الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم المرسَلين، وعلى أصحابه الغرِّ الميامين، وعلى من اتَّبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

فقد انتشر في عصرنا مرَضُ الإلحاد، وهو أحد الأمراض الفكرية الفتاكة؛ إذ يَفتك بالإيمان، ويُعمي الحواس عن أدلَّة وجود الخالق الرحمن، وتجد المريض يُجادل في البديهيات، ويَجمع بين النقيضَين، ويفرِّق بين المُتماثِلَين، ويَجعل من الظن علمًا، ومِن العلم جهلًا، ومن الحق باطلًا، ومِن الباطل حقًّا.

ومن عوامل انتشار هذا المرض: الجهل بالدِّين، وضعف العقيدة واليَقين، والاسترسال في الوساوس الكفرية، والسماع والقراءة لشبهات أهل الإلحاد دون أن يكون لدى الإنسان علم شرعي مؤصَّل.

وشبهات أهل الإلحاد ما هي إلا أقوال بلا دليل صحيح، وادِّعاءات بلا مُستند راجح، ورغم ضَعفها وبُطلانها فإنها قد تؤثِّر في بعض المسلمين؛ لقلَّة العلم، وازدياد الجهل بالدين، ولذلك كان لا بدَّ مِن كشف شبهات ومغالطات ودعاوى أهل الإلحاد، شُبهة تلو الأخرى، ومغالطة تلو المُغالَطة، ودعوى تِلْو الدعوى؛ حتى لا يَنخدِع أحد بكلامهم وشُبَهِهم.

ومن مُغالطات الملاحدة: ادعاء أن السببية لا وجود لها في ميكانيكا الكمِّ؛ بحجة أن النتيجة قد تسبق السبب في العالم الكمِّي، فتأتي النتيجة قبل السبب.

وقبل بيان خطأ هذه الدعوى، حريٌّ بنا أن نعرف ما هي ميكانيكا الكم، وما هي السببية؛ فالحكم على الشيء فرع عن تصوُّره.

وميكانيكا الكم هي العِلم الذي يختصُّ بدراسة سلوك المواد المتناهية الصِّغَر مِن جسيمات ذرية وجسيمات تحت الذرية، وقد جاء كتعميم وتصحيح لنظريات نيوتن الكلاسيكية في الميكانيكا، وخاصة على المستوى الذرِّي ودون الذرِّي، وقد نجح في تفسير العديد من الظواهر التي لم تستطع الفيزياء الكلاسيكية تفسيرها.

والسببية (العلية) Causalityهي علاقة بين السبب والنتيجة[1]، وتَقتضي السببية أن لكل حادثة علة تسبقها وتؤدِّي إليها[2]؛ أي: لكل ظاهرة سبب أو علَّة لوجودها، وما مِن شيء حادث إلا كان لوجوده سبب يفسِّر وجوده[3]، والعقل يُدرك ذلك تلقائيًّا، وبلا مَعونة الحسِّ والتجربة؛ كالتلازم والتلاحُم بين وجود البناء ووجود الباني، والجناية والجاني[4].

ودعوى إلغاء السببية في عالم الكم لأن النتيجة قد تسبق السبب ظاهريًّا – دعوى تعود على نفسها بالإبطال؛ إذ كيف تكون السببية مُلغاة، والسبب ما زال يسمى سببًا، والنتيجة ما زالت تسمى نتيجة، ولو كانت السببية مُلغاة ما سُمي السبب سببًا، وما سُميت النتيجة نتيجة؟! وهذا الهراء أشبه بادعاء عدم وجود جريمة قتل رغم وجود قاتل ومَقتول.

ودعوى إلغاء السببية في عالم الكم لأن النتيجة قد تَسبق السبب ظاهريًّا – فيها استِدلال على رد السببية في عالم الكمِّ بما ينطوي على الاعتراف بها، ولا يَخفى ما في هذه الدعوى من التناقُض، ولو كانت السببية مُلغاة في عالم الكم، فقد أبطلت الاستدلال بها على بطلان السببية، وإذا لم تكن مُبطلة للسببية، فلا حُجة فيها على بطلان السببية.

ولأن السببية أحد مبادئ العقل، فهي تتَّصف بما تتصف به المبادئ العقلية، والمبادئ العقلية تتصف بصفتين رئيسيتين:

أ‌ – أنها ضرورية؛ أي: لا تقبل التعديل ولا الاحتمال، ولا تتوقف على الأفراد والظروف؛ ولذا فهي فطرية في الإنسان.

ب‌ – أنها كلية؛ إذ تُسلِّم بها كل العقول، وتَحكم كل الأشياء[5].

وبالتالي السببية مبدأ عام، وحكم عام على جميع الأشياء المُحدثة، والزعم بعدم صحة مبدأ السببية في عالم الكم زعم باطل يُخالف كليةَ مبدأِ السببية التي يشهد بها ويقرُّ بها العقل السليم.

وعند التعامل مع الإليكترون والفُوتون، وعند التعامل مع الجسيمات الذرية والجسيمات تحت الذرية، لا نستطيع الحصول إلا على حقائق جزئية نسبية، لا حقائق كلية مُطلَقة، وبالتالي لا يصح أن تكون هذه الحقائق النسبية حكمًا على الحقائق المُطلَقة، التي من ضمنها مبدأ السببية.

وليس من الضروري بالنسبة للسببية أن تأتي النتيجة في إدراكنا وحواسنا متأخِّرة عن سببها، فمن الممكن أن تأتي مع السبب في وقت واحد، وقد تأتي سابقةً عليه، لكن هذا لا يُغيِّر من حقيقتها، ولا يلغي إطلاق اسم النتيجة عليها؛ فقد أرى نور الشمس قبل أن أرى الشمس، وقد أسمع الرعد قبل أن أرى البرق، وقد أرى المقتول قبل أن أرى القاتل.

ومن المعروف عند علماء الكم أن عالَم الكم عالم غريب معقَّد، تسُوده الاحتمالية بدلًا مِن الحتميَّة؛ ففيه لا يُمكن وصف الإليكترون بموجة وحيدة، ولكن يوصف بحزمة من الموجات، ومن خلال سلوك الموجات مِن حيث التداخل البنَّاء والهدام تظهر احتمالية لوجود الإليكترون بمنطقة محددة[6]، وفي عالم الكمِّ لا يمكن رصد وتحديد موقع وكمية تحرُّك الإليكترون بدقَّة في آنٍ واحد، فكلما زادت الدقة في رصد كمية تحرُّك الإليكترون، قلَّتِ الدقة في تحديد موقعِه، وكلَّما زادت الدقة في تحديد موقع الإليكترون، قلَّت الدقة في تَحديد كميَّة تحرُّكه، فيما يُعرف بمبدأ عدم التأكُّد لهايزنبرج Heisenberg’suncertaintyprinciple، وفيه أنَّ الأمواج يُمكن أن تَسلك كالجسيمات، والجسيمات تظهر صفات موجيَّة[7]، والجسيمات المتحرِّكة تتمتَّع بخواص ازدواجية[8]، فيما يعرف بالطبيعة المزدوجة للمَوجة والجسيم Wave-particleduality؛ أي: إن الجُسيمات لها طبيعة مُزدوَجة؛ بمعنى أنها جُسيمات مادية لها خواص موجية، فيُمكن أن تتصرَّف كموجة ويُمكن أن تتصرَّف كجسيم.

ونظرًا لطبيعة عالَم الكمِّ الاحتمالية، نجد ظاهريًّا في بعض الأحيان انقلابًا في الوضع المنطقي؛ بحيث تسبق النتيجةُ السبب، ولكن هذا الانقلاب ليس إلا خداعًا يعود في جوهره إلى طبيعة عالم الكمِّ الاحتماليَّة، ولا يعودُ مُطلقًا إلى انقِلابٍ في قانون السببية.

وإذا أثبت العلم أن النتيجة قد تَسبق السبب أحيانًا، فهذا لا يُغيِّر من حاجة النتيجة إلى سبب، ولا يستلزم ذلك نقضَ مبدأ السببية، وهذا السبق سبق ظاهري وليس حقيقيًّا؛ بسبب الطبيعة الاحتمالية لعالَم الكمِّ، فليس للجسيمات تحت الذرية مسار واحد في عالم الكمِّ، وإذا أردنا معرفة مسار وجود جسيم، فعلَينا حساب احتمال وجوده في مكان معين؛ أي: تحديد مسار الجسيم يكون بطريقة احتمالية، وليس تحديد مساره بالضبط، وهذا الاحتمال تقوم موجة احتمالية بوصف مكانه، وتُوصف موجة الاحتمال عن طريق مُعادلة موجية كمُعادلة شرودنجر.

ودعوى إلغاء السببية في عالم الكمِّ لأن النتيجة قد تسبق السبب – دعوى ناشئة عن الاعتقاد بأن السببية ليس إلا ملاحظة حدوث تعاقب بين حدَثَين، وهذا فيه خلط بين السببية ومعرفة السبب، والسببية عندهم اقتران ثابت بين حدثين؛ فمثلًا: الحدث أ يعقبه الحدث ب، إذًا الحدث أ سبب الحدث ب، والحدث ب نتيجة الحدث أ، فأرجَعوا معرفة السبب والنتيجة إلى ترتيب تَعاقُبهما، فإذا توالى حدَثان فالأول سبب والثاني نتيجة، مع أن ترتيب التعاقب ليس شرطًا في معرفة مَن السبب ومَن النتيجة؛ فقد أرى السبب قبل أن أرى النتيجة، وقد أرى النتيجة قبل أن أرى السبب، والعلامة المميزة للنتيجة هي الحاجة والافتقار؛ أي: حاجة النتيجة إلى سبب، وافتقار النتيجة إلى سبب، سواء رأيت السبب أولًا أو رأيت النتيجة أولًا، وعندما أرى مقتولًا، فحتمًا لا بدَّ أن يكون له قاتل، وعندما أرى حدثًا، فحتمًا لا بدَّ أن يكون له مُحدِث.

وختامًا: لو لم تكن السببية موجودة في عالم الكمِّ، لما تمكَّن العلماء من تفسير الكثير من الظواهر الكمومية، والعلماء ما زالوا يُحاولون جاهدين تفسير الظواهر الكمومية التي لم تفسَّر بعد، وهذا اعتراف ضمني منهم بأن الظواهر الكمومية لها تفسير، ومِن ثمَّ لها سبب، وإذا كان العلماء قد استطاعوا مُلاحظة الكثير من الظواهر العجيبة في العالم تحت الذرِّي، وتمكَّنوا مِن تفسيرها، وهذه الظواهر تقبَل التفسير، وهي مُطَّردة ومُتكرِّرة، فهذا ينفي الصدفة والعشوائية، ويدلُّ دلالة واضحة على وجود واضع ومُنشئ ومسنِّن لها، فمَن الذي سنَّ هذه الظواهر لهذا العالم الصغير؟!

هذا، والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات.

——————————————————————————–

[1] انظر: المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية بمصر ص: 96، والمعجم الفلسفي؛ للدكتور جميل صليبا 1 / 649.

[2] فلسفة العلوم الطبيعية؛ للدكتور عبدالفتاح مصطفى غنيمة ص: 173.

[3] انظر المعجم الفلسفي؛ للدكتور جميل صليبا 1 / 649.

[4] مذاهب فلسفية وقاموس مصطلحات لمُحمد جواد ص: 169.

[5] مدخل جديد إلى الفلسفة؛ للدكتور عبدالرحمن بدوي ص: 156.

[6] أساسيات ميكانيكا الكمِّ؛ أ. د. إبراهيم محمود أحمد ناصر،د. عفاف السيد عبدالهادي ص: 37.

[7] الكيمياء العامة: المفاهيم الأساسية؛ لريموند تشانغ ص: 218.

[8] أساسيات ميكانيكا الكم؛ أ. د. إبراهيم محمود أحمد ناصر، د. عفاف السيد عبدالهادي ص: 35.

0 0 votes
Article Rating