من هدي النبي صلى الله عليه وسلم
في التعامل مع المشاكل والخلافات التي وقعت في بيته (1)

الحمد لله على نعمه، وعطائه، أحمده كما ينبغي لجلاله، وكريم عطائه، وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على رحمة الله للعالمين سيدنا محمد بن عبد الله النبي الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، وبعد:

يا كرام نحيطكم علمًا أنَّ هذا هو « اللقاء الخامس » الذي نتناول فيه شيئًا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته (أمهات المؤمنين).

كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم التفكير السليم، والكلام الطيب، والأسلوبُ الحكيم في مواجهة المشاكل والخلافات التي وقعت في بيته الشريف، والمتدبر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وحياته يلحظ أنه كان يتحمل ما يصدر من أهل بيته من الخلافات، مما يتحتم على كل مسلم ومسلمة أن يتأمل مليًا في هدي ومنهج النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع المشكلات، ونذكر في هذا المقال بعض المواقف منها:

الحكمة في علاج الأزمات واحتواء المشكلة:

عن أنس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم، فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: «غَارَتْ أُمُّكُمْ» ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كُسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت[1].

قال ابن حجر: « قال الطيبي وإنما وصفت المرسلة بأنها أم المؤمنين إيذانًا بسبب الغيرة التي صدرت من عائشة وإشارة إلى غيرة الأخرى حيث أهدت إلى بيت ضرتها وقوله غارت أمكم اعتذار منه صلى الله عليه وسلم لئلا يحمل صنيعها على ما يذم بل يجري على عادة الضرائر من الغيرة فإنها مركبة في النفس بحيث لا يقدر على دفعها… وفي الحديث حسن خلقه صلى الله عليه وسلم وانصافه وحلمه قال ابن العربي وكأنه إنما لم يؤدب الكاسرة ولو بالكلام لما وقع منها من التعدي لما فهم من أن التي أهدت أرادت بذلك أذى التي هو في بيتها والمظاهرة عليها فاقتصر على تغريمها للقصعة، قال وإنما لم يغرمها الطعام لأنه كان مهدى فإتلافهم له قبول أو في حكم القبول »[2].

فأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ضربت الإناء أمام النبي صلى الله عليه وسلم، وقد شاهد ما حدث وبحضور بعض الصحابة، ومن كمال حلمه وتواضعه وحسن معاشرته لم يوجه النبي صلى الله عليه وسلم أدنى لوم لأم المؤمنين عائشة على ما فعلت؛ بل قام صلى الله عليه وسلم بشخصه وجمع ما تناثر من الصفحة ومن الطعام ولم يترك ذلك للصحابة، ثم قدم اعتذاره لصنيعها بقوله: «غارَتْ أمُّكم»، ومن أدب الصحابة لم يعلق أحد منهم على ما حدث، ثم حبس الخادم وأعطاه صحفة صحيحة عوضًا عن المكسورة.

التروي والتثبت والحلم عند المحن:

قصة الإفك افتعلها المنافقون وكانت محنة عظيمة، اتهمت بها أم المؤمنين عائشة وبرأها اللَّه مما قال به أهل الإفك بعشر آيات تتلى جملة واحدة من سورة النور، وقصة الإفك أخرجها البخاري ومسلم في صحيحيهما بروايات صحيحة منها:

عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله، كل حدثني طائفة من الحديث، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ»، قلت: إني والله لا أجد مثلا، إلا أبا يوسف ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [يوسف: 18]، وأنزل الله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ [النور: 11] العشر الآيات [3].

من منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع حادثة الإفك:

1- تغيير المعاملة مع كونه لا ينتقص زوجته أثناء المشكلة، فأنكرت أم المؤمنين عائشة بعض لطفه بها، وكان لا يتحدث معها أكثر من أن يلقي السلام، ويسأل عنها بقوله: كيف تيكم؟[4] لا يزيد على ذلك، وكانت قد تعودت من النبي صلى الله عليه وسلم حال مرضها أن يكون معها في غاية الحنان.

2- التروي قبل صدور أي حكم، والتحقق من كذب الشائعة، والحكمة في التعامل مع أهل بيته فلم يتحدث مع أم المؤمنين عائشة في قول أصحاب الإفك رغم مضي شهر كامل.

3- يجمع الآراء ويسأل المحطين بأم المؤمنين عائشة عن أخلاقها وسلوكها وواقعها، ويستشير أهل الفضل في أمر فراقها.

4- وجه الكلام في نهاية الأمر إلى أم المؤمنين عائشة قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً، فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ العَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ، ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» [5].

5- لما بشر صلى الله عليه وسلم بِمَا سره من براءتها وسلامتها مما رميت به تهلل وجهه وأشرق من شدة الفرح «يَا عَائِشَةُ احْمَدِي اللَّهَ، فَقَدْ بَرَّأَكِ اللَّهُ» [6].

6- تحمل ما صدر من أم المؤمنين بعد ظهور براءتها ونزول آيات البراءة: فقالت لي أمي: قومي إليه فقلت والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله هو الذي أنزل براءتي [7].

حكم من قذف عائشة رضي الله عنها بما برأها اللَّه منه:

أجمع الفقهاء على أن من قذف أم المؤمنين عائشة رضي اللَّه عنها بما برأها اللَّه منه أو شك في براءتها؛ فإنه كافر وممن قال بهذا الإجماع:

قال الإمام النووي: براءة عائشة رضي الله عنها من الإفك وهي براءة قطعية بنص القرآن العزيز فلو تشكك فيها إنسان والعياذ بالله صار كافرا مرتدا بإجماع المسلمين [8].

وقال ابن تيمية “قال القاضي: ومن قذف عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه كفر بلا خلاف” [9].

وقال ابن كثير: أجمع العلماء رحمهم الله قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في القرآن فإنه كافر؛ لأنه معاند للقرآن [10].

وجملة القول:

لا يخلو بيت من المشاكل والخلافات؛ حتى بيت النبوة، ومن القواعد والضوابط في معالجة الخلافات، الاقتداء بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم في معالجة الخلافات، واحتواء المشكال برفق وحلم وكلمات بسيطة وأسلوب طيب وحكمة بالغة.

نسأل الله بمنه وكرمه أن يفقّهنا في ديننا، وأن يَحفظ بيوتنا وأهلنا وأبنائنا وجميع المسلمين من كلِّ مكروه.

——————————————————————————–

[1] صحيح البخاري (7/ 36) وصرح الإمام النسائي باسم أم المؤمنين عائشة انظر (7/ 70) رقم (3956)، وقال الشيخ الألباني: صحيح. انظر: إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (5/ 359) رقم (1523).

[2] فتح الباري لابن حجر (5/ 126).

[3] صحيح البخاري (5/ 119).

[4] صحيح البخاري (5/ 118) صحيح مسلم (4/ 2132).

[5] صحيح البخاري (3/ 175).

[6] صحيح البخاري (3/ 176).

[7] صحيح البخاري (3/ 176)، صحيح مسلم (4/ 2136).

[8] شرح النووي على مسلم (17/ 117).

[9] الصارم المسلول على شاتم الرسول (ص: 571).

[10] تفسير ابن كثير (3/ 337).

0 0 votes
Article Rating