بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله الذي لَم يتخذ ولدًا، ولَم يكن له شريكٌ في المُلك، ولَم يكن له وَلِيٌّ من الذُّل وكبِّره تكبيرًا، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

فهذه مقدمة يسيرة حاولتُ فيها أن أُلقيَ الضوء – باختصار شديد – على عقائد النصارى، وكيف تحوَّلت هذه الدِّيانة من رسالة سماويَّة منزَّلة من عند الله – سبحانه وتعالى – على عبده ورسوله عيسى – عليه السلام – مكملة لرسالة موسى – عليه السلام – إلى ديانة أصل عقيدتها التثليث وتأْليه المسيح والرُّوح القُدس، وصَلْب الإله، وبيَّنتُ الأسباب الرئيسية التي أدَّت إلى هذا التحوُّل الخطير في تاريخ هذه الدِّيانة.

ومعلوم أن الكلام على النصارى يتَّخذ محورين رئيسين:

أحدهما: الكلام عليهم من جانب حُكمهم في بلاد المسلمين وعلاقتهم بالمسلمين، وما لَهم وما عليهم من حقوق، وحُكم العمل معهم واستئجارهم، واستئجار المسلمين أنفسهم لهم، وما الذي يجب على المسلم تُجاههم، وغير ذلك مما هو مفصَّل في الكُتُب التي تُبيِّن أحكامهم، مثل: كتاب “أحكام أهل الذمة”؛ لابن القَيِّم.

المحور الثاني: وهو ما يتعلَّق بدين النصارى، وما وَصلوا إليه من تحريفٍ في كُتبهم وعقائدهم ودِيانتهم، وذلك من خلال دراسة كُتبهم، ومعرفة أصولهم التي يَبنون دينهم عليها، وعقائدهم التي يعتقدونها ويتعبَّدون بها، ويُخالفون المسلمين فيها، وهذا هو ما نهدفُ إليه من خلال بحثنا هذا؛ إذ نحاول أن نصِلَ إلى إثبات تحريف كتابهم، وتغيير أصول دينهم، وذلك من خلال كلامهم وكُتبهم وعقائدهم، وليس من كلام المسلمين وعقيدتهم، وإلاَّ فلا يشكُّ مسلم في ذلك؛ إذ إننا لَدَينا من الآيات الكريمة والأحاديث النبويَّة ما يدلُّ على ذلك؛ مما لا يدع مجالاً للشكِّ أو للمناقشة.

بداية دعوة المسيح:

بدأ المسيح دعوته وكان له نحو ثلاثين سنة، واستمرَّ يدعو فترة اخْتُلف في تقديرها، لكنها تتراوَح ما بين عام وثلاثة أعوام، وكان يبشِّر بالإنجيل، ويُلقي حِكَمه ومواعظه، ويُعلِّم تلاميذه ومُريديه، ويُحاور خصومه ومُعانديه، وذلك بعد أنْ طال على بني إسرائيل الأمد؛ فقَسَت قلوبهم، وحرَّفوا شريعة الله، وتلاعَبوا بنصوص التوراة، وقد أيَّده الله بالبيِّنات الباهرة، والمعجزات الظاهرة الدالة على صِدقة وصدْق رسالته، كولادته من غير أبٍ، وكلامه في المهد، وإبراء الأكْمَه والأبرص، وإحياء الموتى، وغير ذلك من المعجزات؛ فآمَن به الحواريون وصَحِبوه، وشَهِدوا كثيرًا من المعجزات التي أيَّده الله بها، ونَصَروه ونصروا دعوته، وآمنوا به كرسولٍ من عند الله، فلم يُبَدِّلوا أو يُغيِّروا.

وعلى الرغم من هذه المعجزات الباهرة، وعلى الرغم من أنَّ القوم الذين أُرسِل إليهم المسيح كانوا ينتظرونه ويستبشرون به ببشارة الأنبياء من قبله، فإنه لَمَّا جاءهم وجَهَر بدعوته، وصار يُناظر الفريسيين والكَهَنة ويُفحمهم؛ استكبَر أكثرهم وكذَّبوه، وناصَبوه العداء، ورَمَوه بالسحر، ورَمَوا أُمَّه بالقبائح، وبدؤوا بالتآمُر عليه، وحاوَلوا قتْله مرارًا، ولكنَّ الله تعالى نجَّاه منهم، ولَم يُمَكِّنهم منه، ثم اجتمَع عُظماء اليهود وأحبارُهم وتشاوَروا في أمره، فرَفعوه إلى الحاكم الرُّوماني “بيلاطس النبطي” الذي كان حاكمًا على اليهود باسم الملك “قيصر” يُحرِّشون على قتْله، وزيَّنوا دعواهم بأنَّ المسيح يريد أن يكون ملكًا على اليهود، وأنه يسعى لتقويض الحُكم القائم، فأوْغَروا صدر الحاكم عليه؛ حتى قرَّر أن يتخلَّص منه بالقتل والصلب على طريقتهم التي كانوا يفعلونها فيمَن يحكمون عليه بالقتل، وتروي الأناجيل المحرَّفة كيف أن يهوذا الإسخريوطي دلَّ على المسيح، فأخَذوه وصَلَبوه!

• أمَّا المسلمون، فيُوقِنون بما جاء في كتاب الله – عزَّ وجلَّ – أنَّ الله نجَّاه من أعدائه، فلم يقتلوه ولَم يَصلبوه، بل رفَعه إليه؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: 157 – 158].

ويعتقدون أنه سينزل قبل يوم القيامة، يقتل الخنزير ويَكْسِر الصليب، ويضع الجِزية، ويقتل الدَّجال، ولا يقبل إلا الإسلام.

ووقتها لا ينزل نبيًّا مُرسلاً؛ إذ لا نبيَّ بعد خاتم الأنبياء والمرسلين – صلَّى الله عليه وسلَّم – ولكنَّه ينزل حَكَمًا عدلاً؛ كما في الحديث الذي يَرويه أبو هريرة – رضي الله عنه – قال: سَمِعت رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – يقول: ((والذي نفس محمد بيده، لينزلنَّ عيسى ابن مريم إمامًا مُقسطًا، حَكَمًا عدلاً، فليكسِرنَّ الصليب، وليَقْتُلَنَّ الخنزير، وليُصْلِحَنَّ ذاتَ البَيْن، وليُذْهِبَنَّ الشَّحناء، وليُعرَضَنَّ عليه المال، فلا يَقبله)).

كتابة الأناجيل:

معلوم أنَّ الكتاب المقدَّس لدى النصارى مكوَّن من العهد القديم والعهد الجديد، فأما العهد القديم، فيشتمل على التوراة وبعض الأسفار التاريخيَّة والشعرية، وأسفار الأنبياء، ويعرفون منها أخبار العالَم في عصوره الأولى، وأجياله القديمة، وشرائع اليهود الاجتماعية والدينيَّة، وتاريخ نشْأَتهم، والنبوَّات السابقة، والبِشارات بالنبيِّين اللاحقين وبالمسيح، وفيها يَجدون أدعية متوارثة تُعين على أداء العبادات، والقيام بالطقوس الدينيَّة.

وأما العهد الجديد، فيشتمل على الأناجيل الأربعة المعتمدَة عندهم، وأعمال الرُّسل، ورسائل بولس، وتُقرأ فيه حياة المسيح منذ ولادته، وحتى صَلْبه ودفْنه وقيامه من قبره بعد ثلاثة أيام – على زعمهم – بما فيها أقواله وأفعاله.

• بدأتْ كتابة هذه الأناجيل بعد رفْع المسيح – عليه السلام – بنحو ثلاثين عامًا، فكتَب “مرقس” إنجيله قُرابة عام 65 ميلادية، ثم تابَعه “مَتَّى” فكتَب إنجيله ما بين عام 70 – 80 ميلادية، ثم تابَعه “لوقا” فكتَب إنجيله عام 80 بعد الميلاد تقريبًا، ثم كتَب “يوحنا” إنجيله ما بين عام 110 – 120 ميلاديَّة.

مع ملاحظة أمور مهمة:

الأمر الأول: أنَّ هؤلاء الكَتَبة مجهولون، فلا يُعلم مَن هم على الحقيقة؟ ولا أين مولدهم؟ ولا أين كتبوا هذه الأناجيل؟ ولا متى كتبوها وسطَّروها على الحقيقة؟ حتى إنَّك تجد في بعض طبعات الكتاب المقدَّس مثل طبعة دار المشرق أو الموسوعة البريطانية عند تعريفهم لإنجيل “متى” مثلاً عبارة: ” كاتب إنجيل متى مجهول على الراجح”، وهكذا في باقي الأناجيل!

الأمر الثاني: أنَّ هذه الأناجيل ليستْ هي إنجيل المسيح الذي كان يبشِّر به، ولَم تنزل عليه بوحي إلهي، فنسبتُها إلى هؤلاء الكَتَبَة تدلُّ على أنه ليس هناك علاقة بينها وبين إنجيل المسيح، بل هي مجرَّد سرد لحياة المسيح، ويدلُّك على هذا ما قد تجده من عبارات تؤكِّد لك أنه ليس كتاب الله الذي أوْحاه للمسيح – عليه السلام.

مثال: ما جاء في لوقا (1 – 1): “لأنَّ كثيرًا من الناس أخَذوا يُدَوِّنون روايةَ الأحداث التي جَرَت بيننا، كما نَقَلها إلينا الذين كانوا من البَدء شُهودَ عِيان وخُدَّامًا للكلمة، رأيتُ أنا أيضًا، بعدما تتَبَّعتُ كُلَّ شيءٍ من أُصوله بتدقيقٍ، أنْ أكتُبَها إليك يا صاحبَ العِزَّة ثاوفيلس”.

الأمر الثالث: أنه لَم يُكتب منها شيء في حياة المسيح، ولا بعد رفْعه مباشرة، بل بدأتْ كتابة هذه الأناجيل بعد رفْع المسيح بنحو 35 عامًا، وكان هذا سببًا رئيسيًّا في ضياع الإنجيل الحقيقي، ووضْع هذه الكتب مكانه على أنها هي كتابهم المقدَّس.

على أنَّ هناك سببًا آخرَ يُعتبر هو العامل الرئيسي في ضياع الإنجيل الحقيقي، ألاَّ وهو الاضطهاد العظيم الذي لاقته الكنيسة، وعلى رأسهم تلاميذ المسيح على أيدي اليهود الذين حاوَلوا منعهم من نشْر دعوتهم، وكذلك على أيدي حُكَّام الرومان الذين ما ترَكوا وسيلة من وسائل التعذيب الوحشي إلاَّ وعذَّبوا بها المسيحيين!

بدأ ذلك في عهد “طيباروس” الإمبراطور الروماني الذي عاصَر المسيح – عليه السلام – وقد حكَم من الفترة الواقعة بين (14 – 37)، وجاء بعده قيصران كانا أشدَّ قسوة على المسيحيين: أحدهما: الإمبراطور الروماني “نيرون” (54 – 68م)، والذي اتَّهمهم بإحراق مدينة “روما”، وقد تفنَّن في تعذيبهم، فكان يُلبسهم جلود الحيوانات، ويَرميهم للكلاب تُمزِّقهم، وكان يحكم عليهم بالقتل الجماعي!

والثاني: الإمبراطور “تراجان” “53 – 117م”، الذي أمَر وُلاته في الأقاليم التابعة له بتعذيب النصارى، وإعدام كل مَن كان مسيحيًّا!

وبعد موت “تراجان” تنفَّس المسيحيون الصُّعَداء، وكانتْ معاملة الأباطرة الذين خَلفوه في الحُكم حسنة، حتى جاء الإمبراطور “ديكيوس” (249 – 251م)، الذي أصدَر مرسومًا باضطهاد كلِّ مَن هو مسيحي، وكان يأمُر مَن قُبِض عليه بتُهمة المسيحية أن يُقدِّم قُربانًا إلى الهيكل الوثني، فإذا رفَض كان هو الذبيحة المقدَّمة للهيكل!

ثم في عهد “دقلديانوس” (284 – 305م) أرادَ الأقباط في مصر التحرُّرَ من قيصر الرومان وأغلاله، فطالَبوا بالحرية، وأمَّروا أحدهم، منشقِّين بذلك عن الإمبراطورية، فجاء “دقلديانوس” بقوَّته إلى مصر، فحرَّق كنائسهم وكُتبَهم، وأعْمَل فيهم القتل؛ حتى قيل: إنه قتَل منهم “300” ألف قبطي، فكانتْ كارثة من أعظم الكوارث التي حلَّت بهم!

ولقد أُعلِنت على النصارى حربان:

1- هذه أحدهما: وهي حرب الإبادة من السُّلطات الرومانيَّة على مَن ينتمي إلى المسيحية، أو يَقتني أيَّ شيءٍ يدلُّ على ذلك من أوراق أو أسفار أو رسائل.

2- والأخرى الحرب الفكريَّة التي قام بها الكُتَّاب اليهود، وكُتَّاب الوثنيَّة الرومانيَّة؛ لإفساد الديانة، تمثَّلت في حَرْق الكتب؛ سواء أكانت أسفارًا أو مؤلَّفات عادية، أو بطريق آخر كان أشرس وأعنفَ وأخطر، ألا وهو تزوير ما يقدِّسه المسيحيون، عن طريق انتحال أناجيل ورسائل، ونِسْبَتها إلى المسيح وتلاميذه!

وقد كان أسهل شيءٍ انتحال الرسائل والأناجيل، ونِسْبتها إلى تلاميذ المسيح، أو مَن تَبِعهم من الجيل الأول؛ لإضفاء الشرعيَّة عليها، وهذا كان منتشرًا كثيرًا، أضِفْ إلى ذلك كله أن التحريف كان يتمُّ من خلال السلطة الحاكمة، وضمن قرارات إمبراطورية تُعَمَّم على مستوى الإمبراطورية، ويُؤْمَر بها بين الناس، وهذا أمر خطيرٌ، ولا يُمكن إغفاله، وتجهيل أثره وَفْقًا لمنطق العقل والتاريخ.

نعم الاضطهاد قد فَشِل في إزالة الديانة كمفهوم ومُسمًّى، ولكنه نجَح في إدخال الفلسفات الرومانيَّة على التوحيد اليهودي، والذي ما جاء المسيح إلاَّ ليَنْقُضه، كما أنه نجَح في إبادة الكُتب المقدَّسة أثناء حملاته طيلة ثلاثة قرون متتالية؛ لأنَّ المسيحية كانتْ تضاد الديانة الوطنية، وهي الوثنية الثالوثيَّة الرومانيَّة، والتي حاوَل الأساقفة تطبيعَ ودمج هذه بذاك؛ لمفاداة عداء الدولة الرومانيَّة، وإثر ثلاثة قرون من الاضطهاد، ومن باب التقية والخوف السياسي، والضَّعف البشري، تزاوَج التوحيد بالوثنيَّة، فوُلِدَت مسيحيَّة حُبلى بالثالوث الرُّوماني ومفاهيمه؛ من تثليثٍ، وصلْبٍ، وتجسيدٍ، وفِداء!

اختلافات المجامع وتقرير العقائد:

جاء عهد الملك قسطنطين، وكان هو أوَّل مَن آمَن من أباطرة الرومان بالنصرانية، فكان عهدُه بداية عهد الرخاء بالنسبة للمسيحيين، حتى إنه يُطلَق عليه “العصر الذهبي للنصارى”، وقد سعى قسطنطين إلى استمالة النصارى؛ لكسْب تأييدهم له لفتْح الجزء الشرقي من الإمبراطورية؛ حيث يَكثر عددهم، فأعْلَن مرسوم “ميلان” الذي يقضي بمنْحهم الحرية في الدعوة، والترخيص لدِيانتهم ومساواتها بغيرها من ديانات الإمبراطورية الرومانيَّة، وشيَّد لهم الكنائس، وكان عهده نهاية أسوأ مراحل التاريخ النصراني قسوةً.

وبدأت المرحلة الثانية من تاريخ النصرانيَّة، وهي مرحلة “المجامع”؛ إذ كَثُرت الخلافات كما بيَّنا بعد المسيح – عليه السلام – بين أتْباعه؛ نتيجة كثرة المُعارضين للعقائد الدخيلة من أنصار دعوة التوحيد، أو من الذين ما زالوا على بقايا دعوة المسيح، أو حتى من الذين لَم يعتقدوا بعقيدة أو بأخرى، كمَن كان يُنكر لاهوت المسيح، أو مَن كان يُنكر ألوهية الرُّوح القُدس، وكانت الطريقة المتَّبعة لحلِّ كل خلاف هو عمل اجتماع يَحضره الأساقفة؛ لوضْع قانون نهائي أو رأي فاصل فيه.

وكانت النتيجة النهائية لكلِّ مجمع هي؛ إما موافقة الجميع على القانون، فيُصبح أساسًا في التشريع النصراني، أو أن يَحدث خلاف على القانون، فيَنتج عنه انشقاقٌ في صفوف الكنيسة، ولكن دائمًا ما كانت ترجح كِفَّة رجال الدِّين الذين تَدعمهم السلطة السياسية بحسب ما تتَّفق أهواؤهم ومصالِحُهم.

وهذه أهم ثلاثة مجامع تمَّت وأحْدَثت أعظمَ التغييرات في الدِّيانة النصرانية[1]:

1- مجمع “نيقيَّة” سنة 325م.

عُقِد هذا المجمع للخلاف حول ألوهية السيد المسيح، فقد نادى البعض بألوهيَّة السيد المسيح “أثناسيوس وأتباعه”، ورفَضها البعض “آريوس وأتباعه”؛ مما دعا الإمبراطور قسطنطين لدعوة جميع كنائس العالم للاجتماع، وكانت قراراتها كالآتي:

أ- القول بألوهيَّة المسيح ونزوله ليُصْلب تكفيرًا عن خطيئة البشر.

ب- اختار المجمع الكُتب وبعض الرسائل؛ لتكوين الكتاب المقدَّس، وتدمير ما عداها من رسائل وأناجيل.

جـ- إصدار قانون الإيمان النيقاوي.

2- مجمع “القسطنطينيَّة الأوَّل” سنة 381م.

عُقِد لمناقشة وبحث ألوهية الرُّوح القُدس؛ حيث لَم يكن الرُّوح القُدس جزءًا من الأقانيم الثلاثة طيلة القرون السابقة، وكانت أهمُّ قرارات المجمع:

أ- اعتبار الرُّوح القدس إلهًا.

ب- إضافة الجزء الثاني من قانون الإيمان الذي بدَؤوه بقولهم: “نعم نؤمن بالرُّوح القُدس الرب المحيي المنبثق من الآب….”.

• وبذلك اكتمَل الثالوث بألوهيَّة الابن في مجمع نيقيَّة، وألوهية الرُّوح القدس في مجمع القسطنطينية.

3- مجمع “أفسس الأوَّل” سنة 431م.

بعد أن حدَث اختلاف في طبيعة المسيح وفي مريم العذراء، تَمَّ تقرير الآتي:

أ- المسيح له طبيعة واحدة ومشيئة واحدة، طبيعة إلهيَّة ممزوجة بطبيعة بشريَّة.

ب- أنَّ العذراء وَلَدت إلهًا، وتُدْعَى لذلك أُم الإله!

جـ- وضْع مقدمة قانون الإيمان الذي بدؤوه: “نُعَظِّمك يا أُمَّ النور الحقيقي، ونُمَجِّدك أيتها العذراء القدِّيسة والدة الإله…”!

إلى غير ذلك من المجامع المسكونيَّة والمحليَّة التي كان نتيجتها تحريفَ دين المسيح – عليه السلام – وصُنع دين آخر جديد، فلم تبقَ على هيئتها التي أنزَلها الله على عبده ورسوله عيسى – عليه السلام – بل تحوَّلت الدِّيانة السماوية إلى ديانة وثنيَّة، فقَدَت أصولها ومعانيها، وحلَّت محلَّها أصول أخرى.

الأصول التي فقَدَتْها المسيحية:

1- الإيمان بالإله الواحد الحقِّ، وبرسوله الذي أرْسَله.

2- التأكيد على استمرار العمل بشريعة التوراة.

3- المُناداة بالتوبة إلى الله.

4- الإيمان بإنجيل المسيح – عليه السلام.

5- البِشارة بما هو آتٍ من بعد بعثته – عليه السلام.

العقائد الدخيلة التي أصبحتْ هي الأصول في الديانة النصرانيَّة:

1- الخطيئة والفِداء: هذه الخطيئة هي الأساس الأوَّل الذي قامَت عليه كلُّ عقائد النصارى، فعلى أساسها جعَلوا عيسى إلهًا – تجسَّدَ وصُلِب وقامَ – حيث يعتقد النصارى أنَّ آدم خلَقه الله ووضَعه في الجنة، وأمَره ألاَّ يأكل من شجرة معرفة الخير والشر، ولكنَّ آدمَ لَم يَمتثل لأمر الله، حيث أغواه الشيطان، فأكَل من الشجرة، فأصبَح عند آدمَ خطيئة يتوارثها الأبناء والأحفاد، وبما أنَّ هذه الخطيئة حدَثت في غير محدود وهو الله، فلا بد أن يكفِّر الخطيئة أيضًا غيرُ محدود، وبما أنَّ هذه الخطيئة عظيمة جدًّا، لدرجة أنها لا يُمكن أن تُغفر بالوسائل العاديَّة، وبما أنَّ الله مُتَّصِف بصفة الرحمة، فإنَّ هذه الصفة تستوجِب العفو، فنَتَج تناقضٌ بين عدْل الله وبين رحمته، فتطلَّب الأمر شيئًا يَجمع بين العدل والرحمة، فكانت الطريقة الوحيدة لكي يغفر الله للبشرية هذا الذنب – الذي لَم يرتكبوه – هي الفِدية، وهي أنْ يسلِّم الله نفسه أو ابنه؛ لكي يعلَّق على الصليب ويُقْتل، فاتَّحد اللاهوت والناسوت في بطن العذراء مريم، فنتَج عن هذا الاتحاد إنسان كامل من حيث هو وَلَدها، وكان الله في الجسد إلهًا كاملاً، وقد تمثَّل هذا كله في المسيح الذي أتى ليكون “فدية”، فضحَّى الله بابنه الوحيد من أجْل أن يَغْفر الخطيئة العظيمة للبشريَّة!

2- التثليث: تقوم فكرة التثليث عند النصارى على اعتقاد أنَّ الله واحد، ولكنه مكوَّن من ثلاثة أقانيم: الآب، والابن، والرُّوح القُدس، وأنَّ الثلاثة يكونون إلهًا واحدًا، وليسوا ثلاثة آلهة!

3- ألوهية المسيح: فالمسيح هو الأقنوم الثاني في اللاهوت، وهو ابن الله الوحيد المولود من الآب قبل كلِّ الدهور، إله حقٌّ من إله حق، ومساوٍ للآب في الجوهر.

4- ألوهية الرُّوح القدس، فالرُّوح القُدس هو الأقنوم الثالث في اللاهوت، وهو ليس مجرَّد تأثير أو صفة، بل هو ذاتٌ حقيقيَّة، وشخص حي، وأقنوم متميِّز، ولكنه غير مُنفصل، وهو مُشترك مع الآب والابن في جوهر واحدٍ، ولاهوت واحد.

5- الحساب والدينونة: يعتقدون أنَّ المسيح قام من القبر بعد ثلاثة أيام، ومكَث بعد قيامته هذه أربعين يومًا، ثم ارتفَع بعدها إلى السماء، وجلَس بجوار الربِّ في زعمهم – وسيأتي ليدينَ الناس يوم القيامة، وله بهذا المُلك الأبدي، فلا فناءَ لمُلكه.

6- عِصمة البابا ورجال الكنيسة، وهذا ما دفعَهم إلى أن يعتقدوا أنَّ رجال الكنيسة هم وحْدهم مَن يَملكون قَبول التوبة وغُفران الذنوب، ففُتِح باب الاعتراف أمام القساوسة، وهذا الاعتراف يُسقِط عن الإنسان الذنبَ، ويُطَهِّره منه تمامًا!

——————————————————————————–

[1] المجامع ثلاثة أنواع : مجامع مسكونيَّة؛ أي: عامة، تجمع كلَّ رجال الكنائس المسيحية، ومجامع محليَّة أو إقليميَّة؛ أي: خاصة بإقليم مخصوص، ومجامع مِلِّيَّة؛ أي: خاصَّة بطائفة دون غيرها.

رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/32891/#ixzz621hQ1V8h