله إيمانًا فطريًا وعقليًا يجعله لا يرتاب في وجود الخالق:
أثبت لي خالقًا حكيمًا … ولست من معشر نُفَاة
بل إن صِلته بربه قوية وأعز عنده من الدر والياقوت:
وشاهدٌ خالقي أن الصلاة له … أجل عنديَ من دري وياقوتي
انقطع عن الدنيا وفارق لذائذها، وأطلق على نفسه رهين المحبسين، وكان يصوم النهار ويسرد الصيام سردًا لا يفطر إلا العيدين، ويقيم الليل ولا يأكل اللحوم والبيض والألبان ولايتزوج، وكان يكتفي بما يخرج من الأرض من بقلٍ وفاكهة .-14-
اتُهم بالزندقة بسبب رسالته في الغفران لكنها رسالة مزح كان يمازح فيها صديقه ابن القارح، وتظهر فيها مقدرة المعري اللغوية كما تبدو فيها مقدرته على السخرية والنقد ..!!
ولكنه وَجد من يدافع عنه نافيًا هذه التهمة. ومن هؤلاء أبو فهر محمود شاكر والمُحدث أحمد شاكر والقفطي وابن النديم، وسَمَّى الأخير كتابه:” كتاب الإنصاف والتحري في دفع الظلم والتجري عن أبي العلاء المعري “وقال في مقدمته متحدثًاً عن حُسَّاده وشانئيه: ” ومنهم من حمل كلامه على غير المعنى الذي قصده، فجعلوا محاسنه عيوبًا وحسناته ذنوبًا وعقله حمقًا وزهده فِسقًا، ورشقوه بأليم السِهام “.
ومِن أحسن الشهادات في حقه شهادة الإمام الذهبي حين قال في سير أعلام النُبلاء “وفي الجملة فكان من أهل الفضل الوافر والأدب الباهر والمعرفة بالنَسَّب وأيام العرب. وله في التوحيد وإثبات النبوة وما يحض على الزهد وإحياء طرق الفتوة والمروءة، شِعر كثير والمشكل منه فله ـ على زعمه ـ تفسير”.

الكِندي
وُلد سنة 185 هجرية .. عالم مسلم عربي .. برع في الفيزياء والطب والترجمة وهو رائد تحليل الشفرات .. ويلقب ب “فيلسوف العرب” نظرا لبراعته في التوفيق بين الفلسفة والعلوم الإسلامية .. وفلسفته كانت في إثبات توحيد الله وفي الروح ويرى أن النبوة تفضل الفلسفة في أربعة أوجه :” في شموليتها وأنها من الله مباشرة وسهولة تلقيها من الله وسرعة تلقينها للناس العاديين بعكس الفلسفة الأكثر تعقيدا. “..

فكيف يقال عن هذا أنه مُلحد ؟

أبو حيان التوحيدي
وُلد سنة 310 هجرية .. فيلسوف متصوف .. قال عنه تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى “شيخ الصوفية وصاحب كتاب البصائر وغيره من المصنفات في علم التصوف… .وكان فقيراً صابراً متديناً إلى أن قال: وكان صحيح العقيدة قال الذهبي: كذا قال، بل كان عدواً لله خبيثاً، وهذه مبالغة عظيمة من الذهبي .” انتهى.
قال ياقوت الحموي في معجم الأدباء “أبو حيان التوحيدي… صوفي السمت والهيئة..فرد الدنيا الذي لا نظير له ذكاءً وفطنةً، وفصاحةً ومكنةً، كثير التحصيل للعلوم في كل فن حفظه، واسع الدراية والرواية، وكان مع ذلك محدوداً محارفًا يشتكي صرف زمانه، ويبكي في تصانيفه على حرمانه…” -15-

—————————————-
1- منهاج الأدلة ص128 .. من كتاب ( العقيدة الإسلامية في مواجهة التيارات الإلحادية .. د.فرج الله عبد الباري أُستاذ العقيدة والأديان ..دار الآفاق العربية ..ص43 )
2- الملل والنِحل 4-105 .. ( نفس المصدر السابق ص 43 )
3-  نهاية الإقدام ص123 .. ( نفس المصدر السابق ص 43 )
4- المصدر السابق
5- الفارابي المعلم الثاني

6- وفيات الأعيان .. لابن خلكان المجلد الثاني صفحة 157

7-  http://shamela.ws/index.php/book/9734
8-  ابن رشد .. فصل المقال ص22

9- يوسف زيدان أُستاذ الفلسفة ومدير مركز المخطوطات بمكتبة الاسكندرية ( المصدر كتاب “وهم الإلحاد” د.عمرو شريف)
10- من تاريخ الإلحاد في الإسلام .. د.عبد الرحمن بدوي
11- من تاريخ الإلحاد في الإسلام .. د.عبد الرحمن بدوي .. ص165
12- سير أعلام النبلاء : الطبقة السابعة عشر : محمد بن زكريا

13- http://forum.alqum-a.com/t28149.html
14- http://shamela.ws/index.php/author/84

15-  ياقوت الحموي، معجم الأدباء، الجزء الخامس عشر، حرف العين.

 

 

 

 

إذن لم يكن في تاريخ الإسلام ملحد واحد، فالإلحاد الذي هو إنكـار الصانع يختلف عن الإلحـاد الإصطلاحي المعاصر …

لا يوجد في تـاريخ الإسلام مُلحد واحد عبر التاريخ وعبر الجغرافيـا .. ولم يُنسب الإلحاد الذي هو كُفر الصـانع إلى واحد من أُمة الإسلام ..!!
ولم يقل بالإلحاد الذي هو كفر الصانع واحد من جملة العُقلاء ولا الفلاسفة ولا الأطباء ولا أهل الفلك ولا الحساب ولا الفيزياء ولا الكيمياء في تاريخ أُمة الإسلام .. ولم يُحفظ سطر واحد فيه إنكار الصانع عن أُمة الإسلام قاطبةً

وحتى ابن سينا الذي أكثر عليه الملاحدة، فغاية ما هو منسوب إليه عند الغزالي وابن تيمية وابن القيم، إنكار علم الله بالجزئيات بعلم جزئي بل بعلم كُلّي – ظنَّـا منه أن هذا أقرب للتنزيـه -، وهذا لا علاقة له من قريب أو بعيد بالإلحاد الذي هو إنكار الصانع، وحاشا لله أن تُخبل عقول هؤلاء الفلاسفة إلى هذا الحد من الجنون ..!!
وأنكر ابن سينا أيضاً المعاد الجسماني يوم القيامة ” فليكن هذا كافياً في مناقضة الجاعلين المعاد للبدن وحده،أو للنفس والبدن معاً…فالمعاد إذن للنفس وحدها”الأضحوية ص/114،126.
وهذه شنيعة كبرى في العقيدة لكن ما علاقتها بكفر الصانع، بل ربما نستدل منها على إثبات الصانع والإيمان بالبعث عند ابن سينا فهذه من بدهيات عقيدته والتي لم ينفها عنه مَن كفَّروه ..!!

ويرى شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله أن ابن سينا ما اشتغل بالفلسفة إلا لتنزيه الله عن افتراءات الطائفة الإسماعيلية التي هي عائلته -1
لكنه تأثر بالإسماعيلية أهل دعوة الحاكم في الإمامة .-2-
وبالمناسبة عندما تقرأ كلمة ” إلحاد الطائفة الإسماعيلية “عندما تقرأ هذه الكلمة عند السلف عليك أن تعلم أنها لا علاقة لها من قريب أو بعيد أو فوق أو تحت بكفر الصانع أيضًا … بل الطائفة الإسماعيلية اثني عشرية مؤمنون بالقرآن الكريم حتمًا وقطعًا، موحدون الله حتمًا وقطعًا، مثبتون وجود الله بداهة .. وإنما يقول بعضهم بشناعات كُفرية في العقيدة مثل إنكار المعاد الجسماني وإنكار علم الله بالجُزيئات بعلم جزئي وغير ذلك .. وينسبون الإمامة لإسماعيل بن جعفر الصادق – ولذا سُموا بالإسماعيلية – وبذلك انشقوا عن باقي الاثني عشرية الذين جعلوا الإمامة في موسى الكاظم … ولا أدري أيضًا ما علاقة هذا بالإلحاد الاصطلاحي المعاصر الذي هو كفر الصانع ..!!

فلابد لابد لابد من التفريق بين الإلحاد لغًة والإلحاد اصطلاحًا … ولذا يقول ابن القيم رحمه الله ” ومَن أثبتَ منهم وجودَ الربِّ جعله لازماً لذاته أزلاً وأبداً غيَر مخلوقٍ، كما هو قول ابن سينا والنصير الطوسي وأتباعهما من الملاحدة . ” -3-
إذن الإلحاد عند السلف لا علاقة له بالإلحاد الاصطلاحي المعاصر الذي يعني إنكار الصانع ..!
وفي النجوم الزاهرة للتغري بردي قال وهو يتحدث عن ابن سينا :
” كان إمام عصره في الحكمة وعلوم الأوائل، بل كان إماماً في سائر العلوم. وتصانيفه كثيرة في فنون العلوم، حتى قيل عنه: إنه ليس في الإسلام من هو في رتبته. قال أبو عبد الله الذهبي: كان ابن سينا آية في الذكاء، وهو رأس الفلاسفة الإسلاميين الذين مشوا خلف العقول، وخالفوا الرسول – قلت: لم يكن ابن سينا بهذه المثابة بل كان حنفي المذهب، تفقه على الإمام أبي بكر بن أبي عبد الله الزاهد الحنفي – وتاب في مرض موته، وتصدق بما كان معه، وأعتق مماليكه، ورد المظالم على من عرفه، وجعل يختم في كل ثلاثة أيام ختمة إلى أن توفي يوم الجمعة في شهر رمضان. قلت: ومن يمشي خلف العقول، ويخالف الرسول، لا يقلد الأحكام الشرعية، ولا يتقرب بتلاوة القرآن العظيم.”
والله وحده الأعلم بحال ومآل ابن سينا … لكن غاية ما هنالك أن هذا شيء وإنكار الصانع شيء آخر تمامًا ..
فيُرجى عدم الخلط .. لأن هذا غاية الملحد المعاصر ومنتهى مأربه وبالغ عزمه وأصل قصده والله المستعان ..!!

—————-
1- شيخ الإسلام ابن تيمية… الرد على الرد على المنطقيين… ص141
2- شيخ الإسلام ابن تيمية… نقض المنطق… ص 87
3- اجتماع الجيوش الإسلامية… ص86

0 0 votes
Article Rating