الظروف السياسية العامة للوطن الذي ولد فيه عيسى عليه السلام: نحو قراءة تاريخية لبلاد فلسطين. (الحلقة الأولى)….بقلم الدكتور علي محمد الصلابي

اثبات التحريف من المخطوطات
الجمعة نوفمبر 2020

الحلقة الأولى

ولد عيسى – عليه السلام – بأرض الجليل من مناطق فلسطين أو “جليل الأمم” كما سمّاها الإسرائيليون فيما بعد؛ لأنّها كانت إقليماً مفتوحاً لجميع الأمم الشرقية والغربية، أيّ في مدينة بيت لحم، والتي تبعد قرابة 100كم جنوبي القدس.
ولذا من المهم التعريف بجغرافية هذه المنطقة والأحداث التي مرَّت بها قبل بعثة عيسى عليه السلام. ومعنى الجليل بالعبرية “الدائرة”، ويعنون بها الإحاطة؛ لأنّها اتسعت للكثير ممن يحال بينهم وبين الإقامة في بلاد أخرى من فلسطين، ولا سيما الجنوب حيث اليهودية.
وتقع الجليل في الجزء الشمالي من فلسطين بين البحر الأبيض المتوسط وبحيرة طبرية، جنوب ما يعرف بلبنان، وكانت طبرية هي العاصمة السياسية لهذه المنطقة، أما قراها التي اشتهرت في الإنجيل فهي كفر ناحوم والناصرة حيث نشأ عيسى عليه السلام، ونايين، ومجدل.

أولاً: تاريخ فلسطين

تاريخ فلسطين، تاريخ حافل، ففي الألف الثالثة قبل الميلاد هاجر إلى هذه المنطقة والتي سميت فلسطين فيما بعد أفواج من القبائل العربية، فكان الفينيقيون، وهم شعب سامي منبته لا يزال غير محدد بصورة دقيقة، أسبق الجماعات هجرة إلى هذه المنطقة، وقد وجدوا على شاطئ البحر المتوسط شمال غرب فلسطين مكاناً جيداً للاستقرار، فأقاموا به وأنشأوا أهم مدنهم: صيدا وصور.
وإلى الجنوب من الفينيقيين نزلت قبائل عربية واستقرت هذه القبائل على ضفة الأردن الغربية نحو البحر المتوسط في المنطقة الوسطى من فلسطين، وسُمّيت هذه المنطقة باسمهم، فأصبحت تدعى “أرض كنعان”. وقد شملت أرض كنعان مدن عدة، أهمها السامرة والتي أصبحت فيما بعد حوالي عام 880 ق.م عاصمة مملكة إسرائيل.
وفي سنة 1200 ق.م نزلت بالساحل المطل على البحر المتوسط جماعات من جزيرة “كريت” وكانت تسمى قبائل “فلستين”، نزلت بين “يافا” و “غزة” واختلط الكنعانيون بهم، وأطلقوا عليهم اسم “فلسطينيين” وأصبحت المنطقة كلها تعرف باسم فلسطين.
وفلسطين في المنطقة التي يذكر أهل الكتاب أن إبراهيم الخليل عليه السلام هاجر إليها، مع العلم أنهم لم يذكروا أنه هاجر بسبب أذى قومه له ومحاولتهم قتله بعد أن دعاهم إلى عبادة الله، وفي فلسطين رُزق بإسماعيل ثم بإسحاق عليهما السلام، ورزق إسحاق بيعقوب عليه السلام وهو إسرائيل الذي ينسب إليه بنو إسرائيل.
وظل بنو إسرائيل، أبناء يعقوب بن إسحاق عليه السلام، في أرض فلسطين يتنقلون في جنباتها على عادة الرعاة، ويعيشون فيها حياة البداوة كما قال عز وجل حكايةً عن يوسف عليه السلام ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ ﴾(يوسف: 100).
واستمر بهم هذا الحال إلى أن انتقلوا إلى مصر استوطنوها زمن يوسف عليه السلام حتى خرجوا منها بعد ذلك بزمنٍ طويلٍ مع موسى عليه السلام، بعد أن أوحى الله تعالى﴿ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ﴾(الشعراء: 52)، فخرج بهم وكان أن حكم الله عليهم بالتيه بعد ذلك، وذلك جزاء تخاذلهم عن قتال أهل الأرض المقدسة.
وصل موسى عليه السلام إلى أرض “موآب” شرقي الأردن، وصعد إلى قمة جبل قبالة “أريحا” ونظر إلى الأرض التي أشار إلى بني إسرائيل بدخولها، ومات موسى عليه السلام على أرض “موآب” ولم يدخل الأرض المقدسة.
وخلف موسى عليه السلام يسوع -كما يسميه أهل الكتاب – “يوشع بن نون” الذي اختاره موسى قبل موته لقيادة بني إسرائيل وهو الذي عَبَرَ بهم إلى أرض كنعان -فلسطين-بعد انقضاء التيه المحكوم على بني إسرائيل وذلك في حدود القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وكان هذا أول استقرار لبني إسرائيل، واستيطان لفلسطين.

ثانياً: عهود بني إسرائيل

مرَّت حياة بني إسرائيل في فلسطين بثلاث عهود متميزة:

1-عهد القضاة:

كان حكام اليهود فيه في هذه الفترة قضاة من الكهنة، ولم يكن من بني إسرائيل ملوكاً في تلك الأيام، وقد دوّن تاريخ هذه الحقبة في سفر القضاة.

2-عهد الملوك:

هو العهد الذي بدأ فيه الحكم ملكياً، وقد قصّ الله علينا خبر أول ملوكهم في قوله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾(البقرة: 246). فجعل الله عز وجل عليهم طالوت ملكاً، ويسمَّى في كتبهم شاؤول، وخلفه داود عليه السلام في زعامة اليهود، واتخذت مدينة القدس عاصمة للملك ثم خلف النبي داود ابنه النبي سليمان عليه السلام في ملكه، وكان عهدهما أزهى العهود التي مرت على بني إسرائيل.

3-عهد الانقسام “زوال ملك بني إسرائيل”:

هو العهد التالي لسليمان عليه السلام، حيث انقسمت مملكته إلى مملكتين، مملكة يهوذا في الجنوب وعاصمتها القدس، ومملكة إسرائيل في الشمال وعاصمتها نابلس في الجليل، وكان بين الدولتين عداء وقتال، وكان يحدث في بعض الفتوحات من تاريخهما توافق وتفاوت وكانت تقع على الدولتين حروب من قبل جيرانهم، كما أن الدولتين وقع حكامهما وشعبيهما في عبادة الأصنام في كثير من فترات تاريخهما.
ثم تسلط الأعداء عليهم، ثم كان زوالهم، وذلك باستيلاء الآشوريين على دولة إسرائيل عام 722 ق.م والقضاء عليها، ثم سقطت دولة يهوذا في الجنوب بيد الفراعنة عام 603 ق.م تقريباً، وبعد ذلك، جاء حاكم بابل الكلداني بختنصّر، واسترجع منطقة الشام وفلسطين وطرد الفراعنة منها، وزحف مرة أخرى على دولة يهوذا التي تمردت عليه، فدمرها ودمر معبد أورشليم وساق شعبها مشياً إلى بابل، وهو ما يسمى بالسبي البابلي، وكان ذلك نهاية دولة يهوذا في حدود عام 586 ق.م.
ثم سقطت دولة بابل في يد الفرس في عهد ملكهم قورش سنة 538 ق.م الذي سمح لليهود بالعودة إلى بيت المقدس وبناء هيكلهم وعين عليهم حاكماً منهم من قبله.
واستمر حكم الفرس من 538-332 ق.م، فجاء إلى بلاد الشام وفلسطين الإسكندر المقدوني اليوناني، واستولى عليها وأزال حكم الفرس، ودخلت منطقة اليهود تحت حكم اليونان في نهاية القرن الرابع ق.م، إلى منتصف القرن الأول ق.م، حيث زحف بعد ذلك على البلاد القائد الروماني بومبي سنة 63 ق.م وأزال حكم اليونانيين عنها، فدخل اليهود تحت حكم الرومان وسيطرتهم، وفي زمانهم ولد المسيح عليه السلام.

ثالثاً: الحالة السياسية والاجتماعية

خضعت فلسطين للسياسة الرومانية منذ سنة 13 ق.م، فانتهجت في أول الأمر نظام الحماية وأوكلت ظاهر السلطة إلى ملك محلي من اليهود لضمان ولائه.
وتجدر الإشارة إلى أن من اليهود من استقبل حكم الرومان بصدر رحب، وتعاونوا معهم في حكم البلاد، أما البعض فقد اعتبروا وجودهم أمراً يجب محاربته ومن هذه الجماعة ظهرت أحزاب ساهمت في تطوير النصرانية.
وفي عهد أغسطس إمبراطور روما (ت: 14م)، أحاطت الامبراطورية الرومانية في تلك الفترة بالبحر المتوسط كله وببلاد أوروبا الواقعة غرب نهر الراين إلى البحر الأسود، وحكمت الأناضول “تركيا” وبلاد الرافدين والشام ومصر والشمال الأفريقي كله، أيّ أن المجتمع النصراني ولد في مكان التقى فيه عالمان: الشرق والغرب، والساميون والرومان، والإغريق واليهود وغير اليهود.
وقد تولى الحكم في منطقة فلسطين رجل متهور هو “هيرودوس الأكبر” بين سنتي 4 – 37 م، ثم ما لبثت روما من سنة 6م أن أخضعت المنطقة كلها لحكمها المباشر، فضمت مقاطعتي اليهودية في الجنوب والسامرة في الوسط في ولاية واحدة.
وبعد موت هيرودوس الأكبر خلفه أبناؤه الثلاثة على حكم فلسطين معتَمَدين من قبل الحكومة الرومانية، فاحتفظ أنتيباس (4 ق.م -39م) أحد أبناء هيرودوس الأكبر-بمقاطعته المشتملة على منطقة الجليل في شمال فلسطين، والتي عاصمتها طبرية على مقربة من الناصرة حيث نشأ عيسى عليه السلام، ووقعت مشارف الشام في حصة فيليب (4 ق.م – 34م) .
وقد حكم أرخيلاوس منطقة اليهودية والسامرة (4 ق.م – 6م)، والتي تشمل منطقة بيت المقدس، وتولى الإمبراطورية الرومانية بعد أغسطس الروماني طيباريوس ودام ملكه سنتين وعشرين يوماً، وقد خضعت منطقة فلسطين وما حولها تحت حكم هؤلاء العديد من الاضطرابات، أما هيرودوس الأب فلم يكن محبوباً من الشعب؛ نظراً لخضوعه للرومان من جهة، ولطغيانه من جهة أخرى، وظل رجال الدين اليهودي يرون فيه الوثني المحبذ للهلنستية، وفي عهده هَدم الهيكل الذي بناه اليهود زمن عزرا، ثم جدد بناءه على الأسس التي كانت له زمن سليمان عليه السلام. وقد عرف هيرودوس بالعنف والشراسة، وكان لا يتردد في قتل أي شخص تحوم حوله الشبهات أو يهدد بقلب نظام الحكم، وكان يضطهد أعضاء السنهدرين بطريقة بشعة لمجرد شعوره بشيء من النفوذ والسلطة منهم.
وعندما مات هيرودوس ترك مملكته منهارةً اجتماعياً واقتصادياً، ومقسمة سياسياً بين أبنائه الثلاثة، مما ساهم في إشعال الثورات والاضطرابات بعد موته، وقامت في البلاد تحالفات وتيارات وطوائف مختلفة من اليهود ما بين مغالية ومعتدلة، وقد أسهم كل ذلك في تدمير أورشليم سنة 70م.
وأما عهد أرخيلاوس الذي حكم اليهودية، فكان من السوء بحيث كثرت شكوى اليهود ضده للإمبراطور الروماني، الذي عزله وولى مكانه بيلاطس البنطي -الروماني الأصل -والياً على اليهود سنة 26م، واستمرت ولايته عشر سنوات ثم عزل عنها، وكان على الجليل وقتها انتيباس الذي كان أشد من أخيه، وهو الذي قتل يحيى بن زكريا عليه السلام، بسبب فتواه بتحريم زواجه من امرأة لا تحل له، ونقل صاحب العهد الجديد أن عيسى عليه السلام سماه بالثعلب لذكائه.
وفي تلك الفترة ترك كثير من الشعب اليهودي تمسكه بالناموس وتأثروا باليهود الذين اندمجوا في الأمم الخاضعة للإمبراطورية والذين يَفدون إلى فلسطين والقدس للحج، حتى قادة الدين أنفسهم تخلوا عن مراكزهم وتمسكهم بالناموس وهو ما دعا الفريسيين إلى المناداة بالعودة إلى الشريعة وزاد من ترقُّب الأسينيين للمسيح الموعود.
وحدثت اشتباكات عدة بين الرومان ووفود الحجيج القادمة من القدس، وامتدت الاشتباكات إلى أماكن كثيرة لا سيما بين السلطتين وبين جماعة سمّوا بـ (الغيورين) تميزوا بتعصب وطني في رفض الوافد (المستعمر) الأجنبي ودفع الجزية وتعصب ديني في محاولة تطهير الهيكل من غير اليهود.
وكانت منطقة فلسطين في حالة هيجان وثورة ضد السلطات الرومانية، كما ذهب إلى هذا أكثر الدارسين، لا سيما في عهد صيباريوس في حين بعض الدارسين يرى خلاف ذلك.
وباستثناء الصدوقيين المتعاونين مع الإمبراطورية الرومانية (الاستعمار الروماني) كانت الأحزاب الأخرى ضد الرومان في نزاع مستمر وعنيف. ونتيجة لكل هذه الاضطرابات، تعمقت فكرة انتظار المخلص الموعود، وما هو ما صعّد من حدة الاضطهاد بينهم وبين الرومان.
وقد ولد المسيح عليه السلام في أواخر عهد هيرودوس الأكبر، وعاصر فترة حكم أبنائه فيما بعد بكل ما في تلك الفترة من الأحداث.
لقد كانت الحالة السياسية في فلسطين في عصر المسيح من أسوء ما تكون، وأبلغ منها في السوء الحالة الاجتماعية، وذلك بسبب السلطة المعلقة التي كانت بيد الحكام ضاع النظام مع القانون، فحدث تفاوت كبير بين الحكام والمحكومين، فكانت الثروة والترف والطغيان من ناحية، والفقر والهوان من ناحية أخرى، إضافة إلى الضرائب التي كانت تجبى لحساب روما، وانحصر هدف رجال الدين في جمع الأموال، وخلا المجتمع من الترابط والتآلف، وانتشرت العصبية بين الناس، وظهرت الفوارق الطبقية.

مراجع البحث:

علي محمّد محمّد الصّلابيّ، المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام (الحقيقة الكاملة)، 2019م ص (21:14)

ابن العبري غريغوريوس الملطي، تاريخ مختصر الدول، المطبعة الكاثوليكية، بيروت. لبنان، د.ت، ص26.

القس فهيم عزيز، المدخل إلى العهد الجديد، دار الثقافة، القاهرة، د.ت، ص27.

القس حنا الخضري، تاريخ الفكر المسيحي، دار الثقافة، القاهرة، ط1، د.ت، ص. ص101 -110.

جون لوريمر، تاريخ الكنيسة في العهود الأولى، دار الثقافة، القاهرة، د.ت، ص3.

أحمد شلبي، اليهودية، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ط8، 1988م،. ص69-70.

محمد عبد الحليم مصطفى أبو السعد، دراسة تحليلية لإنجيل مرقس تاريخياً وموضوعياً، مطبعة الجبلاوي، مصر، ط1، 1404، ص49

بسمة أحمد جستنيه، تحريف رسالة المسيح عليه السلام عبر التاريخ أسبابه ونتائجه، دار القلم، دمشق، ط1، 2000م، ص21.


اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن

مواضيع ذات صله


القائمة البريدية

إشترك في قائمنا البريدية ليصلك كل ما هو جديد من المقالات

جميع الحقوق محفوظه لموقع هدايه الحيارى