لا مكـان للفـن في الإلحـاد

عندمـا نتحدث عن الفن فإننا بداهةً لا نقصد الفن الهابط، وإنما الفن الذي يتناول درامـا الوجود الإنساني .
إن العلم عندما يواجه الإنسان فهو يبحث فيه عما هو ميت وعما هو لا شخصي، بينما عندما يتناول الفـن الإنسان فإنه يبحث فيه عما هو إنساني وغائي، فالفن في صِدام طبيعي مع العالم ومع جميع علومه ، إنه التمرد الصامت ، وإذا لم يوجد على الإطلاق سند للإنسـان ولا مجال لروحه ولذاته، فإن الفـن لا مجال له والشعراء وكُتـاب التراجيديا يضللوننا ويكتبون هراءً لا معنى له.
إن وجود عالم آخر إلى جانب عالم الطبيعة هو المصدر الأساسي لكل دين وفن ، فإذا لم يكن هُنـالك سوى عالمٍ واحدٍ لكان الفن مستحيلاً، والمعرفة في الفن لا تُكتسب بطريقة عقلانية علمية وإنما تُكتسب بطريقة حَدسيـة ، وعندما يقوم العلم برسم لوحة فإن سيرسم وجه قرد ممسوخ يقوم بدراسته دراسة آلية ، أما عندما يقوم الفن برسم لوحة فإنه سيرسم دراما وجه الإنسان .. ، فالفن هو ثمرة الروح وإذا لم يتم الاعتراف بوجود الخلاص والعالم الآخر والروح فالفن عبث ولا قيمة له وغير موجود أصلاً .
الفن يتجاهل ظواهـر الأشيـاء، يهتم بالبواطن، والفن التجريدي مثلاً يقوم بحذف كُل شَبه بالعالم الخارجي مُعطيـا للشكل واللون معنىً روحيـاً ،وبإقصاء الجانب الروحي بعيدًا وبإنكار وجود الحياة الجوانية داخل كل إنسان منـا فإن أعظم اللوحات في العالم تقاس قيمتها بحسب نوع الورق المستخدم في الرسم وثمن الألوان والأصباغ الموجودة على اللوحة.
وروعة الموناليزا لا تكمن في ثمن الألوان المرسومة بها، وإنما تكمن في أنها من أنجح المحاولات لتصوير سر الحياة الجوانيـة ، فالحقيقة الوحيدة التي يعترف بها الفن هي الإنسان وشوقه المستمر للوصول للفردوس والخلود .
الفن بطبيعته وباعترافه بوجود عالم آخر نراه يحمل معانٍ ثورية، يحمل الكُفر بالعالم المادي .. وهذا ما فهمه الرسام الفرنسي الشهير دي بيفيه حين قال : ” الفن في جوهره غيرُ مريح لا فائدة منه، ضد المجتمع وخطر عليه.”
جوهر الأعمال الفنية غامض غموضـًا تامًا، إنه تمردٌ دائمٌ على الواقع .. ، إنه اعترافٌ متكررٌ بوجود عالم آخر لا ننتمي إليه وسنذهب إليه يومـا مًا .
جوهر الفن يقوم على اعتراف بمعاناة الإنسان على الأرض وعجزه عن تحقيق الفردوس الذي يبحث عنه في مخيلته، الفن ببساطة هو ثمرة الصلة بين الروح والحقيقة ..؛ ولذا عند التدقيق في لوحة فنية عميقة أوعند قراءة روايـة رائعة يعتري الإنسان شعورٌ غريبٌ وغامضٌ بالسموِّ والقداسة ودخول عالم الخلود .. ، الفن كالدين تماماً كلاهما يعترف بوجود عالم آخر لكن الفن ليس دينًا إنما هو تعبير عن الدين فهو الابن غير الشرعي للحقيقة، بينما تبقى الحقيقة حصرية للإطار الديني!
الإلحاد لن يفهم أبدًا جوهر الفن وطبيعته، فإذا لم يكن هناك روحٌ للإنسان فلِم إذن نحرص على أن يكون للفن روح ؟
بالنسبة للفنـان لا يوجد شيء اسمه إنسان داروين ذاك الكائن النمطي الممسوخ البارد، بالنسبة للفنان لا يوجد شخصـان متطابقان، فالإنسان هو كائن متميز ذو سمو روحي.
لا يوجد فنانٌ ملحدٌ ، لا يستطيع الملحد أن يكتب شِعرًا أو أن يرسم لوحة أو أن يُنشد بيت شعر، ولن يستطيع أن يفعل ذلك إلا إذا دخل في الدين لحظة الرسم واعترف بقضية دراما الوجود والبحث عن الخلود ، والمسرحية التي تُمثل دراما الوجود فإن لحظة السكون فيها هي لحظة مليئة بالأحداث .
إننا لن نفهم هذه المسرحيات وهذه الرسوم إلا عندما نعترف بالوجود الجواني، وننكر كل ما هو مادي وخارجي، ولن يستطيع ملحدٌ أن يفهم لوحة ولو وقف أمامها دهرًا كاملاً، بل سينتقدها حسب تماسك الألوان وخامة الورق ودرجة حرارة الغرفة وتأثيرها على التباين اللوني .
إن الفن والإلحاد لا يجتمعان؛ الفن في صيغته النهائية والأخيرة هو بحث عن المُطلق، بحث عن الله .
وإذا امتنع وجود حقيقة دينية امتنع وجود حقيقة فنيـة .
—————
من وحي كتاب “الإسلام بين الشرق والغرب” ، علي عزت بيجوفيتش-رحمه الله-.

 

0 0 votes
Article Rating