شرح حديث جبريل وسؤاله عن الإسلام والإيمان والإحسان (1)

سماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين
سماحة الشيخ محمد بن صالح العثيمين

عن عُمرَ بنِ الخطاب رضي الله عنه قال: بَيْنَما نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَومٍ، إذْ طَلَعَ عَلَينا رَجُلٌ شَديدُ بَياضِ الثِّيابِ، شَديدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيهِ أثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبي صلى الله عليه وسلم فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيهِ إِلَى رُكْبتَيهِ، وَوَضعَ كَفَّيهِ عَلَى فَخِذَيهِ، وَقالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرنِي عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «الْإِسْلَامُ: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»، قَالَ: صَدَقْتَ، فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ! قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ، قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»، قَالَ: فَأَخْبِرنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا، قَالَ: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ»، ثُمَّ انْطَلقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ: «يَا عُمَرُ، أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟»، قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ»[1]؛ رواه مسلم.

 

ومعنى «تَلِدُ الأَمَةُ رَبَّتَهَا»: أيْ: سَيِّدَتَهَا؛ ومعناهُ: أَنْ تَكْثُرَ السَّراري حَتَّى تَلِدَ الأَمَةُ السُّرِّيَّةُ بِنْتًا لِسَيِّدِهَا وبنْتُ السَّيِّدِ في مَعنَى السَّيِّدِ، وَقيلَ غَيْرُ ذلِكَ وَ«العَالَةُ»: الفُقَراءُ، وقولُهُ: «مَلِيًّا» أَيْ زَمَنًا طَويلًا؛ وَكانَ ذلِكَ ثَلاثًا.

 

قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله:

ذكر المؤلف رحمه الله حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا الحديث العظيم، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم لعمر في آخره: «أتدري من السائل»، قال: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم»، إذًا ديننا في هذا الحديث؛ لأنه مشتمل على كلِّ الدين، على الإسلام، والإيمان، والإحسان.

 

قوله: «بينما»؛ هذه ظرف تدل على المفاجأة؛ ولهذا تأتي بعدها «إذ» المفيدة للمفأجاة، وكان الصحابة رضي الله عنهم يجلسون عند النبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يغيب عن أصحابه أو أهله:

♦ إما في البيت: في شؤون بيته صلوات الله وسلامه عليه يحلب الشاة، ويُرَقِّع الثوب، ويخصف النعل.

 

♦ وإما مع أصحابه في المسجد، وإما ذاهبًا إلى عيادة مريض، أو زيارة قريب، أو غير ذلك من الأمور التي لا يمضي منها لحظة إلا وهو في طاعة الله عليه الصلاة والسلام، قد حفظ الوقت، وليس مثلنا نضيِّع الأوقات.

 

والغريب أن أغلى شيء عند الإنسان هو الوقت، وهو أرخص شيء عند الإنسان، قال الله: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ [المؤمنون: 99، 100]؛ حتى لا يضيع عليَّ الوقت، ما يقول: لعلي أتمتع في المال، أو أتمتع بالزوجة، أو أتمتع في المركوب، أو أتمتع في القصور؛ بل يقول: لعلي أعمل صالحًا فيما تركت.

 

مضى عليَّ الوقت وما استفدت منه؛ فالوقت هو أغلى شيء، لكن هو أرخص شيء عندنا الآن، نُمضي أوقاتًا كثيرة بغير فائدة، بل نُمضي أوقاتًا كثيرة فيما يضر، ولست أتحدث عن رجل واحد، بل عن عموم المسلمين اليوم – مع الأسف الشديد – أنهم في سهو ولهو وغفلة، ليسوا جادين في أمور دينهم، أكثرهم في غفلة وفي ترف، ينظرون ما يترف به أبدانهم وإن أتلفوا أديانهم. فالرسول عليه الصلاة والسلام كان دائمًا في المصالح الخاصة أو العامة، عليه الصلاة والسلام.

 

فبينما الصحابة عنده جلوس، إذ طلع عليهم رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد. وهذا غريب! ليس مسافرًا حتى نقول: إنه غريب عن البلد، ولا يُعرَف فنقول: إنه من أهل البلد. فتعجَّبوا منه، ثم هذا الرجل الذي جاء نظيفًا شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر؛ أي: شابٌّ لا يُرى عليه أثر السفر؛ لأنَّ المسافر – لا سيما في ذلك الوقت – يكون أشعث أغبر؛ لأنهم يمشون على الإبل، أو على الأقدام، والأرض غير مسفلتة، كلها غبار، لكن هذا لا يُرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، فهو غريب ليس بغريب!

 

حتى جاء وجلس إلى النبي عليه الصلاة والسلام؛ وهذا الرجل هو جبريل عليه الصلاة والسلام أحد الملائكة العظام، بل هو أفضل الملائكة فيما نعلم؛ لشرف عمله؛ لأنه يقوم بحمل الوحي من الله إلى الرسل عليهم الصلاة والسلام، فهو مَلَكٌ عظيم، رآه النبي صلى الله عليه وسلم على صورته التي خُلق عليها مرتين: مرة في الأرض، ومرة في السماء.

 

مرة في الأرض وهو في غار حراء، رآه وله ستمائة جناح، قد سد الأفق، كلَّ الأفق، أمام الرسول عليه الصلاة والسلام، لا يرى السماء من فوق؛ لأن هذا الملَكَ قد سد الأفق؛ لأنه له ستمائة جناح.

 

سبحان الله! لأن الله يقول في الملائكة: ﴿ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ ﴾ [فاطر: 1]، لهم أجنحة يطيرون بها طيرانًا سريعًا.

 

والمرة الثانية عند سدرة المنتهى؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ﴾ [النجم: 4- 9].

 

هذا في الأرض، دنا جبريل من فوق فتدلَّى؛ أي: قرب إلى محمد صلى الله عليه وسلم فأوحى إلى عبده الرسول عليه الصلاة والسلام ما أوحاه من وحي الله الذي حمَّله إياه.

 

أما الثانية: فقال: ﴿ وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ﴾ [النجم: 13،14]؛ فهذا جبريل.

 

ولكن الله جعَل للملائكة قدرة على أن يتشكلوا بغير أشكالهم الأصلية، فها هو قد جاء في صورة هذا الرجل.

 

قوله: «حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه»؛ أي: أسند ركبتي جبريل إلى ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم؛ «ووضع كفيه على فخذيه»؛ قال العلماء: وضع كفَّيه على فَخِذَي نفسه، لا على فخذي النبي صلى الله عليه وسلم؛ وذلك من كمال الأدب في جلسة المتعلِّم أمام المعلِّم، بأن يجلس بأدب واستعداد لما يسمع، واستماع لما يقال من الحديث.

 

جلس هذه الجلسة ثم قال: «يا محمد أخبرني عن الإسلام»، ولم يقل: يا رسول الله، أخبرني، كصنيع أهل البادية الأعراب؛ لأن الأعراب إذا جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: يا محمد.

 

أما الذين سمعوا أدب الله عز وجل لهم، فإنهم لا يقولون: يا محمد، وإنما يقولون: يا رسول الله؛ لأن الله تعالى قال في كتابه: ﴿ لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ﴾ [النور: 63]، وهذا يشمل دعاءه عند النداء باسمه، ويشمل دعاءه إذا أمر أو نهى، فلا نجعل أمره كأمر الناس: إن شئنا امتثلنا وإن شئنا تركنا، ولا نجعل نهيه كنهي الناس: إن شئنا تركنا وإن شئنا فعلنا.

 

كذلك عندما ندعوه، لا ندعوه كدعاء بعضنا بعضًا؛ فنقول: يا فلان يا فلان، مثلما تنادي صاحبك، وإنما تقول: يا رسول الله، لكن الأعراب؛ لبعدهم عن العلم وجهل أكثرهم إذا جاءوا ينادونه باسمه فيقولون: يا محمد.

 

قال: «أخبرني عن الإسلام»؛ أي: ما هو الإسلام؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله».

 

هذا الركن الأول: تشهد بلسانك نطقًا، وبقلبك إقرارًا: أنْ لا إله إلا الله؛ يعني: لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى.

 

وألوهية الله فرع عن ربوبيته؛ لأن من تألَّه لله فقد أقرَّ بالربوبية؛ إذ إن المعبود لابد أن يكون ربًّا، ولابدَّ أن يكون أيضًا كامل الصفات، ولهذا تجد الذين ينكرون صفات الله عز وجل عندهم نقص عظيم في العبودية؛ لأنهم يعبدون مَن لا شيء.

 

فالرَّبُّ لابد أن يكون كامل الصفات، حتى يُعبَدَ بمقتضى هذه الصفات؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ [الأعراف: 180]، «ادعوه»؛ أي: تعبَّدوا له وتوسَّلوا بأسمائه إلى مطلوبكم.

 

فالدعاء هنا يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة.

 

المهم أنه قال: «أن تشهد أن لا إله إلا الله»؛ فلا إله من الخلق، لا مَلَك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا شمس، ولا قمر، ولا شجر، ولا حجر، ولا بَرٌّ، ولا بحر، ولا ولي، ولا صديق، ولا شهيد، لا إله إلا الله وحده.

 

وهذه الكلمة أرسل الله بها جميع الرسل، فقال الله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: 25]، وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ [النحل: 36]؛ أي: ابتعدوا عن الشرك.

 

فهذه الكلمة إذا حققها الإنسان وقالها من قلبه ملتزمًا بما تقتضيه من الإيمان والعمل الصالح، فإنه يدخل الجنة بها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة». جعلنا الله وإياكم منهم.

 

وقوله: «وأن محمدًا رسول الله»؛ أي: تشهد بأن محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي العربي رسولُ الله، ولم يذكر من سواه من الرسل؛ لأنه نسخ جميع الأديان؛ كل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه ناسخ لما قبله من الأديان.

 

فكل الأديان باطلة ببعثه الرسول عليه الصلاة والسلام، فدين اليهود باطل، ودين النصارى باطل غير مقبول عند الله؛ لقول الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران: 85].

 

يتعبون في عبادتهم التي ابتدعوها تعبًا عظيمًا، وينصبون نصبًا عظيمًا، وكل هذا هباء لا ينفعهم بشيء، لن تُقبل منهم.

 

وقوله: ﴿ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾؛ فلو ربحوا في الدنيا ما ربحوا في الآخرة؛ لأن أديانهم باطلة، فالذين يدَّعون الآن من النصارى أنهم ينتسبون إلى عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، هم كذابون، والمسيح بريء منهم، ولو جاء المسيح لقاتلهم، وسينزل في آخر الزمان ولا يقبل إلا الإسلام؛ فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية فلا يقبلها من أحد، لا يقبل إلا الإسلام.

 

وقوله: «وأن محمدًا رسول الله»؛ أي: إلى الخلق كافة، كما قال الله: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ [الفرقان: 1]؛ للعالمين كلهم.

 

وقال الله تعالى: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [الأعراف: 158]؛ فهو رسول إلى جميع الخلق.

 

وقد أقسم صلى الله عليه وسلم أنه لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به؛ إلا كان من أصحاب النار.

 

ولذلك نحن نؤمن ونعتقد بأن جميع النصارى واليهود وغيرهم من الكفرة كلهم من أصحاب النار؛ لأن هذه شهادة النبي عليه الصلاة والسلام، والجنة حرام عليهم؛ لأنهم كفرة أعداء لله تعالى ولرسله عليهم الصلاة والسلام؛ أعداء لإبراهيم، ولنوح، ولمحمد، ولموسى، ولعيسى، ولجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام.

 

وقوله: «أن تشهد أن لا إله إلا الله» مع قوله: «وأن محمدًا رسول الله» هذان جَمَعَا شرطي العبادة، وهما: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن من قال: لا إله إلا الله، أخلص لله، ومن شهد أن محمدًا رسول الله، اتبع رسول الله، ولم يتبع سواه.

 

ولهذا عُدَّ هذان ركنا واحدًا من أركان الإسلام؛ لأنهما يعودان إلى شيء واحد، وهو تصحيح العبادات؛ لأن العبادات لا تصح إلا بمقتضى هاتين الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، التي يكون بها الإخلاص، وأن محمد رسول الله، التي يكون بها الاتباع.

 

وقوله: «وأن محمدًا رسول الله»؛ يجب أن تشهد بلسانك، مقرًّا بقلبك، أن محمدًا رسول الله، أرسله إلى العالمين جميعًا رحمة بالعالمين؛ كما قال الله: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]، وأن تؤمن بأنه خاتم النبيين؛ كما قال الله تعالى: ﴿ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ﴾ [الأحزاب: 40]، فلا نبي بعده، ومن ادَّعى النبوة بعده فهو كافر كاذب، ومن صدقه فهو كافر.

 

ويلزم مِن هذه الشهادة أن تتبعه في شريعته وسنته، وأن لا تبتدع في دينه ما ليس منه؛ ولهذا نقول: إن أصحاب البدع الذين يبتدعون في شريعة الرسول صلى الله عليه وسلم ما ليس منها أنهم لم يحققوا شهادة أن محمدًا رسول الله، حتى وإن قالوا: إننا نحبه ونعظمه، فإنهم لو أحبوه تمام المحبة، وعظموه تمام التعظيم ما تقدموا بين يديه، ولا أدخلوا في شريعته ما ليس منها.

 

فالبدعة مضمونها حقيقة القدح برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كأنما يقول هذا المبتدع: إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكمل الدين، ولا الشريعة، لأن هناك دينًا وشريعةً ما جاء بها! ثم في البدعة محذور آخر؛ وهو عظيم جدًّا، وهو أنه يتضمن تكذيب قول الله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ [المائدة: 3]؛ لأن الله تعالى إذا كان أكمل الدين؛ فمعناه أنه لا دين بعدما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، وهؤلاء المبتدعون شرعوا في دين الله ما ليس منه، من تسبيحات وتهليلات وحركات وغير ذلك، فهم في الحقيقة مكذبون لمضمون قوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾؛ وكذلك قادحون برسول الله صلى الله عليه وسلم، متهمون إياه بأنه لم يكمل الشريعة للبشر، وحاشاه من ذلك.

 

ومن تمام شهادة أن محمدًا رسول الله أن تُصَدِّقه فيما أخبر به؛ فكل ما صح عنه وجب عليك أن تصدق به، وأن لا تعارض هذا بعقلك وتقديراتك وتصوراتك؛ لأنك لو لم تؤمن إلا بما صدق به عقلك لم تكن مؤمنًا حقيقة، بل متبعًا لهواك لا آخذًا بهداك، والذي يؤمن بالرسول عليه الصلاة والسلام حقًّا يقول فيما صح عنه من الأخبار: سمعنا وآمنا وصدقنا.

 

أما أن يقول: كيف كذا؟ كيف يكون كذا؟ فهذا غير مؤمن حقيقة، ولذلك يُخشى على أولئك القوم الذين يحكِّمون عقولهم فيما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم إن كانوا لا يقبلون إلا بما شهدت به عقُولهم – وعقولهم لا شك إنها قاصرة – فإنهم لم يؤمنوا حقًّا برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يشهدوا أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه الحقيقة، عندهم من ضعف هذه الشهادة بمقدار ما عندهم من التشكك فيما أخبر به.

 

كذلك من تحقيق شهادة أن محمدًا رسول الله: ألا تغلو فيه فتنزله بمنزلة أكبر من المنزلة التي أنزله الله إياها؛ مثل أولئك الذين يعتقدون أن الرسول صلى الله عليه وسلم يكشف الضر، حتى إنهم عند قبره يسألون النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة أن يكشف الضر عنهم، وأن يجلب النفع لهم؛ هذا غلو في الرسول عليه الصلاة والسلام وشرك بالله عز وجل، لا يقدر أحد على ذلك إلا الله سبحانه وتعالى، والنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته لا يملك لنفسه شيئًا أبدًا؛ حتى الصحابة لما أصابهم القحط في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، واستسقوا في مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام ما جاءوا إلى القبر يسألون الرسول، أو يقولون: ادعُ الله لنا، أو اشفع لنا عند الله حتى ينزل الغيث. قال عمر يدعو الله: «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسْقِنا».

 

ثم أمر العباس أن يقوم ويدعو الله تعالى بإنزال الغيث.

 

لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ميِّت لا عمل له بعد موته، هو الذي قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».

 

فالنبي صلى الله عليه وسلم بنفسه لا يملك شيئًا، لا يملك أن يدعو لك وهو في قبره أبدًا.

 

فمَن أنزله فوق منزلته التي أنزله الله فإنه لم يحقق شهادة أن محمدًا رسول الله، بل شهد أن محمدًا رب مع الله، نعوذ بالله؛ لأن معنى كونه رسولًا أنه عبد لا يُعبد ورسول لا يكذب، نحن في صلاتنا كل يوم نقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله؛ فهو عبدٌ كغيره من العباد، مربوب، والله هو المعبود عز وجل، وهو الرب.

 

إذًا نقول لهؤلاء الذين نجدهم يغلون برسول الله صلى الله عليه وسلم وينزلونه فوق منزلته التي أنزله الله، نقول لهم: إنكم لم تحققوا لا شهادة أن لا إله إلا الله، ولا شهادة أن محمدًا رسول الله.

 

فالمهم أن هاتين الشهادتين عليهما مدار عظيم، كل الإسلام فهو عليهما؛ لذلك لو أراد الإنسان أن يتكلم على ما يتعلق بهما منطوقًا ومفهومًا ومضمونًا وإشارة لاستغرق أيامًا! ولكن نحن أشرنا إشارة إلى ما يتعلق بهما، و نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يحققهما عقيدة، وقولًا، وفعلًا!.

 

المصدر: «شرح رياض الصالحين» (1 /343 – 354)

رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/138121/#ixzz6EgE5dw00

0 0 votes
Article Rating