للعاقلات فقط، 100 وقفة تربوية للمرأة مع رسول الله (8)

فضيلة الشيج/ جمال عبد الرحمن

 

61- العاقلة وبشرى لكل المذنبين:

عن أم عصمة العوصية امرأة ابن قيس قالت: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “ما من مسلم يعمل ذنباً إلا وقف الملك الموكل بإحصاء ذنوبه ثلاث ساعات، فإذا استغفر من ذنبه ذلك في شيء من تلك الثلاث ساعات لم يرفعه عليه يوم القيامة”[1].

 

فما أوسع رحمة الله جل وعلا الذي قال في ذلك: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 11]، والشرط في ذلك الصدق في التوبة والاستغفار وليس استغفار المستهزئين.

 

62- العاقلة والتوبة النصوح:

التوبة النصوح هي التي تكون عامة وشاملة لكل الذنوب، مما يعني تسليم المرء قلبه كله لله رب العالمين، فلا يتوب عن معصية ويترك غيرها بلا توبة؛ فالتسليم لله لا يتجزأ.

 

روى مسلم في صحيحه عن بريدة أن امرأة تسمى الغامدية جاءت إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقالت: يا رسول الله إني زنيت فطهرني، فردها رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فلما كان الغد قالت: يا رسول الله، لمَ تردني؟ لعلك تردني كما رددت ماعزاً، فوالله إني لحبلى، فقال – صلى الله عليه وسلم -: “… فاذهبي حتى تلدي” فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: “اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه”، فلما فطمته أتت بالصبي في يده كسرة خبز فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع النبي – صلى الله عليه وسلم – الصبي إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، فيقبِل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فنضح الدم على وجه خالد فسبها، فسمع نبي الله – صلى الله عليه وسلم – سبه إياها فقال: “مهلاً يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس – نوع خبيث من أكل أموال الناس بالباطل – لغفر له”، ثم أمر بها فصلي عليها ودفنت، فهل هناك توبة أصدق من مثل هذه التوبة؟ تلح المرأة وتجادل، ليس للهروب من الذنب والخطأ كما يفعل الكثيرون ولكن لتطهر من دنس الذنب ورجس المعصية، ولو كان التطهير رجماً بالحجارة حتى الموت.

 

إنها تعرف أن الرجم مهما كان قاسياً فهو أهون بكثير من غمسة واحدة في النار، من أجل ذلك جادت بأعز ما تملك؛ بروحها، فليسارع العصاة والزناة بالتوبة إلى الله، فإن الله تعالى يغفر لمن تاب ويهدي إليه من أناب.

 

63- العاقلة وهي وحيدة أبويها:

سهل بن رافع صاحب الصاعين الذي لمزه المنافقون – فأنـزل الله تعالى في حقه: ﴿ الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ… ﴾ [التوبة: 79].

 

خرج سهل بابنته عميرة، وبصاع من تمر فقال: يا رسول الله إن لي إليك حاجة، قال: “وما هي؟” قال: تدعو الله لي ولابنتي، وتمسح رأسها فإنه ليس لي ولد غيرها، قالت عميرة: فوضع كفه علي، فأقسم بالله لكان برد كف رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على كبدي بعد[2]. رضي الله تعالى عن عميرة، فحب أبيها لها وهي وحيدته لم يدفعه أن يهمل تربيتها أو يتساهل في تأديبها، لكنه ذهب يلتمس صلاحها والبركة بدعوة من سيد البشر، “تدعو الله لي ولابنتي”.

 

64- العاقلة وبر أبويها قبل وبعد موتهما:

جاءت امرأة إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تسأله يا رسول الله: إن فريضة الله على عباده أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: “نعم”[3].

 

وأخرى جاءت إليه تسأله – صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها نذر أن تمشي إلى الكعبة “في حج أو عمرة أو اعتكاف أو صلاة” فقال لها النبي – صلى الله عليه وسلم -: “اقض عنها”[4].

 

65- العاقلة واحترام الأب:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما رأيت أحداً أشبه سمتاً ودلاً وهدياً برسول الله – صلى الله عليه وسلم – في قيامها وقعودها؛ من فاطمة بنت رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وكانت إذا دخلت على النبي – صلى الله عليه وسلم – قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا دخل عليها قامت من مجلسها وقبلته وأجلسته في مجلسها[5].

 

ما أحسن العشرة حين يكون الاحترام متبادلاً سواء بين الزوج وزوجته أو بين الوالدين والأبناء، عندها يكون البيت جنة وبهجة، وتنمو المبادئ والقيم فيتلقنها الأولاد بالرضا والقبول.


[1] الحاكم (4/291) وقال: صحيح الإسناد، والإصابة لابن حجر (8/260).

[2] الاستيعاب (4/1888)، والإصابة (8/38).

[3] البخاري (2/1442)، ومسلم (2/1334).

[4] فتح الباري (4/1754)، وقال ابن حجر: أخرجه ابن مندة في حرف الغين المعجمة من الصحابيات.

[5] البخاري وأبو داود والترمذي.