سُفْيان الثَّوري

الحمد لله الذي له ملك السموات والأرض، يحيي ويميت، وهو على كل شيءٍ قدير،هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيءٍ عليم،والصلاة والسلام على نبينا محمد، الذي أرسله الله هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إليه بإذنه وسراجًا منيرًا، أما بعد:

فإن الإمام سُفْيان الثَّوري هو أحد أئمة الإسلام المشهورين؛ من أجلِ ذلك أحببت أن أذكر نفسي وإخواني القراء الكرام بشيء من سيرته المباركة، فأقول وبالله تعالى التوفيق:

الاسم والنسب:

هو سُفْيان بن سعيد بن مسروقٍ الثَّوري،إمام الحفاظ في زمانه.

كنيته: أبو عبدالله.

ميلاد الثَّوري:

ولد سُفْيان الثَّوري سنة سبعٍ وتسعين في خلافة سليمان بن عبدالملك؛ (الطبقات الكبرى لابن سعد جـ 6 صـ 371).

والد سُفْيان الثَّوري:

هو المحدِّث الصادق سعيد بن مسروقٍ الثَّوري، وكان من أصحاب الشعبي، وخيثمة بن عبدالرحمن، ومن ثقات الكوفيين، وعداده في صغار التابعين،روى له الجماعة الستة في دواوينهم.

وحدث عنه: أولاده: سُفْيان الإمام، وعمر، ومبارك، وشعبة بن الحجاج، وزائدة، وأبو الأحوص، وأبو عوانة، وعمر بن عبيدٍ الطنافسي، وآخرون،ومات سنة ست وعشرين ومائةٍ؛ (سير أعلام النبلاء للذهبي جـ 7 صـ 230).

شيوخ الثَّوري:

أيوب السَّخْتياني، وبهز بن حكيمٍ، وجبلة بن سحيمٍ، وجعفر الصادق، وحماد بن أبي سليمان، وحميد الطويل، وربيعة الرأي، وزبيد اليامي، وزيد بن أسلم، وسعيد الجُريري، وأبو حازمٍ سلمة بن دينارٍ، وسليمان الأعمش، وشعبة بن الحجاج، وصفوان بن سليمٍ، وعاصم بن أبي النَّجود، وعاصم الأحول، وعبدالله بن أبي بكرٍ بن حزمٍ، وعبدالله بن دينارٍ، وأبو الزناد، وعبدالله بن شدادٍ الأعرج، وعبدالله بن طاوسٍ، وعبدالعزيز بن رفيعٍ، وابن جريجٍ، وعلي بن بذيمة، وعمرو بن ميمون، وقيس بن مسلمٍ، وليث بن أبي سليمٍ،وابن إسحاق، ومحمد بن أبي بكرٍ بن حزمٍ، وابن أبي ذئبٍ، وابن أبي ليلى، ومحمد بن المنكدر، ومعمر بن راشدٍ، وهشام بن عروة، وأبو إسحاق السبيعي، ويقال: إن عدد شيوخه ستمائة شيخٍ، وقد قرأ سُفْيان الثَّوري القرآن كله على حمزة الزيات أربع مراتٍ؛ (سير أعلام النبلاء للذهبي جـ 7 صـ 234: 230).

تلاميذ الثَّوري:

حدث عنه من القدماء من مشيخته وغيرهم خلق، منهم: الأعمش، وابن جريجٍ، وجعفر الصادق، وأبو حنيفة، والأوزاعي، وابن أبي ذئبٍ، ومسعر، وشعبة، ومعمر – وكلهم ماتوا قبله،وأبو إسحاق الفزاري، وأحمد بن يونس، وابن عُلَية، وجرير بن عبدالحميد، وحفص بن غياثٍ، وأبو أسامة، ورَوْح بن عبادة،وسُفْيان بن عيينة، وأبو داود الطيالسي، وعبدالله بن المبارك، وعبدالرحمن بن مهدي، وعبدالرزاق، وأبو نعيمٍ، وفضيل بن عياضٍ،ومالك بن أنس، ومحمد بن يوسف الفريابي، ووكيع بن الجراح، ويحيى بن آدم، ويحيى القطان، ويوسف بن أسباطٍ، وأمم سواهم؛ (سير أعلام النبلاء للذهبي جـ 7 صـ 236: 234).

عقيدة الثَّوري:

(1) قال عبدالرزاق: سمعت مالكًا، والأوزاعي، وابن جريجٍ، والثَّوري، ومعمرًا، يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص؛ (سير أعلام النبلاء للذهبي جـ 7 صـ 252).

(2) قال سُفْيان الثَّوري: “خالفتنا المرجئة في ثلاثٍ: نحن نقول: الإيمان قول وعمل، وهم يقولون: الإيمان قول بلا عملٍ، ونحن نقول: يزيد وينقص، وهم يقولون: لا يزيد ولا ينقص، ونحن نقول: نحن مؤمنون بالإقرار، وهم يقولون: نحن مؤمنون عند الله”؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 7 صـ 29).

(3) قال سُفْيان الثَّوري: مَن زعم أن ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص: 1] مخلوقٌ، فقد كفر بالله عز وجل”؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 7 صـ 30).

(4) قال سُفْيان الثَّوري: “مَن قدَّم عليًّا على أبي بكرٍ وعمر فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وأخشى ألا ينفعَه مع ذلك عمل”؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 7 صـ 27).

(5) قال سُفْيان الثَّوري: أئمة العدل خمسة: أبو بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبدالعزيز رضي الله تعالى عنهم،من قال غير هذا فقد اعتدى؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 378).

(6) قال شعيب بن حربٍ: “ذكروا سُفْيان الثَّوري عند عاصم بن محمدٍ، فذكروا مناقبه حتى عدوا خمس عشرة منقبةً، فقال: فرغتم، إني لأعرف فيه فضيلةً أفضل من هذه كلها؛ سلامة صدره لأصحاب محمدٍ صلى الله عليه وسلم”؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 7 صـ 27).

(7) قال عبدالوهاب الحلبي: “سألت سُفْيان الثَّوري ونحن نطوف بالبيت عن الرجل يحب أبا بكرٍ وعمر، إلا أنه يجد لعليٍّ من الحب ما لا يجد لهما، قال: “هذا رجل به داءٌ ينبغي أن يسقى دواءً”؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 7 صـ 27).

(8) قال سُفْيان الثَّوري: “من أصغى بسمعه إلى صاحب بدعةٍ وهو يعلم أنه صاحب بدعةٍ، خرج من عصمة الله، ووُكِل إلى نفسه”؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 7 صـ 33).

قوة حفظ سُفْيان الثَّوري:

(1) ما استودعت أذني شيئًا قط إلا حفظته، حتى إني أمر بكذا – كلمةً قالها – فأسد أذني؛ مخافة أن أحفظ ما يقول؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 368).

(2) قال الأشجعي: دخلت مع سُفْيان الثَّوري على هشام بن عروة، فجعل سُفْيان يسأل وهشام يحدثه، فلما فرغ، قال: أعيدها عليك؟ قال: نعم، فأعادها عليه، ثم خرج سُفْيان وأذن لأصحاب الحديث، وتخلفت معهم، فجعلوا إذا سألوه أرادوا الإملاء، فيقول: احفظوا كما حفظ صاحبكم، فيقولون: لا نقدر نحفظ كما حفظ صاحبنا؛ (تاريخ بغداد للخطيب البغدادي جـ 10 صـ 219).

فقه الثَّوري:

(1) قال الخليفة المهدي لزوجته الخيزران: أتزوج عليك، قالت: لا يحل لك أن تتزوج علي، قال: بلى، قالت: بيني وبينك من شئت، قال: ترضين بسُفْيان الثَّوري؟ قالت: نعم، قال: فوجَّه إلى سُفْيان الثَّوري فقال: إن أم الرشيد تزعم أنه لا يحل لي أن أتزوج عليها، وقد قال الله عز وجل: ﴿ فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ﴾ [النساء: 3]، ثم سكت، فقال له سُفْيان: أتم الآية، يريد قوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ﴾ [النساء: 3]، وأنت لا تعدل، قال: فأمر لسُفْيان بعشرة آلاف درهمٍ، فأبى أن يقبلها؛ (وفيات الأعيان لابن خلكان جـ 2 صـ 389).

(2) قال سُفْيان الثَّوري: إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه، وأنت ترى غيره، فلا تَنْهَهُ؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 367).

(3) قال أبو حذيفة العجلي: قال لي سُفْيان الثَّوري: أتدرون ما تفسير: لا حول ولا قوة إلا بالله؟ يقول: لا يعطي أحد إلا ما أعطيت، ولا يقي أحد إلا ما وقيت؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 7 صـ 10).

(4) قال سُفْيان الثَّوري: لا يأمر السلطانَ بالمعروف إلا رجلٌ عالمٌ بما يأمر عالمٌ بما ينهى، رفيقٌ فيما يأمر رفيقٌ فيما ينهى، عدل فيما يأمر عدل فيما ينهى؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 379).

(5) قال يحيى بن حفصٍ: سمعت سُفْيان الثَّوري، يقول في قوله: “﴿ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ [النور: 37] الآية قال: كانوا يشترون ويبيعون ولا يدَعون الصلوات المكتوبات في الجماعة”؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 7 صـ 15).

(6) قال خلف بن تميمٍ: “دخل إياس بن عمرو بن يزيد بن عقالٍ مسجد سُفْيان الثَّوري، فقال: أبلَغك يا أبا عبدالله أن قول: لا إله إلا الله، عشر حسناتٍ، والحمد لله، والله أكبر عشر؟ فقال: كذا أبلغنا، وقال: فما تقول فيمن كسب ثلاثين ألف درهمٍ من غير حقها وقال: أقعد وأسبح وأحمد وأكبر حتى أعمل من الحسنات بعدد هذه؟! فقال سُفْيان الثَّوري: فليردها قبل؛ فإنه لا يُقبَل له ذِكر إلا بردها”؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 7 صـ 10).

شدة خوف الثَّوري من الله:

(1) قال عبدالرحمن بن مهدي: ما عاشرت في الناس رجلًا أرقَّ من سُفْيان الثَّوري، وكنت أراقبه في الليلة بعد الليلة ينهض مرعوبًا، ينادي: النار النار، شغلني ذكر النار عن النوم والشهوات؛ (تاريخ بغداد للخطيب البغدادي جـ 10 صـ 219).

(2) قال أبو نعيمٍ: كان سُفْيان الثَّوري إذا ذكر الموت لا ينتفع به أيامًا، فإذا سُئل عن الشيء قال: لا أدري، لا أدري؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 387).

(3) قال علي بن عثامٍ: “مرض سُفْيان الثَّوري بالكوفة، فبعث بمائه إلى متطببٍ بالكوفة، فلما نظر إليه قال: ويلك بول من هذا؟ فقال: ما تسأل؟ انظر ما ترى فيه، قال: أرى بول رجلٍ قد أحرق الخوفُ كبده، والحزنُ جوفه”؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 7 صـ 14).

الثَّوري يرفض تولية القضاء:

قال القعقاع بن حكيم: كنت عند المهدي وقد أتي بسُفْيان الثَّوري، فلما دخل عليه سلم تسليم العامة ولم يسلم بالخلافة، والربيع قائم على رأسه متكئًا على سيفه يرقب أمره (أي حاله)، فأقبل عليه المهدي بوجه طلق، وقال له: يا سُفْيان، تفر منا ها هنا وها هنا، وتظن أنَّا لو أردناك بسوء لم نقدر عليك؟! فقد قدرنا عليك الآن، أفما تخشى أن نحكم فيك بهوانا؟! قال سُفْيان: إن تحكم فيَّ يحكم فيك ملك قادر، يفرُقُ بين الحق والباطل، فقال له الربيع: يا أمير المؤمنين، ألهذا الجاهل أن يستقبلك بمثل هذا؟! ائذن لي أن أضرب عنقه، فقال له المهدي: اسكت ويلك، وهل يريد هذا وأمثاله إلا أن نقتلهم فنشقى بسعادتهم؟! اكتبوا عهده على قضاء الكوفة على ألا يعترض عليه في حكم، فكتب عهده ودفع إليه، فأخذه وخرج، فرمى به في دجلة وهرب، فطلب في كل بلد فلم يوجد؛ (وفيات الأعيان لابن خلكان جـ 2 صـ 390).

عزة نفس الثَّوري:

قال مبارك بن سعيد (شقيق سُفْيان الثَّوري): جاء رجل إلى سُفْيان ببدرة أو قال: بدرتين، شك أبو زكريا، وكان أبو ذلك الرجل صديقًا لسُفْيان جدًّا، وكان سُفْيان يأتيه فيَقيل عنده، ويأتيه كثيرًا، قال: فقال: يا أبا عبدالله، في نفسك من أبي شيء؟ فأثنى عليه، وقال: رحم الله أباك، وذكر من فضله، فقال له: يا أبا عبدالله، قد عرفت كيف صار إليَّ هذا المال، وأنا أحب أن تقبل هذا الذي جئتك به تستعين به على عيالك، قال: فقبله منه، فخرج الرجل، فلما خرج، أو كاد أن يخرج، قال لي: يا مبارك، الحقه فرده، قال: فلحقته فرددته، فقال: يا بن أخي، أحب أن تقبل هذا المال، فإني قد قبلته منك، ولكن أحب أن تأخذه، فترجع به، فقال: يا أبا عبدالله، في نفسك منه شيء؟ قال: لا، ولكن أحب أن تقبله، فلم يزل به حتى أخذه، فلما خرج جئت وقد داخلني ما لا أملك، فقعدت بين يديه، فقلت: ويحك يا أخي، أيش قلبك هذا، حجارة؟ أنت ليس لك عيال، أما ترحمني، أما ترحم إخوانك، أما ترحم صبياننا، قال: فأكثرت عليه من هذا النحو، فقال: يا مبارك، تأكلها أنت هنيئًا مريئًا، وأسأل أنا عنها؟ لا يكون هذا أبدًا؛ (تاريخ بغداد للخطيب البغدادي جـ 10 صـ 219).

حرص الثَّوري على الأمر بالمعروف:

(1) قال محمد بن يوسف الفريابي: سمعت سُفْيان الثَّوري، يقول: “أُدخلتُ على الخليفة المهدي بمنًى، فقلت له: اتق الله، إنما أنزلت هذه المنزلة وصِرت في هذا الموضع بسيوف المهاجرين والأنصار، وأبناؤهم يموتون جوعًا، حج عمر بن الخطاب فما أنفق إلا خمسة عشر دينارًا، وكان ينزل تحت الشجر”، فقال لي: أتريد أن أكون مثلك؟ قلت: “لا تكون مثلي، ولكن كُنْ دون ما أنت فيه، وفوق ما أنا فيه”، فقال لي: اخرج؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 7 صـ 43).

(2) قال شجاع بن الوليد: “كنت أخرج مع سُفْيان الثَّوري، فما يكاد لسانه يفتر عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذاهبًا وراجعًا”؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 7 صـ 13).

(3) قال عبدالرحمن بن مصعبٍ: “كان رجل ضرير يجالس سُفْيان الثَّوري، فإذا كان شهر رمضان يخرج إلى السواد، فيصلي بالناس فيكسى ويعطى، فقال سُفْيان: “إذا كان يوم القيامة أثيب أهل القرآن من قراءتهم، ويقال لمثل هذا: قد تعجَّلت ثوابك في الدنيا، فقال: يا أبا عبدالله، تقول لي هذا وأنا جليسك؟ قال: أخاف أن يقال لي يوم القيامة: كان هذا جليسَك، أفلا نصحتَه”؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 7 صـ 16).

تواضُع الثَّوري:

(1) قال أبو عيسى الحواري: لما قدم سُفْيان الثَّوري الرملة – أو بيت المقدس – أرسل إليه إبراهيم بن أدهم: تعالَ حدِّثْنا، فقيل له: يا أبا إسحاق، تبعث إليه بمثل هذا؟!قال: إنما أردت كيف تواضعه،قال: فجاء فحدثهم؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 367).

(2) قال عبدالرزاق بن همام: رأيت سُفْيان الثَّوري بصنعاء اليمن يملي على صبي ويستملي له؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 370).

منزلة علم الحديث عند الثَّوري:

(1) قال سُفْيان الثَّوري: الحديث أكثر من الذهب والفضة، وليس يدرك، وفتنة الحديث أشد من فتنة الذهب والفضة؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 363).

(2) قال سُفْيان الثَّوري: كان الرجل إذا أراد أن يكتب الحديث تأدَّب وتعبَّد قبل ذلك بعشرين سنةً؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 361).

منزلة سُفْيان العلمية:

(1) قال محمد بن عبيدٍ الطنافسي: لا أذكر سُفْيان الثَّوري إلا وهو يفتي، أذكر منذ سبعين سنةً ونحن في الكتَّاب تمر بنا المرأة والرجل فيسترشدوننا إلى سُفْيان؛ ليستفتوه، فيفتيهم؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 356).

(2) قال شعبة بن الحجاج: سُفْيان الثَّوري أمير المؤمنين في الحديث؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 356).

(3) قال المثنى بن الصباح: سُفْيان الثَّوري عالم الأمة وعابدها؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 356).

(4) قال بشر بن الحارث: كان سُفْيان الثَّوري عندي إمامَ الناس؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 357).

(5) قال مبارك بن سعيدٍ: رأيت عاصم بن أبي النَّجود يجيء إلى سُفْيان الثَّوري يستفتيه، ويقول: أتيتنا يا سُفْيان صغيرًا، وأتيناك كبيرًا؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 357).

(6) قال أيوب بن سويدٍ: ما سألنا سُفْيان الثَّوري عن شيءٍ، إلا وجدنا عنده أثرًا ماضيًا، أو أثرًا من عالمٍ قَبْله؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 359).

(7) قال سليمان بن حيان: كنا نصحب سُفْيان الثَّوري وقد سمعنا ممن سمع منه؛ إنما نريد منه تفسير الحديث؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 366).

سُفْيان يحث طلبة العلم على العمل:

(1) قال عبدالله بن المبارك: سُئل سُفْيان الثَّوري: “طلب العلم أحب إليك يا أبا عبدالله أو العمل؟”، فقال: “إنما يراد العلم للعمل، لا تدَعْ طلبَ العلم للعمل، ولا تدَعِ العمل لطلب العلم”؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 7 صـ 12).

(2) قال سُفْيان الثَّوري: قدمت البصرة فجلست إلى يوسف بن عبيدٍ، فإذا فتيان كأن على رؤوسهم الطير، فقلت: يا معشر القراء، ارفعوا رؤوسكم؛ فقد وضح الطريق، واعملوا، ولا تكونوا عالةً على الناس، فرفع يونس رأسه إليهم، فقال: قوموا، فلا أعلمن أحدًا منكم جالسني حتى يكسِب معاشه من وجهه، فتفرقوا، قال سُفْيان: فوالله ما رأيتهم عنده بعده؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 382).

كرم الثَّوري:

قال محمد بن يوسف الفريابي: “قدم سُفْيان الثَّوري ببيت المقدس، فأقام ثلاثة أيامٍ، وصلى عند باب الرحمة، وعند محراب داود عليه السلام، ورابَط بعَسْقلان أربعين يومًا، وصحبتُ سُفْيان من عسقلان إلى المدينة، فكان يُخرج النفقة، ونخرج معه جميعًا، فيدفعها إلى رجلٍ لينفق علينا، فكنا إذا وضعنا سفرتنا لم يرِدْ أحدٌ من السُّؤَّال إلا أعطاه، حتى لا يبقى شيء، فكان بعضنا إذا رآه يصنع ذلك يأخذ خبزه ويتنحى فيأكل”؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 7 صـ 25).

من كرامات الثَّوري:

قال إبراهيم بن سليمان الزيات: كنا عند سُفْيان الثَّوري، فجاءت امرأة فشكت إليه ابنها، وقالت: يا أبا عبدالله، أجيئك به تعظه؟ فقال: “نعم جيئي به”، فجاءت به، فوعظه سُفْيان بما شاء الله، فانصرف الفتى، فعادت المرأة بعد ما شاء الله، فقالت: جزاك الله خيرًا يا أبا عبدالله، وذكرت بعض ما تحب من أمر ابنها، ثم جاءت بعد حينٍ فقالت: يا أبا عبدالله، ابني ما ينام الليل، ويصوم النهار، ولا يأكل ولا يشرب، فقال: “ويحك مم ذاك؟”، قالت: يطلُب الحديث، فقال: “احتسبيه عند الله”؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 7 صـ 65).

ابتلاء الثَّوري:

(1) قال عبدالرحمن بن مهدي: سمعت سُفْيان الثَّوري يقول: “طُلبت في أيام المهدي، فهربت، فأتيت اليمن، فكنت أنزل في حي حي، وآوي إلى مسجدهم، فسُرق في ذلك الحي، فاتهموني، فأتوا بي معن بن زائدة، وكان قد كتب إليه في طلبي، فقيل له: إن هذا قد سرق منا، فقال: لِمَ سرقت متاعهم؟ فقلت: ما سرقت شيئًا، فقال لهم: تنحوا لأسأله، ثم أقبل عليَّ، فقال: ما اسمك؟ قلت: عبدالله بن عبدالرحمن، قال: يا عبدالله بن عبدالرحمن، نشدتك بالله لَمَا نسبت لي نسبك، قلت: أنا سُفْيان بن سعيد بن مسروقٍ، قال: الثَّوري؟ قلت: الثَّوري، قال: أنت بغية أمير المؤمنين؟ قلت: أجل، فأطرق ساعةً، ثم قال: ما شئتَ فأقم، وارحل متى شئت، فوالله لو كنتَ تحت قدمي ما رفعتُها”؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 7 صـ 4).

(2) قال عبدالرحمن بن مهدي: “قدم سُفْيان الثَّوري البصرةَ والسلطانُ يطلبه، فصار في بعض البساتين، فأجر نفسه على أن يحفظ ثمارها، فمر به بعض العشارين، فقال له: من أين أنت يا شيخ؟ قال: من أهل الكوفة، قال: أخبرني، أرطب البصرة أحلى أم رطب الكوفة؟ قال: أما رطب البصرة فلم أذُقْه، ولكن رطب السابرية بالكوفة حلو، فقال: ما أكذبك من شيخٍ! الكلاب والبر والفاجر يأكلون الرطب الساعة، وأنت تزعم أنك لم تذقه؟ فرجع إلى العامل فأخبره بما قال ليعجبه، فقال: ثكلتك أمك، أدركه، فإن كنت صادقًا فإنه سُفْيان الثَّوري، فخذه لتتقرب به إلى أمير المؤمنين المهدي، فرجع في طلبه فما قدر عليه”؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 7 صـ 13).

(3) روى ابن سعدٍ عن أبي شهابٍ الحناط، قال: بعثَتْ أختُ سُفْيان الثَّوري معي بجرابٍ إلى سُفْيان وهو بمكة (مختفٍ من الخليفة المهدي)، فيه كعك وخشكنانج، فقدمت مكة فسألت عنه، فقيل لي: إنه ربما قعد دبر الكعبة مما يلي باب الحناطين، قال: فأتيتُه هناك وكان لي صديقًا، فوجدته مستلقيًا، فسلَّمت عليه، فلم يُسائِلْني تلك المساءلة، ولم يسلم علي كما كنت أعرف منه، فقلت له: إن أختك بعثت إليك معي بجرابٍ فيه كعك،قال: فعجِّل به علي، واستوى جالسًا، فقلت: يا أبا عبدالله، أتيتك وأنا صديقك فسلمت عليك فلم ترد علي ذاك الرد، فلما أخبرتك أني أتيتك بجراب كعكٍ لا يساوي شيئًا جلست وكلمتني، فقال: يا أبا شهابٍ، لا تلُمْني؛ فإن هذه لي ثلاثة أيامٍ لم أذق فيها ذواقًا، فعذرته؛ (الطبقات الكبرى لابن سعد جـ 6 صـ 372).

(4) قال ابن سعدٍ: لما خاف سُفْيان بمكة من طلب الخليفة المهدي للقبض عليه، خرج إلى البصرة فقدمها، فنزل قرب منزل يحيى بن سعيدٍ القطان، فقال لبعض أهل الدار: أما قربكم أحد من أصحاب الحديث؟ قالوا: بلى يحيى بن سعيدٍ، قال: جئني به، فأتاه به، فقال: أنا ها هنا منذ ستة أيامٍ أو سبعةٍ، فحوله يحيى إلى جواره، وفتح بينه وبينه بابًا، وكان يأتيه بمحدثي أهل البصرة يسلمون عليه ويسمعون منه، فكان فيمن أتاه جَرير بن حازمٍ، والمبارك بن فَضالة، وحماد بن سلمة، ومرحوم العطار، وحماد بن زيدٍ، وغيرهم، وأتاه عبدالرحمن بن مهدي ولزمه، فكان يحيى وعبدالرحمن يكتبان عنه تلك الأيام،ولما تخوَّف سُفْيان أن يشهر بمقامه بالبصرة قُربَ يحيى بن سعيدٍ، قال له: حوِّلْني من هذا الموضع، فحوله إلى منزل الهيثم بن منصورٍ الأعرجي من بني سعد بن زيد مناة بن تميمٍ، فلم يزل فيهم؛ (الطبقات الكبرى لابن سعد جـ 6 صـ 373).

أقوال السلف في سُفْيان:

(1) قال سُفْيان بن عيينة: كان سُفْيان الثَّوري كأن العلم ممثَّل بين عينيه، يأخذ منه ما يريد، ويدَعُ ما لا يريد؛ (تاريخ بغداد للخطيب البغدادي جـ 10 صـ 219).

قال سُفْيان بن عيينة أيضًا: أصحاب الحديث ثلاثة: عبدالله بن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثَّوري في زمانه؛ (تاريخ بغداد للخطيب البغدادي جـ 10 صـ 219).

(2) قال عبدالله بن داود الخُرَيبي: ما رأيت محدثًا أفضل من سُفْيان الثَّوري؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 359).

(3) قال شريك بن عبدالله: إن الله تعالى لا يدَعُ الأرض من حجةٍ تكون لله على عباده، يقول: ما منعكم أن تكونوا مثل فلانٍ؟!قال شريك: ونرى أن سُفْيان الثَّوري منهم؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 360).

(4) قال عبدالله بن المبارك: كتبتُ عن ألف ومائة شيخ، ما كتبت عن أفضلَ مِن سُفْيان الثَّوري؛ (تاريخ بغداد للخطيب البغدادي جـ 10 صـ 219).

• وقال عبدالله بن المبارك: ما أعلَمُ على الأرض أعلَمَ مِن سُفْيان الثَّوري رحمه الله؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 357).

• وقال عبدالله بن المبارك: تعجبني مجالس سُفْيان الثَّوري، كنت إذا شئت رأيته في الورع، وإذا شئت رأيته مصليًا، وإذا شئت رأيته غائصًا في الفقه؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 357).

(5) قيل للفضيل بن عياضٍ في بعض ما كان يذهب إليه من الورع: مَن إمامك في الورع؟ قال: سُفْيان الثَّوري؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 7 صـ 3).

(6) قال أيوب السَّختياني: ما قدِم علينا من الكوفة أفضل من سُفْيان الثَّوري؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 360).

(7) قال وكيع بن الجراح: ما رأت عيناي مثل سُفْيان الثَّوري؛ (تاريخ بغداد للخطيب البغدادي جـ 10 صـ 219).

قال قتيبة بن سعيدٍ: “لولا سُفْيان الثَّوري لمات الورع”؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 7 صـ 20).

قبس من كلام الثَّوري:

(1) قال سُفْيان الثَّوري: ليس عمل بعد الفرائض أفضل من طلب العلم؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 363).

(2) قال سُفْيان الثَّوري: لا نزال نتعلم العلم ما وجدنا من يعلِّمنا؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 363).

(3) قال سُفْيان الثَّوري: لو أن البهائم تعقِلُ مِن الموت ما تعقِلون، ما أكلتم منها سمينًا؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 392).

(4) قال سُفْيان الثَّوري: “إنما سُميت الدنيا؛ لأنها دنيَّة، وسمي المال؛ لأنه يميل بأهله”؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 7 صـ 10).

(5) قال سُفْيان الثَّوري: الأعمال السيئة داء، والعلماء دواء، فإذا فسد العلماءُ فمَن يشفي الداء؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 361).

(6) قال سُفْيان الثَّوري: إذا زهد العبد في الدنيا، أنبَت الله الحكمة في قلبه، وأطلق بها لسانه، وبصَّره عيوبَ الدنيا وداءَها ودواءَها؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 389).

(7) قال سُفْيان الثَّوري: إذا عرَفت نفسك، فلا يضرُّك ما قيل فيك؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 390).

(8) قال سُفْيان الثَّوري: “يُكتَب للرجل من صلاته ما عقَل منها”؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 7 صـ 61).

(9) قال سُفْيان الثَّوري: إذا رأيت الرجل حريصًا على أن يؤتمَّ، فأخِّرْه؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 390).

(10) قال سلام بن سليمٍ: قال لي سُفْيان الثَّوري: عليك بعمل الأبطال؛ الكسب من الحلال، والإنفاق على العيال؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 381).

(11) قال سُفْيان الثَّوري: ليس الزهد في الدنيا بلبس الخشن، ولا أكل الجشب، إنما الزهد في الدنيا قِصَر الأمل؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 386).

(12) قال سُفْيان الثَّوري: “ما رأيت الزاهد في شيءٍ أقل منه في الرياسة، ترى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال والثياب، فإذا نوزع في الرياسة حامى عليها وعادى”؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 7 صـ 39).

(13) قال رجل لسُفْيان: أوصني، فقال: اعمل للدنيا بقدر بقائك فيها، واعمل للآخرة بقدر دوامك فيها؛ (وفيات الأعيان لابن خلكان جـ 2 صـ 387).

(14) قال سُفْيان الثَّوري: لا يفقه عبد حتى يعُدَّ البلاء نعمةً، والرخاء مصيبةً؛ (المصنف لابن أبي شيبة جـ 12 صـ 278 رقم: 36682).

وفاة سُفْيان الثَّوري:

لما حضَر الموتُ سُفْيانَ الثَّوريَّ جزع، فقال له مرحوم بن عبدالعزيز: يا أبا عبدالله، ما هذا الجزع؟ إنك تقدَمُ على الرب الذي كنت تعبده، فسكن وهدأ، وقال: انظروا مَن ها هنا مِن أصحابنا الكوفيين، فأرسلوا إلى عبادان، فقدم عليه عبدالرحمن بن عبدالملك بن أبجر، والحسن بن عياشٍ أخو أبي بكر بن عياشٍ، فأوصى إلى عبدالرحمن بن عبدالملك، وأوصاه أن يصلي عليه، فأقاما عنده حتى مات، فأخرج بجنازته على أهل البصرة فجأةً، وسمعوا بموته، وشهِده الخلق، وصلى عليه عبدالرحمن بن عبدالملك، وكان رجلًا صالحًا رضيه سُفْيان لنفسه، ونزل في حفرته، ونزل معه خالد بن الحارث وغيرهما، ودفنوه، ثم انصرف عبدالرحمن بن عبدالملك والحسن بن عياشٍ إلى الكوفة، فأخبَرَا أهلها بموت سُفْيان رحمه الله؛ (الطبقات الكبرى لابن سعد جـ 6 صـ 373).

نظر حماد بن زيدٍ إلى سُفْيان الثَّوري (أي: بعد وفاته) مسجى بثوبٍ على السرير، فقال: يا سُفْيان، لست أغبِطُك اليوم بكثرة الحديث؛ إنما أغبطك بعملٍ صالحٍ قدمتَ؛ (حلية الأولياء لأبي نعيم جـ 6 صـ 371).

توفي سُفْيان الثَّوري (رحمه الله) بالبصرة في شعبان سنة إحدى وستين ومائةٍ؛ (الطبقات الكبرى لابن سعد جـ 6 صـ 371).

وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله رب العالمين.

وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

0 0 votes
Article Rating