لوثر

ثورة لوثر على الكنيسة:وهنا نجد أن بعض الأمراء يتدخل فيوصيه بألا يجيب طلبها، فلم يرَالبابا بدَّا من أن يصدر قراراً بحرمانه، ويعده زائفاً، وهنا تأخذ الحمية لوثر، ويشتد في دعوته، ويجاهر بالاستهانة بأمر الحرمان، حتى إنه ليحرق في وسط وتنبرج – والجموع حاشدة – حرمان البابا وقرار زيفه، ولم يبق إلا أن تنفذ السلطة المدنية قرار الحرمان، فتحرمه من الحقوق القانونية والمدنية، أثراُ لقرار الحرمان الديني، فاجتمع مجمع ورمز سنة 1521 لمحاكمته، ولكنه طالب البابا بأن يقنعه بخطئه فيما أرتأى. فلم يجب إلى ما طلب، فانفض المجمع من غير نتيجة في هذا، ولكن الإمبراطور أعلن حرمانه من الحقوق المدنية إلا أن أمير سكسونية حماه.ومن هذا الوقت أخذت تخضع دعوة لوثر لحكم الأحداث السياسية، فتجد سلماً من الدولة، إذا كان الإمبراطور مشغولاً بحرب، ولا يريد إثارة فتنة. وتجد حربا إذا خلا الإمبراطور فهم، وفي كلتا الحالتين تزداد الدعوة حدة ويزداد أتباعها عددا، ويشتد ساعدهم بموالاة أمراء أعزاء في النفرة.وفي سنة 1529 حاول الإمبراطور أن ينفذ قرار الحرمان الصادر سنة 1521 ولكن أنصار لوثر يحتجون على ذلك، ومن ذلك الحين سموا البروتستنت أي المحتجين، ثم جرت الأمور سلما فحربا متداولين، حتى إذا مات لوثر، وكان الإمبراطور قد خلص من كل الحروب التي تشغله أنزل بالبروتستنت أقصى العذاب وأشده بلاء، ثم يعقب ذلك صلح بين الفريقين.
لوثر لم يرد هدم الكنيسة:121 – لم يكن لوثر من الغلاة الذين يرمون إلى هدم الكنيسة، ولا إلى محاربة سلطانها، بوصف كونها مرشدة وواعظة ومبينة للناس شئون دينهم، ولكنه كان يريد إصلاح حال الكنيسة ورجالها، وحملهم على الحادة وإعطاءهم من الحق ما أعطته الكتب المقدسة، ووصايا رسلهم، والمأثور عنهم، وهو لم ينظر إلى الباب على أنه خليفة المسيح لا يخطئ، ولا يأتي الباطل إلى قوله، بل نظر إليه على أنه كبير المرشدين الواعظين.ولما أراد لهم الصلاح – وكان يائسا من أن يقوموا هم بذلك – دعا الأمراء إلى أن يتدخلوا، وقرر أن لهم عليهم سلطانا، وأن لهم الحق في عزل رجل الدين إذا لم يقم بما يأمره به الدين، ووجد أن جزءا من فساد رجال الدين يرجع إلى عدم الزواج.ورأى أن المنع منه لم يكن في المسيحية في عصورها الأولى، فقرر حقهم في الزواج، وتزوج هو فعلا مع أنه من رجال الدين. وكان زواجه من راهبة.ووجد أن الكنيسة تحتفظ لنفسها بحق فهم الإنجيل، وذلك من أسباب غلوها وفقدها الرقيب، فجعل لكل مسيحي مثقف الحق في فهمه، واشتغل بترجمته إلى الألمانية ليقرأه كل ألماني.وأنكر أن المسيح يحل في بدن من يأكل العشاء الرباني. فقد أنكر استحالة الخبز إلى عظام المسيح المكسورة. وأنكر استحالة الخمر إلى دم المسيح، وحلولهما في جسم الآكل. واكتفى بكون العشاء الرباني تذكيرا لما قام به المسيح من فداء للخليقة في زعمهم. وأن يعتقد المسيحي أن المسيح معه بجسده عند تناول هذا العشاء.هذا كله مع إنكاره حق الكنيسة في الغفران، ذلك الحق الذي كان عود الثقاب الذي أشعل ثورة لوثر، وكانت منها تلك النيران التي لم تستطع الكنيسة لها إطفاء.
زونجلي وأعماله:122 – وفي الوقت الذي كان يغالب فيه لوثر الكنيسة وأنصارها من ذوي السلطان، كان في سويسرة صوت قوي أخر ينادي بما يقارب ما نادى به لوثر، ذلك هو زونجلي (1484 – 1531) فقد ألمته حال الكنيسة ودعا إلى مثل ما دعا إليه لوثر في مسائل الدين. وقد ابتدأت ثورته بالثورة على صكوك الغفران كما ابتدأ لوثر، وقد مات أثناء صراع وقع بين أنصاره المعتنقين لمبادئه وأنصار الكاثوليك.وآراؤه في الحملة تتقارب من آراء لوثر، ولقد كان يرى أن العشاء الرباني مناولة تذكارية لموت المسيح وفدائه لخطيئة الخليقة في زعمهم، وأن المسيح يحضر ذلك العشاء بروحه فقط. ويفسر ما جاء خاصا بالعشاء الرباني في إنجيل متى بمعناه المجازي. وهذا نص ما جاء في ذلك الإنجيل في إصحاحه السادس والعشرين: وفيما يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك. وكسر، وأعطى للتلاميذ، وقال: “خذوا، كلوا هذا هو جسدي” وأخذ الكأس وشكر، وأعطاهم قائلا: “اشربوا منها كلكم، لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا”.ودعوة زونجلي هذه، وإن كانت تتلاقى في مبادئها في الجملة مع مبادئ لوثر كانت منفصلة عنها، فلم تتوحد الدعوتان، بل كانت كلتاهما تعمل في محيط إقليمها، بيد أن حركة لوثر كانت أوسع دائرة وأسرع انتشارا، لسعة الإقليم الذي نشأت فيه، ولرعاية بعض الأمراء لها، بل لاعتناقهم مبادئها، ولأن الأحوال السياسية في ألمانيا كانت تسمح لمثل هذه الدعوة بالذيوع والانتشار.كلفن وأثره في الإصلاح:123 – في الوقت الذي كان فيه هذان الرجلان يعملان ويجاهدان كل بطريقته، فلوثر بطريقته السلمية التي خالطها العنف، وزنجلي بطريقة الصراع والمنازلة، حتى مات فيه.في هذا الوقت كان رجل آخر ظهر في فرنسا وهو كلفن (1509 – 1564) قد ولد بفرنسا، ونشأ بها، وتثقف ثقافة قانونية، ولكنه مال بعد تخرجه في القانون إلى الدراسات الدينية، وقد كانت حركة لوفر قد ذاعت وشاعت في ربوع أوربا، وما أن أعلن كلفن آراءه حتى أضطر إلى الفرار بعقيدته إلى جنيف في سويسرا، وهناك ألف وكتب، وأخذ يعمل على نشر مبادئ المذهب البروتستنتي، وينظمها بعد موت لوثر، فتنظيمها على الشكل الأخير يرجع إلى كلفن أكثر مما يرجع إلى أي رجل آخر، وإن كان باذر البذرة سواه، بل إن بذور ذلك المذهب قد كانت أقدم تاريخيا من لوثر نفسه، وقد نوهنا إلى بعض هذا الكلام في المجامع.ويرى كلفن أن الكنيسة يجب أن تحكم نفسها بنفسها، وعلى الحاكم المدني مساعدتها ومعاونتها وحمايتها، وذلك ليكون السلطان الديني غير خاضع لحكم الحكام، وهو يرى أن المسيح لا يحضر لا بشخصه ولا بروحه في العشاء الرباني، ويعتبر تناول العناصر المادية رمزا للإيمان, ويقول كما يقرر صاحب كتاب الأصول والفروع في العشاء الرباني: “يشير العشاء الرباني أيضا إلى مجيء المسيح، كما يشير إلى موته، فيكون تذكارا للماضي والمستقبل، فالعبرة في العشاء الرباني للذكرى، لا حضور المسيح مادياً أو روحياً”.