الشيخ د/ خالد بن عبدالرحمن الشايع

إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونتوبُ إليه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفُسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.

أما بعد:

فيا أيها المؤمنون، إن في سيرة نبيِّنا محمد عليه الصلاة والسلام مِن الحِكَم والعِبَر، ومِن الهدْي القويم، والصراط المستقيم ما ينبغي لأهل الإيمان تدبُّره، والعمَل بمقتضاه.

فقد كانت سيرتُه عليه الصلاة والسلام حافلةً بالخيرات والبركات، موضِّحة ما امتنَّ الله تعالى به على هذا النبي الكريم، وعلى هذه الأمَّة من الخيرات التي تَتْرَى إلى أن يَرِثَ اللهُ الأرض ومَن عليها.

وفي هذه الأيام تزداد الحاجة إلى تأمُّلنا في هدْي رسولِ الله عليه الصلاة والسلام، وترسُّمنا لهدْيه وما كان عليه من الطريقة؛ ذلك أنه لن يُصلِح هذه الأمَّة إلا ما صلح به أوَّلُها محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم، وأصحابُه الكرام.

وإنَّ هذه السيرة العطِرة لهذا النبي الكريم سواء في سِنِيهِ الثلاثِ والستين، التي هي عُمره الشريف، أو تلك الأعوام التي ابتدأت منذ بَعْثته ثلاثة وعشرين عامًا، كل ذلك هدْي وعِبَر ينبغي تأمُّلها، وأن يُدركها المؤمنُ، ولذا قال بعضُ العلماء: إنه ينبغي على المسلم أن يَعرف مِن هدْي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسيرتِه ما يخرج به عن عداد الجاهلين به.

وفي محطة شريفة، ومرحلة كريمة مِن مراحل حياة هذا النبي الكريم نتوقف وإيَّاكم متأمِّلين متدبِّرين في حادثة وواقعة كريمة شريفة، كانت في السَّنة الثالثة عشرة مِن البَعثة النبوية، وذلكم حينما أذِن اللهُ تعالى لنبيِّه عليه الصلاة والسلام بالهجرة مِن مكة إلى المدينة.

فإن نبيَّنا عليه الصلاة والسلام منذ بَعَثَهُ اللهُ تعالى وهو قائمٌ بدعوة قومِه إلى أصول هذه الملَّة العظيمة؛ مِن توحيد الله رب الأرباب، وقومُه المشركون يُواجهونه ويُقابلونه بالأذى، فاستمرَّ على الصبر، ويَتبعُه الفُرادَى مِن الناس فردًا بعدَ آخر، ثم مجموعةٌ بَعد أخرى، ولم يزالوا في قلَّة وضعف، وكانت قريش تزيد في عتوِّها وأذيَّتِها لنبيِّنا عليه الصلاة والسلام، وتزداد في الأذيَّة نحو مَن يتبعُه، وبخاصة إذا لم يكن له ظهير مِن قومه يُعينه ويحميه.

ثم تمادَت بعد ذلك حتى بلغَت بها أذيَّتها إلى لهذا النبي الكريم لشخصِه الشريف صلوات ربي وسلامه عليه، ولمَّا ازداد الأذى للمسلمين بمكة أشار عليهم النبيُّ عليه الصلاة والسلام بالهجرة إلى الحبشة، وأخبرهم أن بها مَلِكًا لا يُظلم عنده أحد.

ثم لما ازداد الأذى والحصار من قريش للنبي عليه الصلاة والسلام، وما كانت تعترض من دعوته عليه الصلاة والسلام، حتى أذِن اللهُ تعالى لنبيِّه بالهجرة من مكة إلى المدينة.

وهذا الحدَث العظيمُ الذي هو ليس كأي حدَث؛ فإنه قد كان فاصلًا بين مرحلتين من مراحل الدعوة الإسلامية، المرحلة المكية، والمرحلة المدنية.

وإذا كانت عظَمةُ الأحداث تُقاس بعظَمة ما جرى فيها، والقائمين بها، والمكان الذي وقعَت فيه، فقد كان القائمُ بهذا الحدَث هو أشرف الخلِق محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأما المكان فلا أشرفَ مِن مكة والمدينة، وقد غيَّرَت هذه الهجرةُ النبوية بأمْر الله تعالى وتيسيره مجرى التاريخ، وحملَت في طيَّاتها وفي ضمْنها التضحيةَ والصبرَ والنصر والتوكُّل والإخاء، وجعلها اللهُ تعالى طريقًا للنصر والعزة ورفْع رايةِ الإسلام وتشييد دولته الفتيَّة، وكانت الهجرة أيضًا حدثًا تاريخيًّا ضَمِنَ اللهُ تعالى به استمرارَ الإسلامِ إلى أن يرث اللهُ الأرضَ ومَن عليها، والله هو القائل: ﴿ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون ﴾ [التوبة: 33]، [الصف: 9].

هذا الحدَث العظيم الذي سجَّله القرآنُ العظيم في سياقِ تأكيدِ نصرةِ هذا النبي الكريم، وأن الله تعالى لم يكُن لِيَدَعَهُ لأحدٍ مِن الخلْق، بل هو الذي تولَّاه وأيَّده ونصره، ألم يقل ربنا سبحانه: ﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [البقرة: 137]، ألم يَقُل ربُّ العزَّة سبحانه في آية كريمة من كتابه العزيز: ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾ [الطور: 48]، وهنا يُسجِّل القرآنُ هذه المرحلة الكريمة ﴿ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيم ﴾ [التوبة: 40]، في تلك الغُضُون كانت قريش تُهَيِّئُ لمحاصَرة هذا النبي الكريم حصارًا بعد آخر، وأذيَّة بعد أخرى، وصولًا إلى قتلِه ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ [الأنفال: 30]، وفي ذلك الحين لم تكُن قريش تَعلم بما كان قد أوحَى اللهُ به مِن الإذْن لنبيِّه عليه الصلاة والسلام، أن يخرُج مِن بين أظهُرهم إلى دار النصرة، ودار الهجرة المدينة النبوية الشريفة، حيث غادر عليه الصلاة والسلام بيتَه الشريف، بعد أن أخبَر أبا بكر خبرًا سريًّا لم يَعلم به أحد.

غادر عليه الصلاة والسلام في ليلة السابع والعشرين من شهر صفَر في السَّنة الرابعة عشر من النبوة، وأتى عليه الصلاة والسلام إلى دار أبي بكر وقت الظهيرة متخفِّيًا على غير عادته؛ ليخبره عليه الصلاة والسلام، يخبر صاحبَه بشأن الهجرة، وأذْن اللهِ تعالى له بها. وفي تلك اللحظات حينما حضَر الرسولُ عليه الصلاة والسلام لدار أبي بكرٍ، عَلِم أبو بكر أن الأمر غير معتاد، وخشي رضي الله عنه، وهو يَبتدئ سماعَ خبرِ النبي عليه الصلاة والسلام بأنه يُريد الهجرة، خشيَ أن يَفُوته شرفُ صحبة النبي عليه الصلاة والسلام ليبادرَ بالإذْن في صحبته عليه الصلاة والسلام، فأذِن له، وكان قد جَهَّز راحلتين استعدادًا للهجرة، واستأذن رجلًا مِن بني الدَّيل يقال له: عبد الله بن الأريقط، وكان ماهرًا عارفًا بالطريق.

ودفع إليه الراحلتين ليرعاهما، واتفقا على اللقاء في غار ثور بعد ثلاث ليال، في حين قامت عائشة وأسماء بنتا أبي بكر رضي الله عنهما بتجهيز المتاع والمؤن، وشقَّت أسماء رضي الله عنها نطاقها وهو اللباس الذي كانت تختمر به، شقَّته نصفين لوضع الطعام فيه؛ فسمِّيت من يومها بذات النطاقين، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأن يبقى في مكة؛ ليؤدي إلى الناس ودائعهم التي كانوا يستودعونها عند رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم غادر عليه الصلاة والسلام وأبو بكر مِن باب خلفي ليخرُجا من مكة قبل أن يطلع الفجر، ولما كان النبي عليه الصلاة والسلام يَعلم أن الطريق الذي سيسلكه ستتَّجه إليه الأنظار، ويبعثون العيون ومَن يرصده، فإنه عليه الصلاة والسلام بدل أن يتجه شمالًا إلى حيث طريق المدينة اتجه إلى الطريق الذي يضادُّه وهو الطريق الواقع جنوب مكة والمتَّجه نحو اليمن حتى بلغ إلى جبلٍ يُعرف بجبل ثور، وقام كل مِن: عبد الله بن الأريقط الليثي، وعامر بن فهيرة، وأسماء بنت أبي بكر؛ كلٌّ منهم بدوره فيما يتعلق بكمن النبي عليه الصلاة والسلام وبقائه في الغار، وانطلق المشركون يَبحثون في كل طريق عن النبي عليه الصلاة والسلام، وعن صاحبه، بعد أن افتقدوهما بمكة، يفتشون في جبالها حتى وصلوا في تلك اللحظات إلى غار ثور، وكانوا على قُرب منهم جدًّا، وأنصَت النبي عليه الصلاة والسلام إلى وقْع أقدام المشركين على قُرب منهم، ويقول أبو بكر رضي الله عنه، كما ثبت في صحيح البخاري، هامسًا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، يقول أبو بكر: قلتُ للنبي عليه الصلاة والسلام وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما، هكذا يقولها عليه الصلاة والسلام توكُّلًا على ربه، وثقة به، وتفويضًا إليه، وتفاؤلًا بحسن الحال والمنقلب، والله عند حسن ظنه بعبده، مكث النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الغار بعد أن صُرف المشركون عن الوصول إليهما، مكث عليه الصلاة والسلام ثلاث ليال حتى انقطع عنه الطلب، ثم خرجا من الغار ليلة غرة ربيع الأول من السَّنة الرابعة عشرة من النبوة، وانطلق معهما عبد الله بن الأريقط وهو دليلهما، وعامر بن فهيرة يخدمهما ويُعينهما، فكانوا ثلاثةً، والدليل رابعهم، هكذا كان هذا الحدث الذي سجَّله القرآن، وعظَّم من شأنه، ونلحظ أن قريشًا لم ينقطع عملها في الوصول إلى النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم يدركون أنه إن خرج من بين أظهرهم وَجد مَن يُعينه، ولن يمكنهم بعدئذٍ أن يُسيطروا عليه ولا أن يمنعوه من دعوته، لعلمهم بأنه يؤثر في القلوب تأثيرًا عظيمًا.

هنالك كانت قريش تجعل الجوائز والهِبات لكل مَن يحضر النبي عليه الصلاة والسلام وصاحبه حيَّين أو ميتين، حتى جعلت مكافأة لذلك مائة من الإبل، واستطاع واحد من فرسان قريش أن يصل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وإلى أبي بكر وهما في الطريق، وقد كان أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، وجزاه الله خير الجزاء على ما كان مِن حرصه على نبيَّنا عليه الصلاة والسلام، كان لشدة حرصه: مرة يكون بجوار رسول الله يؤانسه ويحدثه، ومرة يسبقه إلى الأمام، ومرة يتأخر إلى الوراء، ومرة يذهب إلى اليمين أو إلى اليسار كل ذلك يقول: حتى لو وَصل الطلب من قريش كنتُ أنا المقتول، وأنا الذي يُظفر بي لتَسلم يا رسول الله.

استطاع أحد فرسان قريش وهو سراقة بن مالك أن يصل بفرسه إلى حيث موضع الصاحبين، موضع رسول الله عليه الصلاة والسلام وصاحبه أبي بكر، في هذا يقول سراقة رضي الله عنه مخبرًا عما كان من هذا الأمر، وأنه أراد أن يَظفر بجائزة قريش، ويحدث أبو بكر رضي الله عنه عن هذه الواقعة فيقول: إنه لما رأى سراقةَ أخبَر رسول الله عليه الصلاة والسلام وقال: إني أرى أناسًا بالساحل، بل كان يقولُ سراقة لمَّا كان على قرب من الطريق غير المعتاد إلى المدينة، يقول: رأيتُ أناسًا أو شبحًا يُظهر رجالًا يمشون، وكانوا قرب الساحل، يقول سراقة: إنه أخَذ فرسَه ورمحه وانطلق مسرعًا، فلما دنا منهم عثرَت به فرسُه حتى سقط، وعاد مرة أخرى وامتطى فرسه وانطلق نحو النبي عليه الصلاة والسلام، فسقطَت به فرسه مرة أخرى، لكن حرصه على الجائزة وأن ينال هذا الشرف بين قريش حمله على أن يُعيد الكرة مرة أخرى، مع أن الذي حدث بالنسبة له أمرٌ مستغرَب؛ أرض صلدة قاسية ومع ذلك تغوص فيها رِجْلا الفرس؛ فإذا به يعلم حينئذٍ أن شيئًا غريبًا يحصل أمامه، وأنهما قد حُفظا بأمر الله، حاول مرة أخرى لتغوص قدما فرسه في الأرض إلى الركبتين، فيعلم أنهما محفوظان بحفظ الله، ليطلب منهما الأمان، ويعاهدهما على أن يُخَفِّيَ عنهما، وإذا به يُفاجأ بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام، ويقول له: كيف لك يا سراقة إذا سُوِّرتَ بسوارَي كسرى، فيبلغ به العجب مبلغه، خائف خرج من مكة ويَعِدُه بشيء عظيم وهي الحليُّ التي يلبسها أحد أعظم ملوك أقوى دولة إبان ذلك الزمان. وقد أوفى سراقةُ بوعده؛ فلم يكن يرى أحدًا مِن بَعده وهو راجع إلا ويقول: ارجعوا فليس ثمت أحد.

وهذه الواقعة التي كانت لسراقة رضي الله عنه يُحدث بها أبو بكر رضي الله عنه، وأنه وَفَّى بما قال؛ يعني: سراقة، وأبْعَد الناسَ عن طلب النبي عليه الصلاة والسلام.

والمقصود أيها الإخوة المؤمنون: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان بهذه الهجرة التي أذِن الله تعالى له بها، قد استجاب لأمر ربه متوكلًا عليه سبحانه، مع أنه يعلم أنه لو شاء الله لحَمَلَه من مكة إلى المدينة في لمح البصر، وقد شاهد هذه المعجزة مِن قبل حينما أُسري به من مكة إلى بيت المقدس، ثم من بيت المقدس إلى السماوات العلى، كل ذلك في لحظات يسيرات، بل في جزء من الزمان لم يتغيَّر، فالله خالق الزمان وهو الذي يُسيِّره، فأوقف الله الزمان وحمل نبيه عليه الصلاة والسلام على البراق دابة من الجنة في لمح البصر ثم إلى السماوات العلى التي تُقاس في زماننا اليوم بالسنوات الضوئية الطويلة جدًّا، هذا في السماء الدنيا، والنبي عليه الصلاة والسلام غادر السماءَ الدنيا إلى السماوات العلى حتى بلغ موضعًا لم يبلغه مخلوق ولا جبريل عليه السلام، حتى بلغ موضعًا يسمع فيه صَريف الأقلام، وكلمه ربه جل وعلا في السماوات العلى، ثم عاد إلى موضعه بمكة والزمان لم يتغيَّر، فالله قادر على كل شيء ﴿ إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس: 82]. ومع ذلك كانت هذه الهجرة على هذا الأمر الذي يُستعمل فيه التخطيط والتدبير البشري؛ ليتعلَّم الناسُ أنه لا بد مِن بذْل الأسباب، ولا بد من التخطيط بعدَ التوكُّل والتفويض إلى الله جل وعلا.

جاء في صحيح مسلم عن أبي بكر رضي الله عنه، قال: نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ وَنَحْنُ فِى الْغَارِ وَهُمْ عَلَى رُؤُوسِنَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ فَقَالَ: ((يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا)). يقول الإمام النووي رحمه الله معلقًا على هذا الموضع: فيه بيانٌ عظيمٌ لتوكُّل النبيِّ عليه الصلاة والسلام حتى في هذا المقام، وفيه فضيلة لأبي بكر رضي الله عنه، وهي مِن أجلِّ مناقبه.

صدَق الإمامُ النوويُّ رحمه الله؛ مِن أجلِّ مناقب أبي بكر هذا الموضع؛ فإن الله سبحانه قد سجَّل هذا الموضع في القرآن ﴿ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ [التوبة: 40].

بارَك اللهُ لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيَّاكم بهدْي النبي الكريم، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلى الله وسلَّم على عبد الله ورسوله نبيِّنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومَن تَبِعَهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

يحدثنا سيدنا أبو بكر رضي الله عنه عما كان بيْنه ورسول الله صلى الله عليه وسلم، وبيْن سراقة كما ثبت في صحيح البخاري فيقول: ارْتَحَلْنَا بَعْدَمَا مَالَتِ الشَّمْسُ، وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ، فَقُلْتُ: أُتِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: ((لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا))، هكذا يلازم النبيُّ عليه الصلاة والسلام هذا التوكلَ والتفويضَ إلى ربه جل وعلا يقول: ((لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا))، فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَارْتَطَمَتْ بِهِ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا، فَقَالَ – سراقة، قال سراقة -: إِنِّي أُرَاكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيَّ، فَادْعُوَا لِي، فَاللَّهُ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ، فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَجَا، فَجَعَلَ لاَ يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ: كَفَيْتُكُمْ مَا هُنَا، فَلاَ يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ، قَالَ: وَوَفَّى لَنَا. هكذا رواه البخاري رضي الله عنه.

يقول أنس: فكان سراقة أولَ النهار جاهدًا حريصًا مبالغًا في البحث عن رسول الله وإيصالِ الأذيَّة به، وكان آخرَ النهار مَسْلَحَةً له. يعني: حارسًا له بسلاحه رضي الله عنه وأرضاه؛ أعني: سراقة؛ فإنه قد أسلم بعدُ لِمَا رأى من هذه المعجزة العظيمة.

ومرت الأيام، وبعدما أسلم سراقة، وبعد فتح مكة وحنين وفتح بلاد فارس، جاءت الغنائم إلى عمر رضي الله عنه في عهده الشريف، فأعطاه؛ أعطى عمر سراقة، أعطاه سوارَي كسرى؛ تنفيذًا لهذا الوعد النبوي الذي أخبر به عليه الصلاة والسلام، وهي كما يقول العلماء: معجزة من معجزاته عليه الصلاة والسلام؛ حيث يقول العلَّامة الماوردي: فمِن معجزاته عليه الصلاة والسلام: عصمتُه من أعدائه وهم الجمُّ الغفير، والعددُ الكثير، وهم على أتم حَنَقٍ عليه، وأشدُّ طلبٍ لنفيه، وهو بينهم مسترسل قاهر، ولهم مخالطٌ ومكاثر، ترمُقُه أبصارُهم شزرًا، وترتد عنه أيديهم ذعرًا، وقد هاجر عنه أصحابه حذرًا، حتى استكمل مدته فيهم ثلاثة عشرة سنة، ثم خرج عنهم سليمًا، لم يُكْلَم في نفس ولا جسد، وما كان ذاك إلا بعصمة إلهية وعدَه الله تعالى بها فحققها جل وعلا، حيث يقول سبحانه: ﴿ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ [المائدة: 67] فعَصَمَه منهم. انتهى كلامه رحمه الله؛ أعني الماوردي.

والمقصود أيها الإخوة المؤمنون: أن الهجرة النبوية لها هذه الآثار المباركة، ولها الدلائل والعِبَر العظيمة ليس في عصر النبوة فحسب، بل ينبغي أن ينهل من دروسها، وأن يُستفاد مِن عِبَرها في كل زمان وكل مكان، وذلك أنها اشتملَت على هذه الآثار الكريمة والخير ليس للمسلمين فحسب، بل للإنسانية والخلْق أجمعين، ببقاء هذا الدين إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها. ذلك أن الحضارة الإسلامية التي قامت، وقدَّمَت للناس مسارًا مضيئًا بعد أن وصلوا إلى الطرق المظلمة بشركهم بالله جل وعلا. فعادوا إلى التوحيد بهذه الشرعة المحمدية، ولا زالت تقدِّم هذه الشريعة برغم ما يُساء إليها، وما تُشوَّه به من أعدائها، أو من بعض أتباعها، تقدم ما فيه خلاص الناس من الظلم فيما بينهم، ومِن تسلُّط بعضهم على بعض كما هو مشاهد اليوم.

فلا خلاص لأحدٍ من ضيقه وكربته، فردًا كان أو مجموعة أو أمَّة، إلا بالعود إلى هذه الطريق النبوية والشرعة المحمدية، والله يقول: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].

ألا وصلوا وسلِّموا على هذا النبي الكريم الذي أمرنا ربنا جل وعلا بالصلاة والسلام عليه في كتابه فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 56].

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

اللهم وارضَ عن خلفائه الراشدين والأئمَّة المهديِّين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن سائر الصحابة والتابعين وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلًّا للذين آمنوا؛ ربنا إنك رؤوف رحيم.

اللهم احفظ علينا في بلادنا الأمن والاستقرار، اللهم أدِمْ علينا نعمة الإيمان، وثبِّتنا عليها حتى نلقاك يا كريم.

اللهم أصلح أئمَّتنا وولاة أمورنا، اللهم وفِّقهم لما فيه صلاح العباد والبلاد، اللهم اجعلهم هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، وارزقهم البطانة الصالحة الناصحة، وأبعِد عنهم بطانة السوء يا رب العالمين.

اللهم إنا نعوذ بك مِن الفتن، ما ظهر منها وما بطن، اللهم مَن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل تدبيره تدميرًا عليه يا سميع الدعاء.

اللهم ثبت أقدام إخواننا المرابطين على الحدود وفي الثغور، اللهم احفظهم بحفظك اللهم أيِّدهم بتأييدك، اللهم اجعل النصر عاقبتهم، والحفظ والسلامة منقلبهم يا رب العالمين.

اللهم اغفر لنا ولوالدِينا وارحمهم كما رَبَّوْنا صغارًا.

اللهم أصلح لنا نيَّاتنا وذريَّاتنا وأزواجنا يا رب العالين.

اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكان، وألِّف بين قلوبهم واجمعهم على الحق يا رب العالمين.

اللهم فرِّج همَّ المهمومين، ونفِّس كرب المكروبين، واقضِ الدَّيْن عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

سبحان ربنا رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

0 0 votes
Article Rating