ورد في إنجيل متى الإصحاح 28 العدد 19 القول المنسوب للمسيح عليه السلام : (( فاذهبوا وتلمذوا جميع الامم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس.))

ويحتج النصارى بهذا النص على أنه دليل على عقيدتهم الوثنية عقيدة التثليث والرد على ذلك نقول بسم الله :

1- أول نقد يوجه لهذه الفقرة أنها رغم أهميتها فإنها لم ترد في الأناجيل الثلاثة الأخرى التي اتفقت على إيراد قصة دخول المسيح أورشليم راكباً على جحش . فهل كان ركوبه على جحش أهم من ذكر التثليث ؟!!  أليس هذا الأمر يدل على الخلل الكبير في هذه القصص المسماه بالاناجيل ؟

2- ثم إن الفقرة وردت في أحداث ما بعد القيامة، و قصة القيامة برمتها و لكثرة الاختلاف في روايات الأناجيل لها يعتبرها علماؤنا قصة مزورة ملفقة .

ثم عند تفحص الفقرة يكشف عما يكذبها فقد سبقها حديث عن الحواريين بأنهم شكوا . يقول متى :”و لما رأوه سجدوا له، و لكن بعضهم شكوا ” (متى 28/17) ، و كان مرقس قد ذكر في هذا الموضع أن المسيح ظهر للتلاميذ” ووبخ عدم إيمانهم و قساوة قلوبهم لأنهم لم يصدقوا الذين نظروه قد قام، وقال لهم : اذهبوا إلى العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها ” (مرقس16/14-15)، و لم يذكر شيئاً عن عناصر التثليث !!!!

و يؤكد عبد الرحمن باجة أن العبارة مضافة إلى الإنجيل بدليل أن يوحنا المعمدان قد قال حسب متى : ” أنا أعمدكم بماء التوبة، و لكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني… هو سيعمدكم بالروح القدس والنار ” (متى 3/11)، فلم يذكر الآب و لا الابن.

3- والقول بأن هذه الفقرة دخيلة هو قول لعلماء الغرب أيضاً، يقول ويلز : ليس دليلاً على أن حواريي المسيح اعتنقوا التثليث. ويقول أدولف هرنك : صيغة التثليث هذه التي تتكلم عن الآب و الابن و الروح القدس، غريب ذكرها على لسان المسيح، و لم يكن لها وجود في عصر الرسل،…كذلك لم يرد إلا في الأطوار المتأخرة في من التعاليم النصرانية ما يتكلم به المسيح و هو يلقي مواعظ و يعطي تعليمات بعد أن أقيم من الأموات، إن بولس لا يعلم  شيئاً عن هذا “.(1) إذ هو لم يستشهد بقول ينسبه للمسيح يحض على  نشر النصرانية بين الأمم .

4- ويؤكد تاريخ التلاميذ عدم معرفتهم بهذا النص إذ لم يخرجوا لدعوة الناس كما أمر المسيح، ثم لم يخرجوا من فلسطين إلا حين أجبرتهم الظروف على الخروج “و أما الذين تشتتوا من جراء الضيق الذي حصل بسبب استفانوس فاجتازوا إلى فينيقية و قبرص و أنطاكيا و هم لا يكلمون أحداً بالكلمة إلا اليهود فقط”(أعمال 11/19).

و لما حدث أن بطرس  استدعي من قبل كرنيليوس الوثني ليعرف منه دين النصرانية، ثم تنصر على يديه. لما حصل ذلك لامه التلاميذ فقال لهم:”أنتم تعلمون كيف هو محرم على رجل يهودي أن يلتصق بأحد أجنبي أو يأتي إليه، و أما أنا فقد أراني الله أن لا أقول عن إنسان ما أنه دنس أو نجس”(أعمال 10/28)،  لكنه لم يذكر أن المسيح أمرهم بذلك بل قال “نحن الذين أكلنا و شربنا معه بعد قيامته من الأموات،  وأوصانا أن نكرز للشعب”(أعمال10/42)، أي لليهود فقط .

5- و عليه فبطرس لا يعلم شيئاً عن نص متى  الذي يأمر بتعميد الأمم باسم الأب و الابن و الروح القدس. و لذلك اتفق التلاميذ مع بولس على أن يدعو الأمميين ،وهم يدعون الختان أي اليهود يقول بولس:”رأوا أني أؤتمنت على إنجيل الغرلة (الأمم) كما بطرس على إنجيل الختان…أعطوني وبرنابا يمين  الشركة لنكون نحن للأمم،وأما هم فللختان” (غلاطية2/7-9) فكيف لهم أن يخالفوا أمر المسيح -لو كان صحيحاً نص متى-ويقعدوا عن دعوة الأمم ،ثم يتركوا ذلك لبولس وبرنابا فقط ؟

6- وجاءت شهادة تاريخية تعود للقرن الثاني مناقضة لهذا النص إذ يقول المؤرخ أبولونيوس :”إني تسلمت من الأقدمين أن المسيح قبل صعوده إلى السماء كان قد أوصى رسله أن لايبتعدوا كثيراً عن أورشليم لمدة اثني عشر سنة”.(2)

7- فكل هذه الشواهد تكذب نص متى، و تؤكد أنه نص مختلق لا تصح نسبته للمسيح، ثم عند غض الطرف عن ذلك كله فإنه ليس في النص ما يسلم بأنه حديث عن ثالوث أقدس اجتمع في ذات واحدة، فهو يتحدث عن ثلاث ذوات متغايرة قرن بينها بواو عاطفة دلت على المغايرة، و المعنى الصحيح للنص كما يرى محمد حسن و غيره : اذهبوا باسم الله و رسوله عيسى و الوحي المنزل عليه بتعاليم الله عز و جل.

8- و لهذه الصيغة مثل لا يصرفه النصارى للتثليث ، فقد جاء في بعض رسالة بولس إلى تيموثاوس : (( أناشدك أمام الله و الرب يسوع المسيح و الملائكة المختارين…)) (تيموثاوس(1)5/21) فإن أحداً لم يفهم من النص ألوهية الملائكة أو أنهم الأقنوم الثالث، ويقال في نص متى ما يقال في نص بولس(3).

9- وهذا الأسلوب في التعبير معهود في اللغات و الكتب و قد جاء في القرآن مثله : (( يا أيها الذين آمنوا  أمنوا بالله و رسوله و الكتاب الذي نزل على رسوله و الكتاب الذي أنزل من قبل )) (4) وغير ذلك من الآيات القرآنية.

يقول المستشار محمد عزت الطهطاوي :

يقول بعض المسيحيين إن تمسكهم بالتثليث راجع إلي ما ورد في إنجيل متى [28 : 9 ] من قول المسيح لتلامذته : (( فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس ))

ونحن نسأل :

هل هذه العبارة تفيد الانسلاخ من التوحيد إلي التثليث ؟

إن هذه العبارة ( على فرض صحة نسبتها للمسيح ) فإنها لا تفيد أدنى دلالة على فهم المسيحيين من ان الله الواحد الأحد الفرد الصمد هو ثلاثة أقانيم بل هي صريحة في أن كل واحد من هذه الثلاثة هو غير الآخر تماماً لأن العطف يقتضي المغايرة ، والمعنى السليم للنص هو :

عمدوهم باسم كل واحد من هذه الثلاثة المتغايرة :

( أ ) فالآب _ هو الله _ وهو أب لكل الانبياء والاولياء والمرسلين والقديسين ، بل ولعموم المؤمنين ، كما هو مصرح في الانجيل أيضاً .

( ب ) والابن _ الذي يراد به المسيح _ أطلق أيضاً على إسرائيل وداود وسليمان ، كما أطلق على كل صالح وكل صانع للسلام ومنقاد للرب ، يقول بولس : (( لأن كل الذين ينقادون بروح الله هم ابناء الله )) [ رومية 8 : 14 ]

( ج ) وأما الروح القدس فهو ذلك الوحي الذي ينزل على المسيح وعلى أمثاله من الانبياء مأيداً لهم بأمر الله .

والمعنى المستفاد من النص المذكور والذي لا يصح أن يفهم سواه هو الآتــي :

عمدوا الأمم وعلموا أبناءها :

باسم الآب : أي الله الواحد

وباسم الابن : أي المسيح رسول الله

وباسم الروح القدس : أي الوحي الذي نزل على المسيح عليه السلام وعلى من قبله من الانبياء والمرسلين .

ولا شك أن التعميد ليس باسم تلاميذ المسيح وإنما هو باسم أركان الدين المقومين له ، وهم :

( أ  ) الله سبحانه وتعالى المعبر عنه بالآب .

( ب ) والرسول المعبر عنه بالابن .

( ج ) وجبريل المعبر عنه بالروح القدس .

( أ  ) فيكون معنى الاعتماد باسم الله هو :

الاعتراف بأنه لا إله غيره وحده لا شريك له .

( ب )  ويكون معنى الاعتماد باسم المسيح هو :

الاعتراف به نبياً ورسولاً من عند الله لشعب اليهودية ومن تبعهم .

( ج ) ويكون معنى الاعتماد باسم الروح القدس هو :

الاعتراف بأنه سفير الوحي الالهي الذي كان ينزل بالوحي وبالاوامر الالهية .

ومما لاجدال فيه أن الاعتماد هو باسم الله عزوجل على الحقيقة ، وأما الاعتماد باسم المسيح عليه السلام فهو مجاز نسب إليه لكونه واسطة في هداية الناس المعتمدين منه .

1_ فالمسيح نفسه ما عمل الاعمال العجيبة ، وشرع هذا الدين الجديد باسم نفسه قط ، بل باسم الله سبحانه وتعالى كما قال في إنجيل يوحنا [ 10 : 25 ] :

(( الاعمال التي أنا أعملها باسم أبي هي تشهد لي ))

وكما قال في إنجيل يوحنا أيضاً [ 5 : 43 ] :

(( أنا قد أتيت باسم أبي ولستم تقبلوا مني . إن أتى آخر باسم نفسه فذلك تقبلونه ، كيف تقدرون أن تؤمنوا وأنتم تقبلون مجد بعضكم من بعض والمجد الذي من الإله الواحد لستم تطلبونه ))

إن هذه الأقوال تثبت أن مجيىء المسيح للناس معلماً ومشرعاً ليس من نفسه ، بل باسم الله سبحانه وتعالى ، أي أن ذلك كله منسوب لله على الحقيقة ، فهو سبحانه وتعالى مصدره .

2 _ وكذلك الحال بالنسبة للأعجوبات التي كان المسيح يعملها كان يعملها باسم الله ، أي بقوة الله .

3 _ وإذا كان إتيان المسيح لم يكن باسم نفسه والأعمال التي يعملها والاعاجيب التي كان يقوم بها ، لم تكن باسم نفسه ، فمن باب أولى : لا يكون اعتماد الناس باسم المسيح بالمعنى الحقيقي ، بل بالمعنى المجازي لكونه واسطة فيه .

و يزعم القمص زكريا بطرس أن وحدانية الثالوث واضحة بقول السيد المسيح لتلاميذه اذهبوا و تلمذوا جميع الامم و عمدوهم باسم الاب و الابن و الروح القدس فالسيد المسيح قال لهم عمدوهم باسم و لم يقل باسماء لاننا لا نؤمن بثلاثة الهة لها ثلاثة اسماء . انتهى كلام القمص و يقول النصارى كلهم نفس هذا القول .

وقد قام الأخ : eeww  بالرد عليه فقال :

القمص و من ينخدع بكلامه يريد ان يقول ان ورود كلمة اسم بصيغة المفرد يثبت وحدانية الثالوث و عندما نبحث فى الكتاب المقدس نجد ان كلام القمص لا يصمد امام هذه النصوص من كتابه المقدس و إليك البيان :

النص الاول التكوين 48 : 6 وَأَمَّا أَوْلاَدُكَ الَّذِينَ تَلِدُ بَعْدَهُمَا فَيَكُونُونَ لَكَ. عَلَى اسْمِ أَخَوَيْهِمْ يُسَمُّونَ فِي نَصِيبِهِمْ.

لاحظ هنا اسم مفرد منسوبة الى اخوين هل معنى ذلك اى وحدة بين هذين الاخوين ؟!

النص الثانى التثنية 7 : 24 وَيَدْفَعُ مُلُوكَهُمْ إِلى يَدِكَ فَتَمْحُو اسْمَهُمْ مِنْ تَحْتِ السَّمَاءِ. لا يَقِفُ إِنْسَانٌ فِي وَجْهِكَ حَتَّى تُفْنِيَهُمْ.

لم يقل النص اسمائهم بل قال اسمهم بالمفرد هل معنى ذلك ان هؤلاء الملوك واحد لان النص يقول اسمهم طبعا كلا هذه اقوال مخادعين و لا يصدقهم الا مخدوعين سذج .

النص الثالث التثنية 9 : 14 أُتْرُكْنِي فَأُبِيدَهُمْ وَأَمْحُوَ اسْمَهُمْ مِنْ تَحْتِ السَّمَاءِ وَأَجْعَلكَ شَعْباً أَعْظَمَ وَأَكْثَرَ مِنْهُمْ.

الحديث عن شعب كامل و لكن النص يذكر اسمهم بالمفرد و ليس اسمائهم هل معنى هذا ان الشعب واحد فى شعب و شعب فى واحد ؟!

النص الرابع يشوع 23 : 7 .حَتَّى لاَ تَدْخُلُوا إِلَى هَؤُلاَءِ الشُّعُوبِ أُولَئِكَ الْبَاقِينَ مَعَكُمْ, وَلاَ تَذْكُرُوا اسْمَ آلِهَتِهِمْ وَلاَ تَحْلِفُوا بِهَا وَلاَ تَعْبُدُوهَا وَلاَ تَسْجُدُوا لَهَا.

هنا الكارثة الكبرى آلهة كثيرة يعبدها الكفار يذكر النص اسمهم بصيغة المفرد لو طبقنا قاعدة القمص فهذا النص دليل على وحدانية هذه الالهة ذلك لأن النص يقول اسم الهتهم و ليس اسمائهم !!

النصوص كثيرة لاثبات تهافت وسخف ما يقوله القمص الذى يجهد نفسه لاثبات التثليث الباطل و لكن يأبى كتابه المقدس الا ان يكذبه و يدحض زعمه.

ولو طلبت من شخص او اشخاص ان يذهبوا الى منتدى السلفيين مثلا و يدعوا اعضائه باسم برسوم و حليمو و مروان الى الانضمام الى هذا المنتدى هل معنى ذلك ان هؤلاء الثلاثة واحد؟؟؟ طبعا الاجابة بالنفى انهم ثلاثة مختلفين لكن متحدين فى الهدف و الغاية و وحدة الهدف لا تتطلب اتحاد الاشخاص و نص متى لا ينص ابداً على انهم واحد و لا ينص كذلك على انهم متساويون . و كلمة باسم لا تعنى ايضاً ان لهم اسم واحد بل لكل منهم اسم و كونها مفرد لا يدل على انهم واحد ابداً بل هى لغة متداولة و المقصود” باسم كل منهم” .

و العبارة على ذلك لا تفيد ادنى دلالة على فهم النصارى من ان الله الواحد الاحد هو ثلاثة اقانيم بل صريحة فى ان كل واحد من هذه الثلاثة هو غير الاخر تماماً .

——————————————————

([1]) انظر:الفارق بين المخلوق والخالق،عبد الرحمن باجي البغدادي،ص 24،506،مسيحية بلا مسيح،كامل سعفان،ص 66،المسيح في مصادر  العقائد المسيحية،أحمد عبد الوهاب،ص 61،عقائد النصارى الموحدين بين الإسلام والمسيحية،حسني الأطير،ص 92،المسيحية الحقة التي جاء بها المسيح،علاء أبو بكر،ص 74

([2]) انظر :عقائد النصارى الموحدين بين الإسلام والمسيحية،حسني الأطير،ص 230،طائفة الموحدين من المسيحيين عبر القرون،أحمد عبد الوهاب،ص 91-94،مقارنة بين الأناجيل الأربعة،محمد الخولي،ص 178،حول موثوقية  الأناجيل والتوراة،محمد السعدي،منشورات جمعية الدعوة الإسلامية العالمية،ليبيا،1406هـ،ص   17.

([3]) انظر: تعليق على”البحث الصريح في أيما هو الدين الصحيح،زيادة النصب الراسي”،لوحة 5أ، الجواب الفسيح لما لفقه عبد المسيح،نعمان الألوسي 1/97، النصرانية في الميزان،محمد عزت الطهطاوي،ص 26، براهين تحتاج إلى تأمل في ألوهية المسيح،محمد حسن عبد الرحمن،ص 82.

([4]) سورة النساء،آية:136.