في العام 1947 أكتُشفت مخطوطات في الاردن في منطقة البحر الميت، في كهوفتسمى كهوف قمران، يعود تاريخها الى سنة 100 قبل الميلاد، بعضها مكتوبباللغة العبرية والبعض الاخر باللغة الآرامية، كتبها قوم ينتمونلطائفة يهودية كانت موجودة في ذلك الزمن وتسمى طائفة الأسينيين (essenes).

بعض ما احتوت عليه المخطوطات تفسيرات لنبؤات وردت في الكتاب المقدس العهدالقديم، والتالي احدها مع تعليق الشارح:
اقتباس: “فيالتعليق على النص الرئيسي (1QS IX 11)، تُركنا في شوق لمعرفة شخصثالث ظهر مع مُسحاء هارون واسرائيل، ويُسمى بكل بساطة «النبي» : “حتىيأتي النبي ومسيح هارون ومسيح اسرائيل.” من الواضح فيتجاوره مع المسيحين الاثنين ان هذا الشخص أخروي [مرتبط بأحداثآخر الزمان]. ومن غير الواضح انه شخص مسيح حقيقي،لأنه على عكس الاثنين الآخرين، لا يُطلق عليه اسم مسيح. ومع ذلكأعتقد أنه يجب اعتباره شخص مسيح حقيقي.”
«In commenting on the key text 1QS IX 11, we left in suspensethe third figure who appeared there together with the “Messiahsof Aaron and of Israel” and is simply called “the Prophet”: “untilthe prophet comes and the Messiahs of Aaron and Israel.”It is obvious from his juxtaposition to the two “Messiah”figures that this person is an eschatological person. It is lessevident that he is a true “messianic” figure, since unlike theother two he is not termed “anointed” here. And yet I think thateven so he must be considered as a true “messianic” figure.»
LDS Perspectives on theDead Sea Scrolls – Chapter 5, Section 8.4
ملاحظة: رقم النص (1QS IX 11) رقم موحد وضعته اللجنة التي رتبت صحف قمران، وبإمكانك ان تنسخه وتبحث عن اراء وتعليقات كُتّاب ومفسرين آخرين، أو تأخذ النص الحرفي التالي، مع الاقواس، وتبحث عنه:
“until the prophet comes and the Messiahs of Aaron and Israel”

الموجود في هذه الصفحة هو رأي كاتب الموضوع ولا علاقة له بأي رأي آخر.

النص الاصلي في الاقتباس اعلاه يتحدث عن ثلاث شخصيات توقع اليهود قدومها بناءا على نبؤات وردت في كتب العهد القديم.. عنوان الشخص الاول: النبي، والشخص الثاني عنوانه مسيح هارون، أمّا الثالث فعنوانه مسيح اسرائيل.. سوف نرى في الفقرات التالية ان مسيح اسرائيل هو عيسى بن مريم، ومسيح هارون هو يوحنا المعمدان، والنبي هو النبي محمد.

يقول الشارح ان النبي لم يوصف بأنه مسيح، بينما الاثنين الآخرين اطلقوا عليهما لقب مسيح.. المسيح في العرف اليهودي هو الشخص الذي يُمسح بالزيت وهو طفل صغير، واذا كبر واصبح له شأن يحمل لقب مسيح، وفي شريعة موسى يجب مسح كل اطفال اليهود بالزيت:
30: 31 وَتُكَلِّمُ بَنِي اسْرَائِيلَ قَائِلا: يَكُونُ هَذَالِي دُهْنا مُقَدَّسا لِلْمَسْحَةِ فِي اجْيَالِكُمْ.
30: 32 عَلَى جَسَدِ انْسَانٍ لا يُسْكَبُ. وَعَلَى مَقَادِيرِهِلا تَصْنَعُوا مِثْلَهُ. مُقَدَّسٌ هُوَ وَيَكُونُ مُقَدَّسا عِنْدَكُمْ.
30: 33 كُلُّ مَنْ رَكَّبَ مِثْلَهُ وَمَنْ جَعَلَ مِنْهُ عَلَىاجْنَبِيٍّ يُقْطَعُ مِنْ شَعْبِهِ — (سفر الخروج، الباب 30)
النبي موسى شخصيا لم يمسح بالزيت وهو صغير، وهذه العادة أو العبادة أوجدتها شريعة موسى، فإذا كان النبي المرتقب مثل موسى، فمن المفروض ان لا يمسح بالزيت، لذا يبدو ان المفسرين القدماء الذين كتبوا الصحف لاحظوا هذه النقطة ولم يعطوه صفة مسيح.. مع العلم انه يمكن ان يطلق اليهود لقب “مسيح” على من لم يُمسح بالزيت كعنوان “رمزي” وليس مسيح حقيقي، وقد فعلوا ذلك في الباب الذي كتبوه لصالح الملك الفارسي كورش (أشعيا 45)، وفي الرابط تحت الاقتباس يقول الشارح انه ورد ذكر النبي في نص آخر وصفوه أنه ممسوح بالروح (anointed by the spirit)، وعلى هذا الاساس قال عنه مسيح حقيقي، وهذا استنتاج في غير محله، وكان المفروض ان يعتبره مسيح رمزي، ان كان لابد من استخدام هذا اللقب.

ومرت الايام والسنين، وجاء الزمن الذي كان فيه عيسى بن مريم، وفي انجيل يوحنا، الاصحاح الاول، سجل كاتب الانجيل موقفا حدث مع يوحنا المعمدان (النبي يحي)، وكتب التالي:

1: 19 وهذه هي شهادة يوحنا ، حين أرسل اليهود من أورشليم كهنةولاويين ليسألوه: من أنت؟
1: 20 فاعترف ولم ينكر، وأقر: إني لست أنا المسيح
1: 21 فسألوه: إذًا ماذا؟ إيليا أنت؟ فقال: لستأنا. النبي أنت؟ فأجاب: لا — (انجيل يوحنا، الباب الاول)

أجاب يوحنا المعمدان بالنفي على كل الاسئله. ولكن المسيح عيسى ابن مريم قال ان يوحنا المعمدان هو إلياس (متّى 17: 10 – 17: 13). ربما عندما سألوه تلك الاسئلة لم تنزل عليه النبؤة بعد.. قوله انه إلياس يعني انه يشابهه في تعاليمه وطريقة دعوته، وليس تناسخ ارواح كما يعتقد البعض في هذه الايام.

لاحظ سؤالهم: “النبي” انت؟ نبي محدد كانوا يتوقعون قدومه، وليس مجرد استفسار عام اذا كان نبيا او لا، مثلا هل انت نبي؟

في مخطوطات قمران اعطوا احد الممسوحين عنوان مسيح هارون، والثاني مسيح اسرائيل… استنادا الى ما تعارف عليه المسيحيين، بناءا على تفسيرهم لإنجيل لوقا، فإن يوحنا المعمدان من نسل هارون من جهة الاب والام، وعليه نستنتج ان يوحنا المعمدان هو مسيح هارون:

اقتباس:”يضيف انجيل لوقا رواية عن ولادة يوحنا، مُقدما اياه كمعجزة خارقةلزكريا، وهو شيخ كبير، وزوجته الياصبات عاقر وتجاوزت مرحلة الانجاب. واستنادا لهذه الرواية، فإن الملاك جبريل اخبر زكريا بولادة يوحناعندما كان يؤدي مهامه ككاهن في معبد القدس، وبما انه وُصف بأنه كاهن علىطريقة أبِيّا، وزوجته الياصبات من بنات هارون، فهذا يجعل يوحنامن سلالة هارون من جهة الاب ومن جهة الام.”
“The Gospel of Luke adds an account of John’s infancy, introducing him as the miraculous son of Zechariah, an old man, and his wife Elizabeth, who was past the menopause and therefore unable to have children.[46][47] According to this account, the birth of John was foretold by the angel Gabriel to Zechariah, while he was performing his functions as a priest in the temple of Jerusalem. Since he is described as a priest of the course of Abijah and Elizabeth as one of the daughters of Aaron,[48] this would make John a descendant of Aaron on both his father’s and mother’s side.[49]”
https://en.wikipedia.org/…

في الاقتباس الاول في بداية الصفحة من صحف قمران يقول الشارح على الرابط المدرج تحت الاقتباس ان مسيح هارون وصفوه ايضا بأنه مسيح كاهن (messiah-priest)، وفي الديانة اليهودية يجب ان يكون الكاهن من نسل هارون، استنادا الى النص التالي: “وَقَرِّبْ الَيْكَ هَارُونَ اخَاكَ وَبَنِيهِ مَعَهُ مِنْ بَيْنِ بَنِي اسْرَائِيلَ لِيَكْهَنَ لِي.” (خروج 28: 1) وهذه علامة اخرى تدل على ان يوحنا المعمدان هو مسيح هارون الذي تنبأ القوم بقدومه.

واذا كان يوحنا المعمدان هو مسيح هارون، فلم يبقى امامنا في تصنيف مسيح اسرائيل سوى انه عيسى بن مريم، وذلك ان “النبي” ليس مسيحا اصلا.

الذي كتبوا صحف قمران وصفوا مسيح اسرائيل بالمسيح الملك (messiah-king)، ولكن عيسى بن مريم ما صار ملكا، فكيف هذا؟ أولا الوصف مبني على تفسير، والتفسير ليس بالضرورة ان يكون دقيقا ميه بالميه.. ثانيا عيسى بن مريم لا يزال حيا في السماء، “وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبّه لهم”، وهذا حصل بمعجزة، وولادته معجزة، ورفعه الى السماء معجزة ايضا، فهذا النبي لا تسري عليه قوانين الطبيعة التي تسري على بقية البشر، وفي القرآن اشارات تدل على احتمال عودته الى الدنيا مرة أخرى، منها: “والسلامُ عليَّ يومَ وُلدتُ ويومَ أموتُ ويومَ أبعثُ حيا”، وموت البشر لا يحدث الا على الارض، وهو لم يمت بعد، فربما عندما يعود الى الارض سيصبح ملكا بطريقة ما.

تعليقا على النص الذي كتبه يوحنا، آيه 21، “هل أنت النبي؟” قال الشارح في تفسير (Geneva Study Bible) ما يلي:

“انهم يستفسرون عن نبي عظيم آخر، وليس عن المسيح، لأن يوحنا انكر قبلذلك انه المسيح، وهم ظنوا ان نبيا عظيما آخر مثل موسى سوف يُرسل، ومايدعم هذا التوجه هو الاية 18: 15 من سفر التثنية، والتي يُفهم منها انهاتعود الى كل الانبياء والكهنة، وهم الذين كانوا وسيكونون حتى النهاية،ولا سيما المسيح الذي هو رئيس جميع الأنبياء”
“They are inquiring about some great prophet, and not about Christ, for John denied before that he is Christ, for they thought that some great prophet would be sent like Moses, using to support this position ( Deuteronomy 18:15 ), which is to be understood to refer to all the company of the prophets and ministers, which have been and shall be to the end, and especially of Christ who is the head of all prophets.”
Geneva Study Bible
https://www.biblestudytools.com/…

ما يراه المفسر في الاقتباس اعلاه ان اليهود التبست عليهم الاية من سفر التثنية، “نبيٌ مثل موسى”، وهذه الاية لا يجب ان تُفهم على ظاهرها بأن الله سيبعث نبيا مثل موسى بحق وحقيقة، وإنما كل الذين اتوا من بعد موسى هم مثل موسى!

استفسروا عن ثلاث شخصيات كان اليهود يتوقعون قدومهم :

1. هل أنت المسيح
2. هل انت إلياس
3. هل أنت النبي

هذه العناوين الثلاثة تماثل تلك العناوين المكتوبة في صحف قمران، بما يدل دلالة قاطعة ان اعتقاد اليهود في تلك الفترة كان هو هذا.

قال المفسر في الاقتباس اعلاه ان كل الذين اتوا من بعد موسى هم مثل موسى، وان هذا التفسير يفي بنبؤة موسى في سفر التثنية.. وبالرغم من ان هذا الرأي فيه مغالطة شديدة، الا ان فيه ردا على من يدعي ان نبؤة موسى تنطبق على عيسى بن مريم، وحجتهم ان موسى من بني اسرائيل وعيسى ايضا من بني اسرائيل، فإذا كانت الجنسية هي المعيار الوحيد، فهذا المعيار ينطبق على جميع انبياء بني اسرائيل دون استثناء، وهذا ما رآه وقال به المفسر في الاقتباس اعلاه، وشهد شاهد من أهلها.. وبالاضافة لذلك، فقد أكد المفسر ان اليهود في تلك الفترة كانوا فعلا ينتظرون نبيا مثل موسى بحق وحقيقة، شخص واحد مميز.

في الاصحاح السادس من انجيل يوحنا (6: 1 – 14) يقول كاتب الانجيل ان المسيح عيسى ابن مريم اطعم خمسة آلاف شخص من طعام كان قليلا جدا، وبعد ان رأى الناس هذه الاية قالوا “هذا هو بالحقيقة النبيّ الآتي إلى العالم!” — الان في التفاسير الحديثة نجد اراءا مختلفة حول هذا النبي الاتي الى العالم، وبعض المفسرين يتجاوزون عن النص وكأنهم لم يروه، ولكن نحن هنا لدينا عناوين، والقضية ليست قضية ما هو الاعتقاد السائد الان، وانما ماذا كان يعني عنوان “النبي” لأولئك القوم، يجب تفسير النص بمنظور القوم الذين صدر عنهم، وعلى هذا الاساس نجد في هذا الحدث علامتين من علامات النبي، العلامة الاولى انه آتي الى العالم اجمع، وليس الى بني اسرائيل فقط ، والعلامة الثانية اكثار الطعام القليل، وهذه العلامة هي كرامة من الله يعطيها من يشاء، وليست معجزة مميزة، والمسيح ابن مريم اعطاه الله هذه الكرامة في هذا الموقف، واعطاها ايضا للنبي إلياس عندما اكثر طعام المرأة الارملة الفقيرة وعائلتها (سفر الملوك الاول الاصحاح 17)، وربما يعطيها لأناس عاديين لا يحملون صفة النبوة، ولكن النبي الاتي الى العالم هو شخص واحد فقط ، ويجب ان تتوفر فيه هذه العلامة، فليس كل من يُكثر الطعام القليل نبيا الى العالم، ولكن نبي العالم يُكثر الطعام القليل.. وردت في سيرة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) روايات تقول انه حدثت له مواقف اكثر فيها الطعام القليل، احدها في غزوة الخندق اكثر طعاما قليلا ليكفي الجيش بأكمله، وهذه كرامة وليست معجزة، وذلك ان المعجزة يُشترط فيها التحدي، فيعجز الخصوم ان يأتوا بمثلها، بينما الكرامة تحدث في اوقات غير متوقعه وليس فيها تحدي.. وبما ان القوم ظنوا ان المسيح هو النبي الاتي الى العالم بعد ان اكثر الطعام القليل، فالاحتمال هو انهم فسروا نصا يدل مضمونه على ان النبي سيعطيه الله علامة اكثار الطعام.

في الاصحاح السابع من انجيل يوحنا (7: 37 – 41) ذكر كاتب الانجيل موقفا ثالثا عن النبي، وقال ان يسوع المسيح وقف في القوم وخطب فيهم، وجاء في خطبته: ألم يقل الكتاب من آمن بي تجري من بطنه انهار ماء حي، فلما سمع الجمع هذا الكلام قال بعضهم: هذا هو النبي، بينما قال آخرون: هذا هو المسيح.

التبس الامر على القوم، فظن بعضهم انه المسيح، بينما ظن آخرون انه النبي الذي تنبأ به موسى، وما دعا لهذا الالتباس هو قول المسيح: من آمن بي، كما قال الكتاب، تجري من بطنه انهار ماء حي.. جاء في سيرة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) انه حدثت له مواقف كان مع اصحابه على سفر ولم يكن لديهم ما يكفي من الماء، فكان يضع يده في اناء قليل الماء والجميع يأخذ منه ولا ينتهي، وبدا للناظرين وكأن الماء ينبع من بين اصابعه، فلعله وضع يده في الماء وأخذ يدعو الله بأن يباركه، وإلا فإن الماء لا يخرج من جسم انسان، لا نبي ولا مسيح ولا غيره… ربما قاس اليهود الذين كانوا يستمعون للمسيح عيسى ابن مريم علامة الماء على ما فعله النبي موسى عندما ضرب بعصاه الحجر فخرج منه الماء، فاعتقدوا ان النبي القادم، الذي هو مثل النبي موسى، سوف يأتي بالماء لمن معه بطريقة غير طبيعية، فالتبست عليهم شخصية المتكلم.

ما نراه في هذه المواقف ان اليهود في ذلك الزمن كانت لديهم علامات عن أشخاص كانوا يتوقعون قدومهم، فإذا اتى من يدعي انه النبي أو المسيح، سينظرون في العلامات التي جمعوها ليروا ان كان صداقا أو لا… وجاء المسيح عيسى بن مريم الى بني اسرائيل فكذبوه، فهل كانت العلامات التي جمعوها عنه صحيحة أم لا؟ العلامة تفسير، والنبؤة نص غامض، والخطأ في التفسير وارد، وان حدث خطأ في بعض العلامات فلا يمكن ان تخطأ كلها، والمشكلة ليست في خطأ بعض العلامات، ولكن إذا جاء الرسول بما لا تهوى انفسهم كذبوه.

“هذا هو بالحقيقة النبيّ الآتي إلى العالم” (يوحنا 6: 14)

“وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا” (سبأ 28)

“الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ” (الاعراف 157)

هل هناك من ادعى انه رسولا للعالمين غير النبي محمد، وادعى ايضا انه مكتوبا في التوراة والانجيل؟

هل ادعى يسوع المسيح انه رسولا الى الناس كافة؟ جعله اتباعه إله، وجعلوه رسولا للعالمين، ولكن هو شخصيا لم يدعي يوما انه إله، ولم يدعي ايضا انه رسولا الى العالم اجمع، ومن عجب العجاب ان ينسبوا له شيئا هو نفاه عن نفسه نفيا قاطعا: “ما أُرسلتُ الا الى الخراف الضالة من بني اسرائيل” (متّي 15: 24)، “ورسولا الى بني اسرائيل” (آل عمران 49).

عندما اعلن يسوع المسيح رسالته لبني اسرائيل استشهد بسفر اشعيا وقال: “إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هَذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ” (لوقا 4: 17 – 21) — ولو كان هو المقصود بنؤة موسى، لكان الاولى ان يستشهد بها، لأن موسى اساس الشريعة، فكيف يستشهد بالفرع ويترك الاصل؟ لا تفسير لذلك الا اذا كان يعلم انه ليس هو المقصود بتلك النبؤة.

نبؤة موسى: “أُقِيمُ لهُمْ [لبني اسرائيل] نَبِيّاً مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلكَ ، وَأَجْعَلُ كَلامِي فِي فَمِهِ ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ.” (تثنية 18: 18)… قيل ان مصطلح “الاخوة” يسري على بني اسرائيل فقط! يقول الرب في شأن اسماعيل: “وَامَامَ جَمِيعِ اخْوَتِهِ يَسْكُنُ” (تكوين 16: 12) وهذا نص واضح صريح يدل دلالة قاطعة على ان مصطلح “الاخوة” يمكن ان يستخدم في الاشارة الى اسماعيل وذريته.
وبما ان النبؤة نص غامض، اعتقد اليهود انه سيكون منهم، من بين اخوتهم من ابناء اسحاق، ولكن جرت الرياح بما لا تشتهي السفن، فكان من بين اخوتهم من ابناء اسماعيل.

في الاية 18: 15 من سفر التثنية يخاطب النبي موسى قومه فيقول لهم: “يُقِيمُ لكَ [يا الشعب اليهودي] الرَّبُّ إِلهُكَ نَبِيّاً مِنْ وَسَطِكَ مِنْ إِخْوَتِكَ مِثْلِي لهُ تَسْمَعُونَ.” (تثنية 18: 15) — السؤال الان، هل العبارة (من وسطكم) يمكنحملها للدلالة على المكان الذي انتم فيه؟ الاجابة بكل تأكيد نعم.. حرف “من” بالعبري له نفس المعنى لحرف “من” بالعربي، وبنفس اللفظ ايضا.. وأين بدأ النبيمحمد رسالته الفعلية؟ في المدينة المنورة، في وسط يهود المدينة، وبهذه الطريقةفقد اقام الله لبني اسرائيل نبيا من اخوتهم من وسطهم.. الاية واضحة جدا، منوسطكم، من بينكم، ولكنه ليس منكم، وإنما من اخوتكم! ولو كانت العبارة “منوسطكم” تعني منكم انتم اليهود ابناء يعقوب المجتمعون حاليا امام النبي موسى،لما كان من داعي لقوله من اخوتكم، وكان الاولى ان يحذفها تفاديا للتشويش، أو انيقول من ابنائكم زيادة في التوضيح، ولكن التعبير “من اخوتكم” هو الزيادة التيصنعت الفرق وبينت القصد وأوضحت تفاصيل النبؤة.. الملاحظ هنا ان الطريقة التيظهر فيها النبي محمد في بني اسرائيل تشابه كثيرا الطريقة التي ظهر فيها النبيموسى بينهم، كلاهما تلقيا الرسالة في مكان ثاني، ثم بعد ذلك ظهرا بينهم. النبيموسى اتاهم وهم في ارضٍ اجنبية، وكذلك النبي محمد.. هذه النبؤة تبدو وكأنهامفصلة تفصيل على النبي محمد، نبيٌ مثل موسى بالضبط.

يقول اليهود الان ان النبي الذي تنبأ به موسى هو يوشع بن نون.. هذا التفسير جديد، والمخطوطات من كهوف قمران تشهد بأن اليهود كانوا يتوقعون قدوم ذلك النبي الى الفترة التي كُتبت فيها تلك المخطوطات على اقل تقدير، وربما لم تتغير تلك التوقعات الى ان جاء النبي محمد، وبعد ان تأكدوا انه هو فعلا النبي الذي تنبأ به موسى، ما كان امامهم الا ان يكفروا به ويعيدوا تفسير النبؤة.

وهل ادعى احد انه رسولا الى اهل الكتاب وهو ليس منهم غير النبي محمد؟ “يا أهل الكتاب قد (( جاءكم )) رسولنا يُبيّن لكم على فترة من الرُّسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولانذير، فقد جاءكم بشيرٌ ونذير، واللّه على كلّ شيء قدير” (المائدة 19)، هذه الاية تماثل تلك التي في سفر التثنية: أقيم لهم نبيا من اخوتهم مثلك… إياكم ان تقولوا ما جاءنا نبيٌ مثل موسى، فقد جاءكم نبيٌ مثل موسى، والله على كل شيئ قدير، قادر على ان يرسل إليكم رسولا ليس منكم.

الخلاصة : كان الناس في الماضي عبارة عن مجتمعات معزولة عن بعضها، ووسائل الاتصال بينها تقتصر على التجارة في مواسم معينة، وان حدث شيئا في مجتمع ما، سيحتاج المجتمع المجاور الى فترة طويلة حتى يصله الخبر، وبالاضافة الى فقدان الاتصال، فقد كان الناس يختلفون في ثقافاتهم وعاداتهم اختلافات شبه جذرية، وما يمكن ان يتقبله مجتمع، ربما ينبذه مجتمع آخر جملة وتفصيلا، وفي ظل هذه الظروف المعقدة كان كل مجتمع بحاجة الى رسول خاص به يعالج مشاكله على حدة.. ثم بدأت الاتصالات بين مجتمعات العالم تزيد تدريجيا، وتختلط الثقافات والعادات، الى ان وصل الحال الى ما نحن عليه اليوم واصبح العالم كله وكأنه قرية صغيرة، والله يعلم سلفا ان هذا سيحدث، فقرر توحيد الرسالة، واخبر الاولين عن هذا التوحيد قبل حدوثه، وان يحمل الرسالة الى العالم شخص واحد فقط ، خاتم الانبياء والمرسلين، ولا نبي بعده، وكان النبي محمد، رسولا الى الناس كافة، يُعلم العلماء في عصر العلم والمعرفة وهو الرجل الأمي الذي لا يعرف القراءة والكتابة، وحجته عليهم القرآن الكريم، معجزة باقية الى يوم الدين، “وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ”، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وبهذه الفقرة نصل الى ختام الموضوع.

http://مصدر الرسالة: العربية نت ـ رسائل النبي محمد إلى ملوك العالم http://ara.tv/5rxjn

الجزء الاول :

 

القرآن كتاب الله الى بني اسرائيل، والنبي محمد رسول الله الى بني اسرائيل، نبيٌ مثل موسى، له تسمعون

 

https://hidayat-alhayara.com/wp-admin/post-new.

 

0 0 votes
Article Rating