توقير الصحابة من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة……. الشيخ /ماجد بن سليمان الرسي

التفسير
الثلاثاء ديسمبر 2020

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلـٰه إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها المسلمون، اتقوا الله تعالى وراقبوه، وأطيعوه ولا تعصوه، واعلموا أن من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة؛ توقير أصحاب النبي ﷺ وبِـرِّهم ومعرفة حقهم والاقتداء بهم، وحسن الثناء عليهم، والاستغفار لهم، والإمساك عما شجر بينهم، ومعاداة من عاداهم، والإعراض عن الأخبار القادحة في أحد منهم، والتي نقلها بعض المؤرخين، وجهلة الرواة، وضُلّال الشيعة والمبتدعين، إذْ هم أهلٌ لذلك، ولا يُذكر أحد منهم بسوء ولا يُعاب عليه أمرٌ، بل تُذكر حسناتهم وفضائلهم وحمِيدُ سيرتهم، ويُسكت عما وراء ذلك.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ﷺ، كما وصفهم الله في

قوله تعالى

والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم .

أيها المؤمنون: لقد فَضُل الصحابة على غيرهم من الناس بأن الله اختارهم من بين سائر البشر لِصحبة نبيه ﷺ، وخصَّهم في الحياة الدنيا بالنظر إليه وسماع حديثه من فمه الشريف، وتلقي الشريعة وأمور الدين عنه، وتبليغ ما بُعث به من النور والهدى على أكمل الوجوه وأتمها، فكان لهم الأجر العظيم لصحبتهم له وجهادهم معه، ولأعمالهم الجليلة في نشر الإسلام والدعوة إليه، فلهم من الأجر مثل أجور من بعدهم، لأنهم السبب في ذلك، ومن المعلوم أن من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً.

أيها المؤمنون: وقد أثنى الله على الصحابة أحسن الثناء، ورفع ذكرهم في التوراة والإنجيل والقرآن، ووعدهم المغفرة والأجر العظيم، قال تعالى

محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً.

وقال القرطبي رحمه الله في تفسير الآية: هذا مثلٌ ضربه الله تعالى لأصحاب النبي ﷺ، يعني أنهم يكونون قليلاً ثم يزدادون ويكثرون، فكان النبي ﷺ حين بدأ بالدعاء إلى دينه ضعيفاً، فأجابه الواحد بعد الواحد حتى قَــــوِي أمره، كالزرع يبدو بعد البذر ضعيفاً، فيقوى حالاً بعد حالٍ حتى يغلُظ ساقُه وأفراخُه، فكان هذا من أصح مثلٍ، وأوضح بيان. انتهى.

ومن دلائل عظيم قدر الصحابة أن الله أخبر عنهم بأنهم أحقُّ بكلمة التقوى وأهلُها كما في سورة الفتح، قال تعالى

وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلُها.

وأخبر أن الناس إن آمنوا بمثل ما آمن به الصحابة فقد اهتدوا، قال تعالى فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا.

كما شهد لهم الله تعالى أنهم المؤمنون حقا، قال تعالى

والذين آمنوا وعملوا الصالحات وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم.

وقد جاء ذكرُ رِضَى الله عنهم في موطنين من القرآن، وهما قوله تعالى ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنـزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً﴾.

كما ورد رِضَى الله عنهم في سورة التوبة، قال تعالى ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم﴾.

وقد أمر الله نبيه ﷺ بمشاورتهم، فقـال

وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله.

وقد ندب الله من جاء بعدهم إلى الاستغفار لهم، وأن لا يجعلوا في قلوبهم غلاً للذين آمنوا، فقال

والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم.

وأوضح النبي ﷺ أن قرنهم خيرُ القرون، فقال: خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم.
ولفظ مسلم: خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم.

ومن دلائل عظيم قدر الصحابة ما أخبر به النبي ﷺ من أن أجرَهم مضاعف على أجر من جاء بعدهم، قال ﷺ : ﷺلا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه ) .

والنَّصيف هو النصف، والمد هو ربع الصاع، يعني أن صدقة الصحابي لو كانت مُدَّا فإنها أعظم ثوابا مِن صدقة من أتى بعده ولو كانت كجبل أحد.
وسبب التفاوت ما يقارِن الصحابي من مزيد الإخلاص وصدق النية.

والحاصل أن الصحابة فَضُلوا على من بعدهم بعشر خصال:

1. اختيار الله لهم لصحبة نبيه ﷺ .
2. رؤيتهم للنبي ﷺ وصحبتهم له.
3. حب النبي ﷺ لهم.
4. أنهم خير الناس قاطبة.
5. ذِكرُ فضلهم وخيريتهم في التوراة والإنجيل والقرآن، وثناؤها عليهم.
6. سابِقتهم في الإسلام.
7. ما قدَّموا لله وللدين وللنبي ﷺ من النفس والمال والولد، وشَدِّهم من عزم الرسول ﷺ وتثبيته، وتحمُّلِهم الأذى في سبيل قيام دين الإسلام.
8. ما اتصفوا به من الصفات الحميدة، التي تلقوها وتربوا عليها من مشكاة النبوة مباشرة.
9. حفظهم للقرآن والسنة وتبليغهما للناس، وانتشارهما بسببهم في الآفاق إلى قيام الساعة.
10. أنهم أعلم الخلق بدين الله بعد النبي ﷺ، وما أجمعوا عليه لا يسع أحداً خلافه.
فهذه عشر خصال ارتفع بها صحابة النبي ﷺ على من قبلهم ومن بعدهم، رضي الله عنهم أجمعين.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه كان للتوابين غفورا.

الخطبة الثانية

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد: أيها المسلمون، والصحابة متفاوتون في مراتبهم وفضائلهم، فأهل السنة والجماعة يؤمنون بأن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ويُقدمون المهاجرين على الأنصار، لأن المهاجرين لهم السابقة في الإسلام، ثم جاء الأنصار فآووا النبي ﷺ ونصروه، وأهل السنة يُفضلون من أنفق قبل الفتح  وقاتل، على من أنفق من بعده وقاتل، ويؤمنون بأن الله تعالى قال لأهل بدر – وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر – ﷺاعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ، وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، ويشهدون بالجنة لمن شهد له رسول الله ﷺ بالجنة، كالعشرة وغيرهم من الصحابة.

أيها المؤمنون، وللصحابة علينا حقوقا أربعة:

الأول: محبتهم والترضي عنهم، كما أمر الله المؤمنين في قوله ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم﴾.

الثاني: الإيمان بأنهم أفقه الأمة بأمر دينها، لأنهم تربوا على عين النبي ﷺ وعاينوا التنزيل، وقد أخبر النبي ﷺ بأن للأربعة المقدمين منهم – وهم الخلفاء الراشدون – سنة متبعة، ينبغي على من أتى بعدهم أن يتبعها، قال رسول الله ﷺ: أوصيكم بتقوى الله ، والسمع والطاعة وإن عبدا حبشيا مُجدَّعا  ، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا ، فعليكـم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، فتمسكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة.

الثالث: الكف عما شجر بينهم.

الرابع: الذب عنهم مما قاله بعض المبتدعة فيهم، كالروافض ومن سلك مسلكهم.

ثم اعلموا رحمكم الله أن الله سبحانه وتعالى أمركم بأمر عظيم فقال ﷺإن اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تسليما)، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، وارض عن أصحابه الخلفاء، وارض عن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

أعد الخطبة: ماجد بن سليمان الرسي، في الخامس من شهر ربيع الثاني لعام 1442، في مدينة الجبيل، في المملكة العربية السعودية


اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن

مواضيع ذات صله


القائمة البريدية

إشترك في قائمنا البريدية ليصلك كل ما هو جديد من المقالات

جميع الحقوق محفوظه لموقع هدايه الحيارى