شارك وانشر علمتني الأيام (3)

الحياة كنز العِظة، ومخزن العِبر، سواء في الماضي؛ حيث أعماق التاريخ السحيق، أم في الحاضر؛ حيث التجارب أكثرُ واقعية وألصق معايشة.

وحظُّ كافة البشر من دروس الحياة يكاد يكون متساويًا، إلا أن الاختلافَ بينهم بحسَب إعمال الفكر في استخلاص الفوائد؛ لصقل مواهبنا الذاتية، وتدعيم خبراتنا الشخصية؛ فحظ الناس من الاستفادة من وقائع الأيام بقدر حظِّهم من تدبرها وتحليلها واستخراج عصارة تجاربها؛ لتكون وقودًا للأحداث والمواقف المستقبلة، أما مَن تمر عليه صروفُ الأيام وهو غافل، فهذا من أهل الهوان والخِذْلان، بل هو من العُمْيان، وقد قال الرحمن: ﴿ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ [الحشر: 2].

علمتني الأيام: أن الفرصةَ قد تأتي أكثر من مرة، عكس ما يتوهم الكثير من أنها لا تأتي إلا مرة واحدة، في رحلتي الأولى للعمرة حرَصت على قراءة كتب الفقه عن أحكام العمرة بتفصيل وتركيز منقطعِ النظير؛ كي يتسنى لي أداء عمرة نموذجية على هَدْي النبوّة، رجاءَ القبول والمغفرة من الكريم الوهَّاب، كنتُ أطوف حول الكعبة، وإذا بشابٍّ ملتصق بجدارها ومعه زجاجة طِيب يأخذ منها ويدهن جدار البيت العتيق، أدركت حينها أنه قد فاتني شيءٌ مهم وتمنَّيت صنيعه، ثم ما لبثتُ أن منَّ الله – تعالى – برحلة الحج بسرعة لم أكن أتوقعها، حينها أيقنت أن فرصتي قد عادت مرة أخرى، وبالفعل جهزت زجاجة الطيب وطيَّبت الكعبة، وحقق اللهُ لي الأمنية الغالية، التي أرجو قبولَها من الكريم المنان.

علمتني الأيام: أن الوجود في حياة البشر هو الذي يخلق المكانة العظيمة في نفوسهم، وأن القعقعة لا تجذب اهتمامَ المحيطين، حتى ولو علا ضجيجُها، فأنا شخصيًّا لا أعرف – مثلاً – اسم وزير التعليم العالي والبحث العلمي؛ لأني أعيش في بلد المنتجات الصينية فيها أشبهُ بالسرطان الذي استشرى بالجسد، كما أني لا أعرف اسم وزير البيئة، ومعدلات التلوث في الهواء عندنا وصلت لأربعين ضعف المعدلات العالمية؛ بل إنني لا أعرف اسم وكيل الوزارة الذي يترأس القطاع الوظيفي الذي أعمل به؛ لأنني – وببساطة – لم أجده يومًا يسهر على راحتي، ويسعى في خدمتي، وفي المقابل تشدني أخبار إنجازات البلدان، وتراودني أحلام السفر إلى اليابان، إنه من السهل على الإنسان أن يتبوَّأَ أعلى الأمكنة والمناصب، ولكنه من الصعب أن يحتلَّ مكانةً في القلوب، وهذا هو السر الحقيقي للنفوس الكبيرة.

علمتني الأيام: أن الحياة بها مفارقات أعجبُ من العجب؛ ففي ظل حالة السبات والخنوع العربي لا يقرع إسرائيل بالعصا إلا (حسن نصر الله) الشيعي الذي يتعبد إلى الله – تعالى – بسبِّ الشيخين وسائر الصحابة إلا أربعة بزعمه.

كما أن الذي يملِك الطموح النووي والرغبة الجامحة في التقدم الدولي دولةُ إيران الشيعية التي تنام وتصحو على حُلْم تصدير الثورة، التي ترتكز على أمورٍ هي من الكفر البواح بمكان، وصدق رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – حيث قال: ((إن الله ليؤيِّد هذا الدين بالرجل الفاجر)).

علمتني الأيام: أن البدايات دومًا تكون متعثرة وشاقة، وأن دواء العثرةِ المثابرةُ لا التراجع أو اليأس أو القنوط، فبعد العسر يأتي دومًا اليسر بإذن الله تعالى؛ حيث تتحسن المهارات، وتظهر القدرات الخلاَّقة والمبدعة، وما دام أحدٌ من البشر أحسَنَ أيَّ أمر تخوض فيه، فثِقْ دومًا بأنك مثله، قادر على إتقانه كما أتقنه أسلافك.

علمتني الأيام: أنني في الدنيا وحدي، وأن الاعتماد المُفرِط على الغير ضربٌ من الوهم، ما أحد يشعر بك أكثر من ذاتك التي بين جنبيك، أما لغة التضحية فصارت لا تعرفها قواميس العصر، ويندر من تجده يجتهد لسعادتك؛ ربما لأني لا أستحقُّ أن يوجد بحياتي هذا الشخص، وربما لأن هذا الشخص غيرُ موجود في الواقع الذي تعيش فيه من الأساس، على العموم: لا يحكُّ جلدَك مثلُ ظُفرك.

علمتني الأيام: أن للفكر دومًا صولةً وللهمَّة جولة، ولحظات الانتفاضة يمكن أن تكون قاسية على النفس، لكن مَن منا يبغي التغيير للأفضل دون أن يدفع الثمن؟! حتى باتت المشقة لذة، ليست لذة حاضرة، ولكنها لذة مستقبلة، نستشعرها حين نحل بساحات الوصول للهدف.

علمتني الأيام: أن أكثر شيء يزعج الآخرين منك هو اقتحام خصوصياتهم، والتفتيش في أحوالهم ومدَّخراتهم ومكنون أسرارهم، إنه نوع مؤلم من هتك الأستار، وجرح الأخيار الذين ندَّعي محبتهم، ونرى هذا الاقتحام نوعًا من الاطمئنان عليهم، وهيهات أن يقنع هذا المبرِّر أي عاقل، فمن حسن إسلام المرء تركُه ما لا يَعْنيه.

0 0 votes
Article Rating