الرد على افتراءات المستشرقين

حول زواج النبي صلى الله عليه وسلم

من زينب بنت جحش رضي الله عنها

أ.د. إسماعيل علي محمد استاذ ورئيس قسم الدعوة والثقافة الاسلامية في كلية اصول الدين والدعوة _ المنصورة _ جامعة الازهر الشريف
أ.د. إسماعيل علي محمد استاذ ورئيس قسم الدعوة والثقافة الاسلامية في كلية اصول الدين والدعوة _ المنصورة _ جامعة الازهر الشريف

ذهب المستشرقون والمبشِّرون إلى تصوير زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش على أنه كان لشهوة عصفت بالنبي صلى الله عليه وسلم، حيث شغف بها وهي تحت مولاه زيد بن حارثة، وأنه عليه السلام ذهب لزيارته، وكان زيد غائباً، فاستقبلته زينب، وكانت في ثياب تُبدي محاسنها، فوقع في قلبه شيء من جمالها، فقال: سبحان مقلب القلوب! ثم كرر هذه العبارة ساعة انصرافه، فسمعتها زينب، ورأت في عينيه وهج الحب، فأُعجبت بنفسها، أبلغت زيداً ما سمعت فذهب من فوره إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يذكر له استعداده لتسريحها، فقال له: أمسِك عليك زوجك واتق الله، لكن زينب لم تُحسن من بعد عشرته فطلقها، وأمسك محمد عن زواجها وقلبه في شُغل بها، حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: 37]، عند ذلك تزوجها وأطفأ لهيب الشوق ووهج الحب في نفسه، مع أن هذا كان محرما في الجاهلية، فأباحه محمد إرضاء لهواه، واستجابة لداعي حُبه.

 

ويطلق المستشرقون والمبشرون لخيالهم العنان حين يتحدثون عن تاريخ محمد في هذا الموضوع، حتى ليصور بعضهم زينب ساعة رآها النبي صلى الله عليه وسلم وهي نصف عارية أو تكاد، وقد انسدل ليل شعرها على ناعم جسمها الناطق بكل ما يُكنه من كل معاني الهوى.

 

ويذكر آخرون أنه حين فُتح باب بيت زيد، لعب الهواء بأستار غرفة زينب، وكانت ممددة على فراشه في ثياب نومها، فعصف منظرها بقلب هذا الرجل الشديد الولع بالمرأة ومفاتنها، فكتم ما في نفسه، وإن لم يُطق الصبر على ذلك طويلاً.. وأمثال هذه الصور التي أبدعها الخيال كثير.

 

تراه فيما كتبه “موير”، و”درمنجم”، و”واشنطن إرفنج”، و”لامنس”، و”سبرنجر”، و”فيل”، وغيرهم من المستشرقين والمبشرين[1].

 

وهذا الذي افتراه المستشرقون وأضرابهم ساقط ومتهافت بالمرة، لأنه مجاف للحقيقة، ومناقض للروايات التاريخية الصحيحة، ونستطيع أن نُجلي تهافته وبطلانه على النحو التالي:

زينب بنت جحش لم تكن مجهولة للنبي صلى الله عليه وسلم:

بدايةً يحسُن أن نشير إلى أمر؛ وهو قرابة السيدة زينب بنت جحش من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ إنها ابنة عمته صلى الله عليه وسلم، فأمها هي أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم[2]، وعبد المطلب هذا هو جد الرسول صلى الله عليه وسلم لأبيه، كما يعرف المستشرقون والمبشرون.

 

وإذاً فزينب ليست غريبة عن النبي صلى الله عله وسلم، كما أنها لم تكن مجهولة له، ولا بعيدة عنه، وقد تربت على عين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد رآها – بطبيعة الحال – وعرفها طفلة، وصبية وشابة، وعرفها بعد ذلك، فليس من مجال إذاً للادعاء أو القول بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد فوجئ بجمالها وحسنها بعد زواجها من زيد بن حارثة رضي الله عنه.

 

زيد بن حارثة وقصة تبني الرسول صلى الله عليه وسلم له:

وأما زيد فهو ابن حراثة بن شراحبيل بن عبد العز بن امرئ القيس، أمه سعدى بنت عامر، زارت قومها وزيد معها، فأغارت خيل لبني القين في الجاهلية، فمروا على أبيات بني معن، فاحتملوا زيداً، وهو يومئذ غلام يفعة، فوافوا به سوق عكاظ، فعرضوه للبيع، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد بأربعمائة درهم، فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته له.

 

ثم علم أهله بمكانه، فجاء أبوه حارثة وعمه كعب بن شراحبيل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلبان منه زيداً مقابل ما يشاء من الفداء، فدعاه رسل الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هل تعرف هؤلاء؟» قال: نعم، هذا أبي وهذا عمي، قال: «فأنا من قد علمت ورأيت محبتي لك، فاخترني أو اخترهما»، فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحداً، أنت في منزلة الأب والعم، فقالا: ويحك يا زيد، أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟ قال: نعم، إني قد رأيت من هذا الرجل شيئاً ما أنا بالذي أختار عليه أحدا أبداً، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجه إلى الحجر فقال: «يا من حضر؛ اشهدوا أن زيداً ابني، يرثني وأرثه»، فلما رأى أبوه وعمه طابت أنفسهما، فدُعي من يومها: زيد بن محمد[3].

وقد كان للابن المتبنَّى عند العرب جميع حقوق البنوة وواجباتها.

 

ثم إن الله تعالى حرم التبني بعد ذلك في قوله سبحانه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ *ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب:4، 5].

 

فمنع الله تعالى بهذا الحكم ما كان من أمر التبني، وأمر برد كل أحد إلى نسبه الحقيقي، وذكر أن هذا هو الحق والعدل، ومن كان مجهول النسب؛ فليعامل معاملة الأخ في الدين والمولى.

 

عن ابن عمر قال: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد، حتى نزل القرآن ﴿ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾[4].

تلك زينب، وهذا زيد، رضي الله عنهما..

فماذا كان من أمر زواجهما؟

زواج زيد من زينب بنت جحش ثم طلاقها منه:

رأينا أن زينب كانت ذات حسب ونسب وشرف في قومها..

وأن زيداً كان عبداً، ثم أعتق.

ثم متبنى، ثم رد نسبه إلى أصله الحقيقي.

وقد كانت العرب تقيم وزناً للفوارق الاجتماعية والطبقية، لما كان مشهوراً عندهم من الاعتزاز بالنسب، وبحسب ذلك العرف لا يقبل مثل أهل زينب بزواج ابنتهم من مثل زيد.

 

ولهذا «أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يحطم الفوارق الطبقية الموروثة في الجماعة المسلمة؛ فيرد الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لأحد إلا بالتقوى، وكان الموالي – وهم الرقيق المحرر – طبقة أدنى من طبقة السادة ومن هؤلاء كان زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تبناه، فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحقق المساواة الكاملة بتزويجه من شريفة بني هاشم، قريبته -صلى الله عليه وسلم- زينب بنت جحش وليُسقط تلك الفوارق الطبقية بنفسه في أسرته، وكانت هذه الفوارق من العمق والعنف بحيث لا يحطمها إلا فعل واقعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، تتخذ منه الجماعة المسلمة أسوة، وتسير البشرية كلها على هداه في الطريق»[5].

 

ومن ناحية أخرى كان لزيد في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانة كبيرة، ومحبة عظيمة، قل أن تزاحمها محبة أحد من الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين.

 

قال ابن عمر: فرض عمر لأسامة بن زيد أكثر مما فرض لي، فكملته في ذلك، فقال: إنه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، وإن أباه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك[6].

 

ولذا سعى رسول الله صلى الله عليه وسلم في تزويج زينب من مولاه زيد، رضي الله عنهما، وخطبها له فرفضت هي وأخوها عبد الله بن جحش، فنزل قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 36].

 

قال الإمام ابن كثير: قال العوفي: عن ابن عباس رضي الله عنهما: قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية… وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق ليخطب على فتاه زيد بن حارثة رضي الله عنه، فدخل على زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها فخطبا، فقالت: لست بناكحته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بلى فانكحيه»، قالت: يا رسول الله أؤمر في نفسي[7]، فبينما هما يتحدثان أنزل الله هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الآية. قالت: قد رضيته لي يا رسول الله منكحاً. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نعم»، قالت: إذاً لا أعصي رسول الله، قد أنكحته نفسي[8].

 

وتم الزواج، ومكث زيدٌ مع زينب قريباً من سنة أو فوقها[9]، ولكن العشرة بينهما لم تكن على ما يرام، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو إليه مرة بعد مرة، وفي كل هذا ينصحه النبي صلى الله عليه وسلم بالإبقاء على عشرتها وإمساكها، وبأن يتقي الله فيها، وكان الله قد أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن زيداً سيطلق زينب، وأنها ستكون زوجة له بعد ذلك، لحكمة قدرها المولى تبارك وتعالى أزلا، وهي إبطال آثار التبني، التي كانت شائعة في ذلك الوقت، ومنها أن مطلقة المتبنى يحرم زواجها على ممن تبناه كما يحرم زواج الأب من مطلقة ابنه الصُّلبي.

 

قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: 37].

 

وعن أنس رضي الله عنه قال: جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «اتق الله وأمسك عليك زوجك»، قال أنس: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئا لكتم هذه[10].

 

وروي عن علي بن الحسين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد أوحى الله تعالى إليه أن زيداً يطلق زينب، وأنه يتزوجها بتزويج الله إياها، فلما تشكى زيدٌ للنبي صلى الله عليه وسلم خُلق زينب، وأنها لا تطيعه، وأعلمه أنه يريد طلاقها، قال له صلى الله عليه وسلم على جهة الأدب والوصية: «اتق الله» في قولك «وأمسك عليك زوجك»، وهو يعلم أنه سيفارقها ويتزوجها، وهذا هو الذي أخفى في نفسه، ولم يُرد أن يأمره بالطلاق لما علم أنه سيتزوجها، وخشي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلحقه قول من الناس في أن يتزوج زينب بعد زيد، وهو مولاه، وقد أمره بطلاقها، فعاتبه الله تعلى على هذا القدر من أنه خشي الناس في شيء قد أباحه الله له، بأن قال: «أمسك» مع علمه بأنه يطلق، وأعلمه أن الله أحق بالخشية، أي في كل حال، والمراد بقوله ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ إنما هو إرجاف المنافقين، بأنه نهى عن تزوج نساء الأبناء، وتزوج بزوجة ابنه[11].

ثم ما لبثت العلاقة الزوجية بين “زيد و”زينب” رضي الله عنهما أن آلت إلى الفراق.

 

زواج الرسول صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش كان بأمر من الله تعالى لمقصد تشريعي:

هكذا كان زواج “زيد و”زينب” رضي الله عنهما بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسعي منه، وهكذا انتهت الحياة الزوجية بينهما، ليكون ما أراده الله وقدره، وهو زواج النبي صلى الله عليه وسلم منها، لحكمة تشريعية، لا بد أن تتحقق بعمل واقعي، ولأن هذا العمل سيكون سابقة مستنكرة، وشديدة الوقع على الكثيرين في المجتمع، لمخالفته لمألوف العرب وتقاليدهم العنيفة؛ اختار الله رسوله صلى الله عليه وسلم ليتحمل عبء هذا العمل الشاق، «فيتزوج من مطلقة متبناه زيد بن حارثة، ويواجه بهذا العمل، الذي لا يستطيع أحد أن يواجه المجتمع به، على الرغم من إبطال عادة التبني في ذاتها»[12].

 

قال الإمام بن حجر: «وأراد الله إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه من أحكام التبني بأمر لا أبلغ في الإبطال منه، وهو تزوج امرأة الذي يُدعى ابناً، ووقوع ذلك من إمام المسلمين ليكون أدعى لقبولهم».[13]

 

يقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب: 37].

 

قال صاحب الظلال – رحمه الله – في تفسير هذه الآية والتي تليها:

“وكانت هذه إحدى ضرائب الرسالة الباهظة، حملها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حُمل، وواجه بها المجتمع الكاره لها كل الكراهية، حتى ليتردد في مواجهته بها، وهو الذي لم يتردد في مواجهته بعقيدة التوحيد وذم الآلهة والشركاء، وتخطئة الآباء والأجداد!.

﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾.. لا مرد له ولا مفر منه، واقعا محققا لا سبيل إلى تخلفه ولا إلى الحيدة عنه.

ولم تمر المسألة سهلة، فلقد فوجئ بها المجتمع الإسلامي كله، كما انطلقت ألسنة المنافقين تقول: تزوج حليلة ابنه.

 

ولما كانت المسألة مسألة تقرير مبدأ جديد فقد مضى القرآن يؤكدها، ويزيل عنصر الغرابة فيها، ويردها إلى أصولها البسيطة المنطقية التاريخية:

﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب: 38]، فقد فرض له أن يتزوج زينب، وأن يُبطِل عادة العرب في تحريم أزواج الأدعياء، وإذن فلا حرج في هذا الأمر، وليس النبي صلى الله عليه وسلم فيه بدعا من الرسل.

 

﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: 38]، فهو أمر يمضي وفق سنة الله التي لا تتبدل، والتي تتعلق بحقائق الأشياء، لا بما يحوطها من تصورات وتقاليد مصطنعة لا تقوم على أساس.

 

﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: 38]، فهو نافذ مفعول، لا يقف في وجهه شيء ولا أحد، وهو مقدور بحكمة وخبرة ووزن، منظورٌ فيه إلى الغاية التي يريدها الله منه، ويعلم ضرورتها وقدرها وزمانها ومكانها، وقد أمر الله رسوله أني بطل تلك العادة ويمحو آثارها عملياً، ويقرر بنفسه السابقة الواقعية، ولم يكن بدٌّ من نفاذ أمر الله”[14].

 

وهكذا كان زواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب بأمر من الله تعالى، ولذلك كانت زينب تتباهى بأن الله زوجها من رسوله صلى الله عليه وسلم بوحي من فوق السبع الطباق.

 

قال أنس: «فكانت زينب تفتخر على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، تقول: زوجكن أهلوكن، وزوجني الله تعالى من فوق سبع سماوات»[15].

 

تعلق المستشرقين بروايات مكذوبة:

بقي شيء يتعلق به المستشرقون فيما ادعوه من افتتان النبي صلى الله عليه وسلم بزينب وولعه بها، وهي في بيت زيد، وهو وجود روايات تحمل هذا المعنى الفاسد.

 

ولكن هذا الذي يتعلقون به أوهى من نسيج العنكبوت، إذ إن هذه الروايات وأمثالها لا تنهض دليلاً لهم، ولا تصلح متكأ يتكئون عليه فيما زعموه.. لأنها روايات قد كشف العلماء زيفها، وأثبتوا بطلانها، ولم تثبت أمام التمحيص التاريخي الدقيق، والنقد العلمي النزيه، فضلاً عن أنها تصطدم بما هو مقرر في أصول الدين وأمهات العقائد من مبدأ عصمة النبيين، وتنزههم عن أي عمل غير لائق بأحد من المسلمين.

 

وقد أفاد بعدم صحة الروايات أئمة الدين، وعلماء الإسلام، ومنهم الإمام ابن كثير[16]، والإمام ابن حجر[17]، والإمام ابن العربي المالكي، حيث قال: «وهذه الروايات كلها ساقطة الأسانيد؛ إنما الصحيح منها ما روي عن عائشة أنها قالت: لو كان رسول الله عليه وسلم كاتما من الوحي شيئا لكتم هذه الآية ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: 37].

 

قال القاضي: وما وراء هذه الرواية غير معتبر، فأما قولهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم رآها فوقعت في قلبه؛ فباطل، فإنه كان معها في كل وقت وموضع، ولم يكن حينئذ حجاب، فكيف تنشأ معه وينشأ معها، ويلحظها في كل ساعة، ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج، وقد وهبته [أي: زوجها زيداً] نفسها وكرهت غيره، فلم تخطر بباله [أي: النبي صلى الله عليه وسلم]، فكيف يتجدد له هوى لم يكن، حاشا لذلك القلب المطهر من هذه العلاقة الفاسدة»[18].

 

هذا ما أحاط بزواج النبي صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش من ملابسات، وما استهدفه من مقاصد وتشريعات، كما تجليه لنا آيات القرآن البينات، وحوادث السيرة وصحيح الروايات..

 

فأين هذا من مزاعم المستشرقين الباطلات، وتخرصاتهم الكاذبات، وافترائهم على النبي محمد، عليه من الله أكمل الصلوات وأتم التسليمات؟


[1]حياة محمد، د. محمد حسين هيكل، ص 226 – 227 و ص 2336 بتصرف، دار المعارف – مصر، ط السادسة عشرة، ويُراجع: ما يقال عن الإسلام، العقاد، مجموعة الأعمال الكاملة 6/ 539.

[2]سير أعلام النبلاء، الإمام الذهبي 2/ 211 بتحقيق شعب الأرنؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة – بيروت، ط الثامنة 1412هـ – 1992م.

[3] صفة الصفوة، لابن الجوزي 1/ 199 – 200 بتصرف واختصار، ويراجع: السيرة النبوية 1/ 247 – 249، سير أعلام النبلاء 1/ 220 وما بعدها.

[4] رواه الترمذي في ك التفسير، ب ومن سورة الأحزاب، رقم 3220.

[5] في ظلال القرآن 5/ 2865.

[6] سير أعلام النبلاء 1/ 228 – 229.

[7] أي: أستيخر.

[8] تفسير القرآن العظيم 3/ 505.

[9] السابق 3/ 507.

[10] رواه البخاري في ك التوحيد، ب وكان عرشه على الماء، فتح الباري 13/ 415 رقم 7420.

[11] الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي 14/ 123 – 124 باختصار.

[12] في ظلال القرآن 5/ 2868.

[13] فتح الباري 8/ 384.

[14]في ظلال القرآن 5/ 2869 – 2870 باختصار.

[15]رواه البخاري في ك التوحيد. ب وكان عرشه على الماء. فتح الباري 13/ 415 رقم 7420، والترمذي في ك التفسير، ب ومن سورة الأحزاب، رقم 3224 وقال: حسن صحيح.

[16]تفسير القرآن العظيم 3/ 507.

[17]فتح الباري 8/ 384.

[18]أحكام القرآن، لابن العربي 3/ 577، تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ط الأولى 1408هـ – 1988م.