الحمدُ للهِ الذي وَعَدَ الرَّاضين بأقضيتِهِ أعظمَ الثواب، ووفَّى الصابرين على ما أصابهم أجرَهُم بغيرِ حسابٍ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له الكريمِ الوهَّاب، ذو الحكمةِ البالغةِ، وأشهدُ أن محمداً عبده ورسوله الذي أُنزل عليه أفضلُ كتاب، اللهُمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آلهِ وأصحابه وأتباعهم من كُلِّ مُحْسِنٍ أوَّابٍ، وسلِّم تسليماً.

أما بعدُ: فيا أيها الناسُ اتقو الله تعالى، واعلموا أن الله يبتليكم بالْمِحَنِ والمصائبِ والأوبئةِ ليُكَفِّر خطاياكم، ويُنبِّهكُم على عنايته بكم في دفع ما يُهِمُّكم ويُعينكم، قال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 155 – 157]، فلا بُدَّ أن يَبتليكم الله بشيءٍ من هذه الأمور، وتأمَّلُوا هذا الْجُنديَّ من جُندِ الله، هذا المرض الْمُعدي ما يُسمَّى بكورونا، كيف أرسله فأتلف أنفُسَاً كثيرة في العالم، وأصاب أكثر من مائة ألف، ليعرف العبادُ أنَّ الله ذُو عِزَّةٍ وعَظَمةٍ واقتدارٍ، وأن الخلق في غاية العجز وشدَّة الحاجة والافتقار، ومع ذلك، فقد أرشدنا وهو الرحمن الرحيم إلى ما يرفع الله به عنَّا هذا الوباء، فمن ذلكَ:

أولاً: الاستغفار: فالوباء لا ينزل إلا بسبب الذنوب، قال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30]، وقال: ﴿ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ﴾، وقال: ﴿ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ﴾، وقال: ﴿ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ﴾.

 

والاستغفار من أسباب رفعِ الوباء وتخفيفه، قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: (هَذِهِ الآيَاتُ الَّتِي يُرْسِلُ اللَّهُ، لاَ تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ) رواه البخاري ومسلم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (أما العذاب المدفوع فهو يَعُمُّ العذابَ السماويَّ، ويعمُّ ما يكون من العباد، وذلك أن الجميع قد سمَّاه الله عذاباً) انتهى.

ثانياً: الفَزَعُ إلى الذكر والدُّعاء والصلاة والصدقة: قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلم عندما خَسَفَت الشمس: (فإذا رأيتُم ذلك فادعُوا الله، وكبِّرُوا، وصلُّوا، وتصدَّقُوا) رواه البخاري، قال الطيبيُّ: (أُمِروا باستدفاعِ البلاء بالذِّكر والدعاء والصلاة والصدقة)، انتهى، وقال صلى الله عليه وسلم: (فإذا رأيتُموهما فافزَعوا للصلاة) متفق عليه، وفي رواية: (فَصَلُّوا حَتَّى يُفَرِّجَ اللهُ عَنْكُمْ) رواه مسلم، ولَمَّا اتُهم جُريجٌ العابد بالزِّنا (فتوضَّأ وصلَّى، ثم أتى الغلامَ، فقال: مَن أبوك يا غلامُ؟ قال: الراعي) متفق عليه، قال ابن حجر: (وفي الحديث أنَّ المفزعَ في الأمور المُهمَّة إلى الله، يكون بالتوجُّه إليه في الصلاة) انتهى، ولَمَّا دخلت سارَّة زوج إبراهيم عليه السلام على النمرود لعنه الله: (فلما دخلت إليه قام إليها، قال: فأقبَلَت تتوضأ وتصلِّي، وتقول: اللهُمَّ إنْ كُنتَ تعلمُ أني آمنت بك وبرسولك وأحصنتُ فرجي إلا على زوجي، فلا تُسلِّط عليَّ هذا الكافر، قال: فغُطَّ حتى ركض الأرض برجلِه) وفي آخر الحديث: (فأتت إبراهيم فقالت: ردَّ اللهُ كيدَ الكافر أو الفاجر في نحرِهِ وأخدَمَ هاجرَ) رواه البخاري، قال ابن حجر: (وفي الحديث… أن مَن نابه أمرٌ مُهِمٌّ مِن الكرب ينبغي له أن يفزَع إلى الصلاة) وقال: (ورَدُّ البلاءِ بالدُّعاءِ كَرَدِّ السَّهْمِ بالتُّرْسِ) انتهى، وقال ابن القيم رحمه الله: (الدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدوُّ البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنعُ نزولَه) انتهى.

ومنها ثالثاً: الصدقة وتفريج الكروب: قال صلى الله عليه وسلم: (يا معشر النساء، تصدَّقن؛ فإني أُرِيتُكنَّ أكثرَ أهل النار) متفق عليه، قال ابن القيم: (للصدقة تأثيرٌ عجيب في دفع أنواع البلاء، ولو كانت من فاجر أو ظالم، بل مِن كافر، فإن الله تعالى يدفع بها عنه أنواعاً من البلاءِ، وهذا أمرٌ معلومٌ عند الناس، خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض كلُّهم مُقِرُّون به؛ لأنهم قد جرَّبوه)، وقال: (في الصدقة فوائدُ ومنافع لا يُحصيها إلا الله، فمنها: أنها تقي مصارعَ السوء، وتدفع البلاء، حتى إنها لتدفَعُ عن الظالم) انتهى.

اللهم ارفع عنا الوباء يا رحمن يا رحيم يا أرحم الراحمين.

 

الخطبة الثانية

إنَّ الحمدَ للهِ، نَحمَدُه ونستعينُه، مَن يَهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ محمداً صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عبدُهُ ورسولُهُ.

أمَّا بعدُ: ومن أسباب رفعِ ودفع البلاء:

رابعاً: التحصُّن بالأذكارِ والأوراد الشرعية: فمن أذكار الصباح والمساء التي يُرفَع ويُدفع بها الوباء: عن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قال: (سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ في دُعائهِ حينَ يُمْسِي وحينَ يُصْبحُ: «اللهُمَّ إني أسألُكَ العافيةَ في الدُّنيا والآخرةِ، اللهُمَّ إني أسألُكَ العَفْوَ والعافيةَ في دِيني، ودُنْيَايَ، وأهلي، ومالي، اللهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتي، وآمِنْ رَوْعَاتي، اللهُمَّ احفَظْني منْ بينَ يدَيَّ، ومنْ خَلْفي، وعن يَمِيني، وعن شِمَالي، ومِنْ فَوْقي، وأعوذُ بعَظَمَتِكَ أنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتي») رواه النسائيُّ وصحَّحهُ النوويُّ، قال السنديُّ: (قولُهُ: «إني أسأَلُكَ العافِيَةَ»: هيَ السلامَةُ من الأسقَامِ والبَلايا، وقيلَ: عَدَمُ الابتلاءِ بها والصَّبْرُ عليها والرِّضا بقَضائِها، وجَمَعَ العافِيَةَ، لذلكَ كانَ الدُّعَاءُ بها أَجْمَعَ الأدعِيَةِ.. ومَعْنَى: «آمِنْ رَوْعَاتي»: أي: ادْفَعْ عنِّي خَوْفاً يُقْلِقُني ويُزْعِجُني.. ومعنى: «احْفَظْني مِنْ بينِ يَدَيَّ»: أي: ادْفَعْ عنِّي البَلاءَ مِنَ الجِهَاتِ السِّتِّ، لأنَّ كُلَّ بليَّةٍ تَصِلُ الإنسانَ إنما تَصِلُهُ مِنْ إحدَاهُنَّ) انتهى.

ومنها: عنْ أَبانَ بنِ عُثمانَ قالَ: سَمِعْتُ عُثمانَ بنَ عفَّانَ يقولُ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «ما مِنْ عبدٍ يَقُولُ في صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ، ومَسَاءِ كُلِّ ليلَةٍ: بسْمِ اللهِ الذي لا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شيْءٌ في الأَرْضِ ولا في السَّمَاءِ وهُوَ السميعُ العلِيمُ، ثلاثَ مَرَّاتٍ، فَيَضُرَّهُ شَيْءٌ») رواه الترمذي وصححه ابن القيم، قال الشوكانيُّ: (وفي الحديثِ دليلٌ على أن هذهِ الكَلِمَاتِ تدْفَعُ عنْ قائلها كُلَّ ضُرٍّ كائناً ما كانَ، وأنه لا يُصَابُ بشيْءٍ في ليلَهِ ولا في نَهَارهِ إذا قالَهَا في اللَّيْلِ والنَّهَارِ) انتهى.

ومنها: قوله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (الآيَتانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ مَنْ قَرَأَهُما في ليلَةٍ كَفَتَاهُ) متفق عليه، قال الشيخ ابنُ بازٍ رحمه الله: (والمعنى والله أعلم: كَفَتاهُ من كُلِّ سُوءٍ) انتهى.

ومنها: قراءة سورة الإخلاص والمعوذتين ثلاث مرات صباحاً ومساء، ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾، والْمُعَوِّذَتَيْنِ حينَ تُمْسي وتُصْبحُ ثلاثَ مَرَّاتٍ تكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) رواه الترمذيُّ وصحَّحَ إسنادَهُ النوويُّ، وفي رواية: «ما تَعَوَّذَ بِمِثْلِهِنَّ أَحَدٌ») رواه النسائيُّ، وصحَّحه الألباني، قال ابن القيم: (إنَّ حاجةَ العبدِ إلى الاستعاذةِ بهاتينِ السُّورتينِ، أعظم من حاجتهِ إلى النَّفَسِ والطَّعَامِ والشَّرابِ واللِّباسِ)، وقال الشوكاني: (وفي الحديثِ دليلٌ على أنَّ تِلاوَةَ هذهِ السُّورِ عندَ الْمَسَاءِ وعندَ الصَّباحِ تَكْفي التالي مِنْ كُلِّ شيءٍ يَخْشَى منهُ كائناً ما كَانَ) انتهى.

ومنها: الدعاء بأدعيته صلى الله عليه وسلم: كقوله: (وأعوذُ بكَ مِنَ الصَّمَمِ والبَكَمِ، والْجُنُونِ والْجُذَامِ، والْبَرَصِ وسَيِّئِ الأسْقَامِ») رواه الحاكم وصححه الضياء، ومنها: دعاؤه صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بكَ مِنَ البَرَصِ، والْجُنُونِ، والْجُذَامِ، ومِنْ سَيِّئِ الأسْقَامِ») رواه أبو داود وصحَّحَ إسنادَهُ النوويُّ.

اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلال والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا وعن سائر بلاد المسلمين، آمين.


https://s3.eu-central-1.amazonaws.com/dl.alukah.net/publish/alshathri/alasbab_alshareiat.mp3