لقد انتشرَ الحديث في هذه الأيام عمَّا يُسمَّى بـ (طاعون كورونا) وظهرت عباراتٌ من بعض الناس فيها مُخالفاتٌ عقديَّة، منها: أنَّ العدوى تنتقل بنفسها، والتطيُّر بالإبل، وبأقسام الطوارئ بالمستشفيات، وبزيارة المرضى… لذا وجَبَ التنبيه بذكر عقيدة أهل السنة في ذلك، مع ذكر بعض فتاوى علمائنا، فأقولُ وبالله التوفيق:

عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (الطاعونُ رِجْسٌ أُرسلَ على طائفةٍ من بني إسرائيلَ، أو على من كان قبلَكُم، فإذا سمعتُم به بأرضٍ فلا تقدموا عليه، وإذا وَقَعَ بأرضٍ وأنتُم بها فلا تخرُجُوا فرَاراً منه) رواه البخاري.

و(عن عائشةَ رضي الله عنها زوج النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالت: سألتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن الطاعونِ؟ فأخبَرَني: أنهُ عذابٌ يَبعَثُهُ الله على مَن يَشَاءُ، وأن اللهَ جَعَلَهُ رَحمةً للمُؤمنينَ، ليسَ من أَحَدٍ يَقَعُ الطاعُونُ فَيَمكُثُ في بَلَدهِ صابراً مُحتَسباً يَعْلَمُ أنهُ لا يُصيبُهُ إلاَّ ما كَتَبَ اللهُ له إلاَّ كان له مِثلُ أجرِ شهِيدٍ) رواه البخاري ومسلم.

واعتقادُ أن العدوى تنتقلُ بنفسها مُخالفٌ لتوحيد الألوهية ولعقيدة الإيمان بالقضاء والقدر من أن هذه الأمراض الْمُعدية لا تنتقلُ بنفسها أبداً، وإنما تنتقلُ إذا شاءَ اللهُ ذلك، فقد يُخالطُ الصحيحُ السقيمَ ولا يمرض، وقد يُخالطهُ ويَمرضُ، وقد لا يُخالطه ويمرض، وكلُّ ذلكَ بتقدير الله تعالى.

قال الله تعالى: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [الأنعام: 59]

وقال تعالى: {﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [الحج: 70].

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كتبَ اللهُ مقاديرَ الخلائقِ قبلَ أن يَخلقَ السمواتِ والأرض بخمسين ألف سنةٍ، قال: وكانَ عرشُهُ على الماءِ) رواه مسلم.

فاعتقاد أنَّ مَرَضَ طاعون كورونا يُعدي بنفسه فهذا من عقائدِ الجاهليةِ، لِمَا رواه عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا عَدْوَى ولا طيَرَةَ) رواه البخاري ومسلم.

وقال شيخنا ابن باز رحمه الله: (لأن اعتقاد العدوى والطيرة والتعلقبالأنواء أو الغول، كل هذه من أمور الجاهلية التي تقدح في الدين، ومَن زَعَمَ أن هناك عدوى فهذا باطلٌ، ولكنَّ الله جَعَلَ المخالطة لبعض المرضى قد تكون سبباً لوجود المرض في الصحيح، ولكن لا تُعدي بطبعها، ولَمَّا سمع بعضُ العرب قولَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: « لا عدوى… قال: يا رسول الله، الإبلُ تكونُ في الرِّمالِ كأنها الظباءُ، فإذا دخلَها الأجربُ أجربها؟ قال صلى الله عليه وسلم: فمَن أعدَى الأول؟ » أي: مَن الذي أنزلَ الْجرَبَ في الأول؟ فالأمرُ بيد الله سبحانه وتعالى إذا شاء أجربها بسبب هذا الجرب، وإن شاء لم يُجربها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: « لا يُورَدَنَّ مُمرضٌ على مُصحٍّ » يعني: لا توردوا الإبلَ المريضة على الصحيحة، بل تكون هذه على حِدَة، وهذه على حِدَة، وذلكَ من باب اتقاءِ الشرِّ والبعد عن أسبابه، وإلاَّ فالأمورُ بيد الله، لا يُعدي شيءٌ بطبعه، إنما هو بيد الله، ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾ [التوبة: 51]، فالْخُلْطةُ من أسباب وجود المرض فلا تنبغي الخلطة، فالأجرب لا يُخالطُ الصحيح، هكذا أمَرَنا الرسولُ صلى الله عليه وسلم من باب الاتقاء والحذر من أسباب الشرِّ، لكنْ ليسَ المعنى: أنه إذا خالطَ فإنه سيُعدي، لا، قد يُعدي وقد لا يُعدي، والأمرُ بيدِ الله سبحانه وتعالى، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: « فَمَنْ أعدَى الأول؟ ») فتاويه 8/ 23 – 25.

وقال أيضاً رحمه الله: (وثبَتَ عنه صلى الله عليه وسلم « أنه أكل مع مجذوم وقال: كلْ بسم الله ثقةً بالله » ليُبَيِّنَ صلى الله عليه وسلم أن انتقال الجذام من المريض إلى الصحيح إنما يكون بإذن الله، وليسَ هو شيئاً لازماً، والخلاصة: أنَّ الأحاديث في هذا الباب تدلُّ على أنه لا عدوى على ما يعتقده الجاهليون من كون الأمراض تُعدي بطبعها، وإنما الأمرُ بيد الله سبحانه، إن شاءَ انتقل الداء من المريض إلى الصحيح، وإن شاء سبحانه لم يقع ذلك، ولكن المسلمين مأمورون بأخذ الأسباب النافعة، وترك ما قد يفضي إلى الشرِّ) فتاويه 25/ 88 – 90.

وعلينا جميعاً بالمبادرة إلى التوبة والاستغفار، فإنه ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا ارتفع إلا بتوبة، (والقرآنُ يُبيِّنُ في غيرِ موضعٍ: أن اللهَ لم يُهلك أحداً ولم يُعذِّبه إلا بذنب، فقال هنا: ﴿ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾ [النساء: 79]، وقال لهم في شأنِ أُحُدٍ: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ﴾ [آل عمران: 165]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى: 30]، وقال تعالى في سورةِ الشورى أيضاً: ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ ﴾ [الشورى: 48]) فتاوى ابن تيمية 14 / 424.

اللهم أعذنا ووالدينا وأهلينا وذرياتنا والمسلمين (من البرص والجنون والجذام ومن سيء الأسقام) أبو داود ح1554.

آمين آمين آمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

0 0 votes
Article Rating