السنة النبوية المطهرة هي المصـدر الثاني للتشريع في الإسلام بعد القرآن الكريم، وهي مكملة وشارحـة له، وهي كالقرآن الكريم وحي من الله تعالى؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 3، 4]، وقد أوجب الله تعالى العمل بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، واجتناب ما نهى عنه، فقال جل وعلا: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ [الحشر: 7]، وعن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إني أُوتيت الكتاب، وما يعدله، يوشك شبعان على أريكته أن يقول: بيني وبينكم هذا الكتاب، فما كان فيه من حلال أحللناه، وما كان فيه من حرام حرَّمناه، ألا وإنه ليس كذلك”[1].

 

والقرآن الكريم وما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كلاهما وحي من الله جل وعلا لهداية البشر، فهما يحملان الهدى، ويهديان الخلق، لما فيهما من خير وصلاح، بل هما منهج لا تستقيم الحياة إلا به؛ عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا بعد صلاة الغداة موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا يا رسول الله، قال صلى الله عليه وسلم: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن عبد حبشي، فإنه من يعش منكم ير اختلافًا كثيرًا، وإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة، فمن أدرك ذلك منكم، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليهـا بالنواجـذ”[2].

 

ولما كانت السنة المطهرة مبيِّنة وشارحة للقرآن الكريم، وهي قطعًا وحي من الله تعالى، فقد نشأت بينهما علاقة ارتباط قوية جدًّا؛ بحيث لا يمكن فصلهما عن بعضهما، فمن حاول الاستدلال بالقرآن الكريم بمعزلٍ عن السنة المطهرة أو العكس، كمن حاول التفريق بين أغصان الشجرة وأصلها، وبين القريب وقريبه، وكل محاولة للاستغناء بأحدهما عن الآخر، إنما هي ضرب من العبث وسير في عماية، وخروج عن النهج المستقيم؛ ذلك لأن السنة صنو القرآن الكريم، وقرينته في الاستدلال والاحتجاج، والله تعالى تكفل بحفظهما معًا في قوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]، والـذكر يشملهما معًا.

 

ولما تأكد بوضوح تام أن القرآن الكريم والسنة المطهرة مكملان لبعضهما، فمن الطبيعي والمنطقي أنهما متكاملان في هدايتهما؛ فلا يُستغنى بهداية واحد منهما عن الآخر، وهنـاك شواهـد قرآنية عديدة، تؤكـد صفة الهدى للرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به، فمن ذلك:

1- قوله تعالى: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ [إبراهيم: 1].

 

2- وقوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [البقرة: 213].

 

3- وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحديد: 28].

 

4- وقوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الشورى: 52].

 

وبهذا يتبيَّن لنا بوضوح تام أن الدعاوى التي ينادي بها بعض قاصري النظر اليوم، ممن انساقوا وراء أهوائهم، وشبهات أعداء الملة والدين بالاستغناء عن السنة، والاكتفاء بالقرآن الكريم وحده، أو بالسنة المطهرة وحدها، دعاوى باطلة، لا تستند إلى دليل، ولا برهان، ولا حجة يعتد بها، وهي مرفوضة جُملةً وتفصيلًا، وهي أقوال مخالفة لما عليه إجماع علماء المسلمين المعتد بعلمهم وفضلهم ومكانتهم في الماضي والحاضر، وسيبقى الاعتماد على القرآن الكريم والسنة المطهرة مصدرين أساسيين للتشريع الإسلامي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

 

وأختم هذا الموضوع، بهذا التأكيد[3]: “ألا فليعلم ذلك النفر، وليعلموا أن الله تعالى إذ حفِظ كتابه من المعتدين، حفظ سنة رسوله التي أقامها من كتابه مقام الشرح والبيان، من کل اعتداء وعدوان، فستبقى محفوظة بحفظ الله، عالية الذُّرى، ناصعة الجبين، واضحة المحجة ظاهرة الحجة، داعية إلى الحق والهدی، نابذة للضلالة والعمى، رغم أنوف الغواة والمضللين”، والحمد لله رب العالمين.


[1] (أبو داود، حديث رقم: 4604، ج 4، ص 200).

[2] (الترمذي، حديث رقم: 2676، ج 5، ص 44).

[3] للشيخ حسين بن محمد مخلوف رحمه الله، في تقريظه لكتاب الحديث والمحدثون؛ للشيخ محمد أبو زهرة، ص ۳.

رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/136579/#ixzz6D7ERa5bU

0 0 votes
Article Rating